يديعوت - مقال - 28/9/2012 موجة ندم - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

يديعوت – مقال – 28/9/2012 موجة ندم

0 92

بقلم: سمدار بيري

تعود مصر الى فتح الجرح الوطني الذي حدث لقتل السادات بعد 31 سنة.

       احتاج عبود الزمور الى 31 سنة لطلب الصفح. فقد انتظر الدماغ الذي كان يقف وراء مقتل رئيس مصر أنور السادات الى ان سُرح من السجن كي يقول لأول مرة انه نادم. لكن لا يجوز ان نخطيء لأنه ليس عنده ألبتة عذاب ضمير. وقد أعلن في أحاديث أجراها مع صحفيين منذ أصبح انسانا حرا قوله: “كان السادات يستحق عقابا شديدا جدا بسبب الخطأ الكبير الذي قام به حينما وقع على اتفاق السلام مع اسرائيل”. فما الذي يأسف عليه بالضبط اذا؟ يُبين ذلك بقوله “ان فشلي جاءنا بحسني مبارك ومن المؤكد أنني أعترف بأنني اخطأت”.

          في يوم القتل في السادس من تشرين الاول 1981 كان الزمور عضوا رفيع المستوى في مجلس شورى الحركة السرية المتطرفة “الجماعة الاسلامية”. وبعد ذلك بزمن قصير اعتقل وحوكم وحُكم عليه بالسجن المؤبد لمشاركته في التخطيط للاغتيال وتسليح القتلة وارسالهم. وفي 2007 أنهى 25 سنة سجن لكن مبارك أصر على عدم الافراج عنه ولم تساعد الاستئنافات التي قدمها محاموه ولا ما نُشر في وسائل الاعلام ايضا. وبقي الزمور وراء الجدران الى شهر آذار الماضي. والآن في انقلاب تاريخي أصبح في الخارج، أما من يبغضه، أعني الرئيس المخلوع، فقد احتل مكانه في السجن.

          يزعم الزمور في أحاديث مع وسائل الاعلام أنه أراد ان يعزل السادات بطريقة مختلفة تماما لا تنتهي الى موته. وكانت احدى الخطط كما قال الانقضاض على سجن كبير والافراج عن آلاف السجناء السياسيين وطلب عزل الرئيس مقابلهم. وأوصت خطة اخرى بالاستيلاء على جهات رسمية. “أنا على الخصوص عارضت بشدة قتل السادات”، يقول. “كان قصدي الى إحداث ثورة شعبية تفضي الى اسقاطه بغير سفك دماء، وقد خططت لنشر نشطاء من الجماعة في كل أنحاء مصر، ولمهاجمة مؤسسات الحكم وشل اجهزة الاتصال واحتلال مبنى الاذاعة والتلفاز الذي نبث منه “الاعلان رقم 1″ بالاستيلاء على السلطة”.

          يُبين الزمور ان ما رجح الكفة كانت عملية التطهير السياسي التي نفذها الرئيس في الاول من ايلول 1981. ويقول: “في موجة غضب عظيم وبعملية سُميت بعد ذلك بالاسم الشيفري “خريف الغضب” أمر السادات باعتقال 1534 من ناس الحياة العامة من جميع التيارات السياسية حددوا بأنهم أعداء النظام: وهم نشطاء احزاب أُخرجت خارج القانون ومثقفون وصحفيون كبار ونشطاء حقوق انسان وشيوعيون وليبراليون ومئات النشطاء من الحركات السرية للاخوان المسلمين والجماعة الاسلامية ايضا. وعلى أثر موجة الاعتقالات اتخذ الرفاق قرارا فحواه انه ينبغي عدم اضاعة الوقت وانه يجب قتل الرئيس بأسرع وقت وبكل ثمن. وكان الأجل المسمى الذي حددناه للثورة ربيع 1984، لكننا اضطررنا في نهاية الامر الى قتل الرئيس قبل ذلك بثلاث سنين لأنه لم يترك لنا مناصا. ففي ايلول ذاك شوش السادات كل الخطط علينا. فهو الذي جلب القتل على نفسه ولهذا لم يكن لي مناص سوى ان أتبنى قرار الأكثرية برغم أنني عارضت ذلك. واستعددنا على عجل لعملية الاغتيال وحددنا الموعد في ذروة العرض العسكري. لكن اليوم وبسبب ما حدث على أثر القتل، وقد أفسد مبارك كل شيء حسن في مصر، استطيع أن أقول انني آسف لكنني لا أعتذر”.

