يديعوت: احتواء الجرائم القومية في الضفة الغربية أحد أكبر تحدي يواجه إسرائيل
يديعوت 29/3/2026، د. ميخائيل ميلشتاين: احتواء الجرائم القومية في الضفة الغربية أحد أكبر تحدي يواجه إسرائيل
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة جاهدةً لمحو الخط الأخضر، وتحاول في الوقت نفسه مقارنة واقع الضفة الغربية بما كان عليه الوضع وراء حدود العام 1967 من خلال زيادة دمج البنية التحتية والتشريعات والتوسع الاستيطاني، تتحول المنطقة إلى “أرض خارج نطاق السيادة” في أعقاب أعمال العنف غير المسبوقة التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين. في هذا السياق، تُرسخ صورة الضفة الغربية كمنطقة ذات وجود ورؤية وقوانين وقيم مختلفة عن بقية إسرائيل، وفي نظر الكثيرين في البلاد، تُصوَّر أيضاً ككيان فئوي ذي طابع أيديولوجي مميز.
لإخفاء حقيقة أن الدافع الرئيسي لتعميق السيطرة على الضفة الغربية وضم المنطقة إلى إسرائيل هو دافع ديني بحت، تُقدّم لهم روايات مُصممة لتُسوّق للجمهور على أنها “مصلحة جماعية”. وهكذا، تُطرح “أسباب استراتيجية” مزعومة، مثل “لا يفهم العرب إلا عندما تُسلب منهم أراضيهم” و”حيثما توجد مستوطنات، لا وجود للإرهاب”. يُقدّم هذا المسعى على أنه تطبيق لدروس 7 أكتوبر، دون الإشارة إلى أن أبرز داعميه كانوا من بين مُسببي الفشل وصانعي الفكرة، ولم يتحملوا مسؤوليتها، ويسعون الآن إلى تصوير أنفسهم على أنهم “مُصلحون”.
ومن أبرز الحجج المطروحة اليوم أن البؤر الاستيطانية والمزارع التي تتكاثر في الضفة الغربية هي “تجسيد معاصر للريادة الصهيونية” وقوة تحمي بقية البلاد، وهو ما يحظى بإجماع شعبي واسع. من الضروري دحض هذه الحجج (فيما يتعلق بتفصيل الدعم الشعبي)، بالإضافة إلى دحض “المسلمات” الأخرى، مثل الادعاء بأن مرتكبي العنف “قلة قليلة” وأنه “لا وجود للإرهاب اليهودي”.
وكما أشار مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى مؤخرًا، فإن نقاط الاستيطان العديدة – التي لا تستند جميعها إلى “منطق استراتيجي” – تتطلب تخصيص المزيد من القوات، كما أن جزءًا كبيرًا من سكانها يزيد من حدة التوترات على الأرض، بما في ذلك استخدام العنف ضد قوات الأمن.
يكتشف صناع القرار الإسرائيليون، بمن فيهم بعض المسؤولين الأمنيين، تدريجيًا أنه من المستحيل الجمع بين طرفي نقيض: تشجيع التوسع الاستيطاني الهائل وتخصيص موارد ضخمة لهذا الغرض، وتصنيف سكان جميع المزارع والبؤر الاستيطانية على أنهم “ذخائر وطنية”، والتأكيد على أن السلطة الفلسطينية عدو يجب القضاء عليه، بل وحتى وصف جميع الفلسطينيين بأنهم عدو لدود – ثم يُصابون بالدهشة من مظاهر العنف الشديدة. تكشف هذه الأحداث عن تناقض صارخ مع القيم اليهودية والإسرائيلية الأساسية، وتُلحق ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل الدولية، لا سيما في نظر الإدارة الأمريكية التي بدأت تنتقد القضية بشدة، مُظهرةً في الوقت نفسه تزايداً في الشكوك وعدم الثقة تجاه إسرائيل.
