يديعوت – بقلم ناحوم برنياع – عن الخير وعن الشر
يديعوت – بقلم ناحوم برنياع – 22/1/2021
“ تركز امريكا في هذه اللحظة على المواضيع الداخلية، الصين هي الموضوع الاول أو الثاني على جدول الاعمال. ايران هي الموضوع الثالث او الرابع. الفلسطينيون التاسع او العاشر “.
لم تُرافق ضحكات الفرح مراسم التنصيب لجو بايدن على مدرج الكابيتول بل تنفس للصعداء. فسيناريوهات الرعب لم تتحقق: فلم يوجه اي جندي من الحرس الوطني سلاحه نحو المنصة؛ ولم تنفجر اي عبوة ناسفة تحت منصة الخطابة؛ التيار الكهربائي لم ينقطع، ومباني الحكم لم تخرب. عفا ترامب في اللحظة الاخيرة عن سلسلة من المقربين ممن ادينوا او اشتبه بهم بالفساد، ولكنه لم يعفو عن نفسه، عن ابناء عائلته أو عن مؤيديه ممن اعتقلوا في اعقاب الاقتحام العنيف للكونغرس. وقال بايدن في خطابه “انتصرت الديمقراطية – حاليا”.
حبذ ترامب ان يغادر بذات الطريقة التي جاء فيها: حول نفسه. عندما شقت طائرة الجامبو الرئاسية الطريق باتجاه مسار الاقلاع اطلقت مكبرات الصوت اغنية “طريقي” لفرانك سيناترة. ووعد ترامب الجمهور: “نحن سنعود، بهذه الطريقة أو غيرها”. دعا البيت الابيض الالاف بمن فيهم بعض المسؤولين الكبار الذين اقالهم واهانهم ترامب. وصل 400 فقط. عدد مشابه انتظره في الجادة الجنوبية في فلوريدا في طريقه الى عزبة الغولف خاصته. بعضهم ارتدى قميص ترامب – بينيس من عهد الانتخابات بعد أن شقوا اسم بينيس بالسكين. إنتهى الاحتفال بعد اقلاع ترامب. وترامب سيعود ولكن ليس بالضرورة بالطريقه الى أمل بها. فمحاكمة العزل في مجلس الشيوخ ستبدأ في موعد ما. وبخلاف محاولة العزل السابقة التي عنيت بالاتصالات بين ترامب وروسيا وانتهت بالتبرئة، فان هذه المحاولة تعد بأكثر من ذلك.
ترامب متهم بالمسؤولية عن اقتحام الكونغرس. وهو يقف امام مجلس شيوخ فيه اغلبية ديمقراطية وامام سناتورات جمهوريين يسعون الى ازاحته عن الطريق. كما أن الادلة هذه المرة تعمل ضده. والادانة حتى باغلبية عادية ستمنعه من ان يعود ليتنافس مرة اخرى لمنصب جماهيري وستسحب منه راتبه، 220 الف دولار في السنة، مساعديه وحراسه.
مؤيدو ترامب الاكثر تزمتا، من محبي نظريات المؤامرة يبدون هم أيضا مؤشرات التمرد. فقد بلغ مراسلو موقع بوليتيكو ممن تعمقوا في الشبكات الاجتماعية عن غضب وخيبة أمل. فالمؤيدون توقعوا أن يروا نارا تهبط من السماء وتحرق واشنطن، مدينة الخطيئة. اما على المستوى العملي اكثر فقد توقعوا من ترامب ان يعفو في اللحظة الاخيرة عن رجالهم ويأمر باعتقال الاف مؤيدي اليسار ويعلن عن نظام عسكري. في النهاية، كما اشتكى واحد منهم، منح العفو لكل انواع اصدقائه وحتى لليهود (افيئام سيلع، احد الاسرائيليين في قضية بولارد، كان بين الحاصلين على العفو). ترامب خائن.
امام هذه البشائر القاسية يقف ترامب شبه صامت. فاغلاق حساباته على التويتر والفيسبوك قطع لسانه. عندما نتبين التأثير الهائل لهذا الاغلاق على جدول الاعمال في امريكا يتعاظم أكثر فأكثر الغضب على ارباب المال وعلى عائلة مردوك، مالكة “فوكس نيوز” احد الدروس من عهد ترامب هو أن وجود الشبكات الاجتماعية وقنوات الاخبار يستوجب اعادة فحص التوازن بين حرية التعبير وحماية النظام الديمقراطي.
آسف اذا كنت أمسُ بعصفور روح أحد ما. ولكن فحصا كهذا يجب أن يتم عندنا ايضا. فعندما يتوجه الحكم الى التحريض، الى الاكاذيب والى نظريات المؤامرة يجب أن يوجد طريق قانوني للجمه. وينطبق هذا على اصحاب المليارات الذين يبنون وسائل دعاية لحرث الحقيقة.الاهتمام بترامب لا بد سينخفض ولكن الانكسار الداخلي، انعدام الثقة، الخطر المحدق من جهات تآمرية، عنيفة، سيواصل الاثقال على امريكا. والتحدي الذي يقف امامه بايدن ابن الـ 78 هائل، يمكنه أن يواسي نفسه بان ترامب ترك له مجتمعا في وضع سيء جدا يمكنه منه فقط ان يعلو. وهو يعرف ان امريكا مريضة ومهمته هو أن يهدئها. وهو يعرف من جهة اخرى بان الاضرار التي الحقتها فترة ترامب ملزم هو بان يصلحها وبسرعة. كما أنه ملزم بان يعالج الامراض العميقة التي لم يخترعها ترامب ولكنه كشف عنها. والحكمة هي المناورة بين القطبين، بحساسية وبتصميم. وفي هذه الاثناء فانه يفعل هذا بحكمة عظيمة.