       الشريك من القاعدة

          ان الزمور ابن الخامسة والستين هو ابن عائلة غنية سكنت في حي الجيزة الفخم في القاهرة غير بعيد عن قصر سكن السادات مثل شريكه أيمن الظواهري رئيس منظمة القاعدة في افغانستان وابن عائلة اطباء ذات حسب ونسب، وقد انشآ معا حركة الجهاد الاسلامي المصري، لكنهما اضطرا في مرحلة ما الى الانفصال وهرب الظواهري الى افغانستان. وضم الزمور اليه شركاء في أفكار خلاصية اسلامية وأسس معهم “الجماعة”، وهي نوع من عصبة اسلامية متطرفة لا تنفر من العنف.

          نزل اعضاء الحركة للعمل السري فور انشائها. لكن لا يوجد الآن مشكلة عند المقربين منهم في الكشف عن أنه يُجرى اتصال بلا وساطة بينها وبين القاعدة. وقد يكون هذا الأمن نابعا من ان “الجماعة” أصبحت الآن “النور”، الذي هو الحزب الثاني في كبره في مصر بعد الثورة. ليس لهم تأثير سياسي لأن مجلس الشعب اجتمع مرة واحدة فقط اجتماعا احتجاجيا على قرار المحكمة على فضّه. وأُرسل المنتخبون الـ 450 الى بيوتهم حتى اشعار جديد، وتُدبر أمور مصر الآن من قصر الرئاسة الذي يُنزل توجيهات على المجلس الوزاري المصغر. ان وزن الحركة رمزي في الأساس. ويثير موطيء القدم الذي حصلت عليه في الانتخابات غضبا وخيبة أمل عند من يبحثون عن صيغ لاستقدام المستثمرين ونفخ روح الحياة في السياحة، وانشاء اماكن عمل للعاطلين، والامتناع عن مواجهة مع الغرب.

          “ان الجماعة تهديد لجهود مرسي لانشاء مصر جديدة”. كما يُبين رجل الاعمال العلماني هشام ج. “ومن المؤكد ان الاسلاميين المتطرفين مشكلة. فهم الذين هاجموا السفارة الامريكية متعللين بفيلم اساءة سمعة النبي محمد وجُر مرسي وراءهم ونشر اعلان تشجيع للمتظاهرين وبعد ان ضربته الولايات المتحدة على رأسه فقط اعتذر اعتذارا شديدا ووعد اوباما بأن يهتم بألا تسقط شعرة من رؤوس الدبلوماسيين الامريكيين. ان الرئيس بعد شهرين في عمله يرى من القصر ما لم يره في سنيه في العمل السري. والجماعة تشوش عليه”.

          اجتمع في هذا الاسبوع خمسة مسؤولين كبار من الجماعة لدى أسرة تحرير الصحيفة اليومية الرسمية “الأهرام” في القاهرة. وقد دُعوا لينبشوا عميقا الجرح الوطني وليتذكروا قضية اغتيال السادات. والحديث بالنسبة لمن أُجريت اللقاءات معهم ولمن أجروا اللقاءات وفي مقدمتهم محرر الصحيفة عبد الناصر سلامة، عن حدث تاريخي. ويجوز لنا ان نُخمن أن هؤلاء الخمسة ما كانت أقدامهم لتطأ قبل سنتين مدخل المبنى المتعدد الطوابق في الحي المزدحم في القاهرة. “كنا مطاردين اربعين سنة ومطلوبين وخارج القانون”، بيّن أحد المشاركين في النقاش. “وكان من ينشيء معنا اتصالا يعتبر مُخلا بالقانون واستطاعت الاجهزة ان توقفه ايضا باعتباره عدوا للسلطة”.

          في غد نشر اللقاء في يوم الاثنين رد عشرات القراء بغضب واحتاروا في صحيفة “الأهرام”. وسأل الجميع السؤال نفسه: لماذا يمنحون قتلة بطل الحرب والسلام فرصة الكلام؟ “لا أحد ينجح في اقناعي حتى ولا هذه المقابلة الصحفية بأن اعضاء المنظمة تخلوا عن الارهاب”، كتب إلي شعلان ج. وهو مثقف مصري. “بقيت أيديهم ملطخة بالدم وليس السادات ضحيتهم الوحيدة”.