إن ترسيخ صورة إسرائيل كدولة تفتقر إلى الحكمة المتزنة وفقدت السيطرة على ما يجري في الضفة الغربية قد يُفضي تدريجياً إلى فرض تدابير تهدف إلى تدويل الصراع، بما في ذلك بدعم من ترامب. وهكذا، قد تحذو الضفة الغربية حذو غزة، حيث بات واضحاً للعالم أن إسرائيل لا تملك زمام الأمور ولا خطة محكمة سوى الحرب المستمرة واحتلال الأراضي. ونتيجة لذلك، انتُزعت منها زمام الهيمنة على المنطقة، كما تجسد ذلك في إنشاء آلية مركز تنسيق مكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، وفي إرساء نظام يتناقض مع تصريحات القادة الإسرائيليين منذ بداية الحرب، لا سيما فيما يتعلق بنزع سلاح حماس.
وتكشف الأزمة الحادة في الضفة الغربية حقيقةً مُرّةً عن المجتمع الإسرائيلي. ففي ظل الحرب، يبرز تدريجياً مجتمعان ذوا افكار مختلفة وتصورات متباينة للزمان والمكان، بل ويتصادمان فيما بينهما. من جهة، هناك فئة كبيرة، ربما الأغلبية، تجهل ما يجري وراء الخط الأخضر، وتفتقر إلى فهم أهمية قيام دولة واحدة تتبلور تدريجيًا بين البحر والنهر، لا سيما فيما يتعلق بالقضية “الهامشية” التي تتعلق بمصير ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية. ومن جهة أخرى، هناك فئة تعيش في جو من الوهم، وتستبدل التفكير الاستراتيجي المعقد بمصطلحات دينية، بينما تطمح إلى توسيع حدود الدولة، مصحوبة بمغامرات أيديولوجية خطيرة تتمثل في محاولات الاستيطان في غزة، وكذلك في سوريا ولبنان.
مهما كثرت الضربات على أولئك الذين يعتقدون أن السابع من أكتوبر قد أتاح فرصة تاريخية لتغيير الواقع بين البحر والنهر، سيبقون متشبثين بشدة بإيمانهم بأن تحقيق أهدافهم بات في متناول اليد. لقد رفض ترامب رفضًا قاطعًا فكرة الضم، وذكر الدولة الفلسطينية في قرارٍ الأمم المتحدة، وألغى فكرة ترحيل سكان غزة، وأجبر إسرائيل على التسوية في القطاع – لكن هذه الإجراءات لا تُثير أي تساؤلات أو تُنذر بتغير في المفاهيم. وهكذا، تحل الضفة الغربية تدريجيًا محل قطاع غزة كعاصمة لأوهام إسرائيل، أي منطقة تعكس استبدال السياسة الرصينة بالأوهام. تنهار هذه الأوهام دائمًا، لكن مُبتكريها، الذين يحتقرون مصطلحي “التحقيق” و”الاستراتيجية”، يسارعون إلى تحقيق أوهام جديدة فاشلة.
تُلحق الحرائق في الضفة الغربية ضربة مزدوجة بالجهود الوطنية الحالية المُركزة على الحملات في إيران ولبنان: أولًا، ضرورة تحويل القوات إلى الضفة الغربية، وثانيًا، تشويه صورة إسرائيل في وقتٍ تُعد فيه الشرعية الدولية ضرورية للغاية للصراعات الهامة الدائرة.
لأكثر من عقد، حذر مسؤولون أمنيون من تحول استراتيجي في الضفة الغربية نتيجةً لتغيرات في الجانب الفلسطيني، لكن هذا لم يحدث. وقد تزايدت احتمالية وقوع انفجار في هذه المنطقة في الأسابيع الأخيرة، ولكن هذه المرة تحديدًا بسبب زلزالٍ مصدره الجانب اليهودي، وقد حان الوقت لينظر إليه صناع القرار على أنه تهديد استراتيجي.
في الضفة الغربية، سيُحدد شكل إسرائيل، ويجب أن يكون موضوع ما يجري في هذه المنطقة ومصيرها المستقبلي محور الانتخابات. في هذا السياق، من الضروري أن يطرح الجمهور أسئلة صعبة على القادة، وأن يطالبوا بإجابات شاملة لا مجرد شعارات جوفاء عن السيادة أو تصريحات مبهمة حول إدارة الصراع.