بقلق كبير
تركز امريكا في هذه اللحظة على المواضيع الداخلية، على الوباء، على الازمة الاقتصادية وعلى التغييرات والتعيينات التي جلبتها الادارة الجديدة. اما العالم فينتحر عن جدول الاعمال. ولكن العالم لا يتوقف. وهو سيطالب باهتمام الرئيس الجديد، شاء أم أبى. الصين هي الموضوع الاول أو الثاني على جدول الاعمال. ايران هي الموضوع الثالث او الرابع. الفلسطينيون التاسع او العاشر. في موضوعين – ايران والفلسطينيين يعتزم ايران السير في طريق مختلف عن طريق ترامب. قبل ان ندخل الى بحث مفصل في هذه المسألة يجدر بنا أن نسجل لانفسنا نقطتين اساسيتين: بايدن ليس ترامب؛ بايدن ليس اوباما.
ونقطة ثالثة: في كل ما يتعلق بالنووي الايراني، فشلت الدبلوماسية الاسرائيلية فشلا ذريعا.
حاول اوباما كبح مشروع النووي من خلال اتفاق دولي. رد نتنياهو بظهور دراماتيكي في الكونغرس من خلف ظهر الرئيس. وكان الخطاب مبهرا – وكذا النتيجة. وشدد الخوف من عملية عسكرية اسرائيلية الضغط على اوباما للوصول الى اتفاق مهما يكن. ولم يستجب الاتفاق لكثير من المطالب الامنية العادلة لاسرائيل. ومع ذلك فقد كبح استمرار التخصيب.
جاء ترامب فانسحب من الاتفاق النووي، كما طلبت اسرائيل، وشدد العقوبات على ايران. اضعفت العقوبات ايران اقتصاديا، ولكن رغم التقديرات المتفائلة في القدس، لم تسقط النظام. وسمح الانسحاب الامريكي من الاتفاق للايرانيين استئناف العمل على المشروع النووي. جاء بايدن فقرر اعادة الولايات المتحدة الى الاتفاق. واوضح نيته في محادثات علنية وعلنية اقل. فهو يعتزم العودة الى الاتفاق، الغاء او تقليص العقوبات وعندها الشروع في مفاوضات مع الايرانيين بهدف تحسينه وتمديده. ما يوجهه هو القلق من تقدم ايران نحو القنبلة. في اسرائيل يتابعون العملية بقلق كبير. ويقول مصدر مطلع ان “اتفاقا جيدا هو اتفاق سيء”. في اسرائيل يسألون ماذا سيحصل في اليوم الذين ينتهي فيه مفعول الاتفاق ولا يكون الايرانيون ملزمون بشيء للعالم وتكون القنبلة على مسافة لمسة.
ثلاثة مشاكل تشغل بال اسرائيل: الثقوب في الرقابة على المشروع؛ تقدم الايرانيين في نصب اجهزة طرد مركزي اكثر تطورا (IR9 و IR8 ) ، التقدم في انتاج الصواريخ والرؤوس المتفجرة.
الفرضية في إسرائيل هي أن للايرانيين مصلحة عليا للعودة الى الاتفاق. فوضعهم جيد اقل مما كان في 2015، عند التوقيع على الاتفاق. يمكن السماح لهم بان ينضجوا اكثر قليلا.
طاقم الامن والخارجية الذي عينه بايدن يمتلىء باشخاص كانوا مشاركين في المفاوضات مع ايران. وفي إسرائيل يقدرون بان هؤلاء الأشخاص غارقون في الاتفاق مع ايران. فهم يريدون ان يشطبوا كل ذكر لخطوات ترامب. وسيسارعون جدا للعودة وللتوقيع. ويقول المصدر ان “محظور ان يكون الاتفاق هو الاتفاق السابق رقم 2”.
لقد حبذ أوباما التجلد على حملة نتنياهو. اما بايدن فيوجد في وضع آخر. الأغلبية في مجلسي النواب انتقلت من الجمهوريين الى الديمقراطيين. وامكانيات نتنياهو محدودة. وذاكرة بايدن طويلة. ما كان، يقول لي مصدر امريكي، لن يكون.
توجد في إسرائيل محافل تحلم بصفقة رباعية: دول الخليج توافق على تمويل إعادة بناء سوريا؛ وسوريا بالمقابل تبعد ايران عن حدودها؛ الامريكيون يرفعون العقوبات التي فرضوها على روسيا، وروسيا بالمقابل تخرج من سوريا.
هذا لن يحصل، يقول لي مصدر امريكي. فقد سبق للفكرة أن طرحت ورفضت. الإيرانيون لا يبدون اهتماما؛ ولا السوريين؛ العقوبات على روسيا فرضت في اعقاب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ارض سيادية اوكرانية. بايدن لا يؤيد الاحتلال.
اما الموضوع الفلسطيني فملح اقل، ولكن ليس اقل تعقيدا. فحسب القرار الذي مرره كيري عندما كان وزير خارجية في إدارة أوباما يجري مجلس الامن كل شهر بحث في الموضوع الفلسطيني. جاء البيت الأبيض لترامب فعطل هذه المداولات، لفرحة حكومة إسرائيل. وإدارة بايدن لن تتعهد مسبقا بان تؤيد كل خطوة إسرائيلية في الضفة. فعندما ترغب الحكومة في شرعنة بؤر استيطانية غير قانونية، ان تبني أو تضم، فانه سيتعين عليها ان تقنع البيت الأبيض مسبقا. حكومة الـ 61 اليمينية التي يتحدث عنها نتنياهو ستولد مع يدين مكبلتين. وكما سبق أن قلنا، فقد انتهى الاحتفال.