          ان السبق الصحفي للقاء صدر عن الدكتور طارق الزمور شقيق عبود الذي كشف لأول مرة عن ان الرئيس قُتل بسبب خلل اتصال ما كان ليحدث اليوم. “في السبت الذي سبق القتل في الرابع من تشرين الاول 1981 أتممنا جلسة سرية لمجلس الجماعة وبعد جدل طويل صعب استقر رأينا على الغاء عملية اغتيال السادات زمن العرض العسكري”، قال. “وفي الغد أرسلنا أحد اصدقائنا الشيخ اسامة حافظ على عجل الى القاهرة ليبلغ قائدي العملية الملازم أول خالد الاسلمبولي وعبد السلام فرج أن العملية أُلغيت. لكنه لم ينجح في أن يجدهما، فقد كان فرج مختبئا، أما الاسلمبولي فنجح في التسلل الى وحدته في الجيش واحتل مكان ضابط غاب عن القاعدة العسكرية. ويجب ان نذكر انه لم تكن آنذاك هواتف خلوية ولم يصل أمر عدم اطلاق النار الى خلية التنفيذ”.

          يمكن ان نجد بين الخمسة اصوات ندم مثل عبود الزمور الذي “يأسف” على القتل. “كنت بين اولئك الذين عارضوا قتل السادات”، يقول أحدهم وهو الدكتور عصام درب الله. “حاولت اقناع رفاقي بأن هذا ليس اسلوبنا. صحيح أننا أردنا إبعاد السادات جدا لكننا لم ننجح في تنظيم ثورة. لو أن المبعوث حافظ وجد الاسلمبولي في الليلة التي سبقت العرض لبدا الامر على نحو مختلف”.

          يتابع الزمور الشقيق هذا الخط قائلا: “اتُخذ قرار التخلص من السادات تحت ضغط لأن حياتنا تمت في ظروف طواريء، فقد كان النظام يطاردنا وطرحونا في السجون ومات رفاقنا في التعذيب في اثناء التحقيقات واضطر آخرون الى الاختباء. وبسبب العيش السري لم يسمح حتى الشيخ عمر عبد الرحمن لنفسه بأن يحتفظ باتصال معنا، فقد علمنا ان هواتفنا مراقبة ولم نستطع ان نبلغه عن خطة الاغتيال”.

          برغم أسف بعضهم بسبب الخطوة المتطرفة التي خطوها لا يشتاق اعضاء “الجماعة” الخمسة الذين اجتمعوا هذا الاسبوع حول جهاز التسجيل في غرفة الاجتماعات في “الأهرام” الى الرئيس اليوم ايضا، فهم يزعمون أنه كان كارثة على مصر ويؤكدون قائلين: “تلقينا ردودا ممتازة على القتل من داخل الدولة ومن دول عربية”. ويعطي الدكتور درب الله سبب التشجيع: “كان للسادات مثل كل انسان انجاز كبير في حرب اكتوبر 1973، فقد كان ذلك قرارا شجاعا ومدهشا، وكان له الفشل المخزي في اتفاق السلام مع اسرائيل. وقد سلك سلوك مستبد. وفضلا عن انه اتخذ قرار السلام وحده بغير مشاورة أعلن ايضا محاربة جميع معارضي السلام، فطُرح 30 ألفا في السجون وجرت علينا اعمال تعذيب عنيف وأخرجوا عشرات النشطاء منا سرا من السجون للقضاء عليهم. واستلت اجهزة الامن ايضا ناسا من بيوتهم وقيدوا الى منطقة مفتوحة وأطلقوا النار عليهم فقتلوهم. في تلك الايام اختفى 500 انسان ولم يستطع مئات تجاوز التحقيقات أحياءا ومات آخرون في “حوادث طرق”، من غير ان يحاكموا”.

       عشر محاولات اغتيال

          في خلال المقابلة الصحفية أُثير اسم مبارك أكثر من مرة وهو الذي كان نائب السادات زمن القتل والزعيم الذي سيطر على مصر بقبضة حديدية في الثلاثين سنة التي تلت ذلك. وقد برأ الدكتور درب الله الرئيس المخلوع من عدد من الخطايا التي أفضت الى تنحيته عن الحكم كي يُلصقها فقط بالرئيس الذي اغتالوه. “يتهمون مبارك الآن بحصار غزة لكن السادات هو الذي بدأ. فهو الذي وقع على اتفاقات كامب ديفيد واستسلم لاسرائيل والامريكيين. ويتهمون مبارك بالفساد وسرقة اموال الدولة من قبل أقطاب جماعة الاعمال، والسادات هو الذي مهد الطريق لهم حينما منحهم امتيازات وافضالات على حساب فقراء مصر. هل يزعمون ان مبارك زور انتخابات مجلس الشعب في 2010؟ تعلم ذلك من السادات الذي حددوا النتائج عنده سلفا ولم يُجهدوا أنفسهم قط في عد الاصوات”.

          أُعدم الاسلمبولي وضابط آخر شارك في الاغتيال هو حسين عباس في نيسان 1982 باطلاق النار عليهما. لكن اعضاء الجماعة الاسلامية تابعوا نهجهم وحاولوا اغتيال مبارك ايضا في سنوات حكمه. وقد ضغطت أسرة تحرير “الأهرام” هذا الاسبوع على اعضائها لكي يكشفوا كم مرة بالضبط. “عشر مرات على الأقل”، اعترف اثنان منهم هما الدكتور احمد عمران والدكتور صابر حارس. وهو الرقم الذي ذكره عبود الزمور ايضا لكن حارس اهتم بالتوسع ايضا فقال: “تمت الواقعة الأشهر في أديس أبابا في 1995 وتم سائر محاولات الاغتيال في داخل مصر. وخلص مبارك ونجا وكانت تلك ارادة الله كما يبدو كي لا يصبح شهيدا. لكنه حصل على ما يستحقه باهانة وإذلال يجريان عليه منذ ان نحوه عن الحكم”.

          جُرح مبارك جرحا طفيفا زمن اغتيال السادات، فقد كان يقف قرب الرئيس حينما رمى الملازم اول الاسلمبولي بثلاث قنابل يدوية وأطلق رفاقه النار. وكان مصيره أفضل من مصير المسؤولين الكبار العشرة الذين قُتلوا في تلك الواقعة ومنهم سفير كوبا ووزير دفاع ايرلندة وجنرال من عُمان. وفي أحاديث أجريتها مع الأرملة جيهان السادات تحدثت عن اللقاء المشحون مع الوارث بعد القتل وهو لقاء كان وداعا لزوجها ايضا. “حينما وصلت الى المستشفى العسكري في المعادي وجدت مبارك وهيئة القيادة يصوغون اعلان موته. ودخلت الغرفة التي كان أنور مسجى فيها ورأيت أنه قد انبسطت أسارير وجهه وكأنه قال في نفسه في لحظات حياته الاخيرة: أنا ذاهب للقاء الله بعد ان كنت بين أبنائي الضباط”.

          في القريب جدا قد يتم الفحص عن صيغة اعلان الوفاة تحت ضوء مختلف تماما. وسيزعم أنور السادات ابن شقيق الرئيس الذي سُمي باسمه ورقية ابنته من زواجه الاول في كتاب سينشر بعد اسبوعين في الولايات المتحدة ان مبارك مثل وزير الدفاع أبو غزالة ايضا كانا مطلعين على سر عملية الاغتيال أو تلقيا على الأقل انذارا مسبقا. وسيزعم أقرباء آخرون تحت عنوان “من قتل السادات حقا؟” ان مبارك فبرك اصابته، وكذلك ستوجه اتهامات مشابهة ايضا الى المرحوم أبو غزالة الذي دخلت رصاصة في القبعة العسكرية التي وضعها على رأسه زمن العرض.

          لا يتوقع ان تتحدث جيهان نفسها في الكتاب لكن يصعب ان نلاحظ في الكلام الذي تقوله عطفا زائدا على الرئيس الذي طُرد من القصر قبل أقل من سنتين. “منذ قُتل زوجي لم أتحدث الى مبارك ولم تكن بيننا صلة وكان من المهم عندي فقط ان أتبين أنه يحترم اتفاق السلام الذي هو مهمة حياة أنور”، تقول الأرملة. “وحينما رأيت مبارك ممددا في سرير المرض في المستشفى فكرت في أنه كان يستطيع ان يُجهد نفسه أكثر وأن يجلس لأن ذلك كان سيمنحه الوقار”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.