وورلد أفيرز جورنال- ماتس سفينسون - “لقد أتيت إلى هنا لخلق التغيير” - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

وورلد أفيرز جورنال- ماتس سفينسون – “لقد أتيت إلى هنا لخلق التغيير”

انطباعات دبلوماسي سويدي عمل في فلسطين

0 47

وورلد أفيرز جورنال  –  ماتس سفينسون* –  31/1/2020

نظام الاحتلال الإسرائيلي يستمر بلا هواده، وكذلك يفعل تقاعس المجتمع الدولي عن حماية حقوق الفلسطينيين.

جئت إلى فلسطين كدبلوماسي، كعامل في مجال التنمية. جئت لخلق التغيير. لتقديم شيء أفضل. جئتُ ولدي الكثير من التجارب السابقة المفيدة؛ فقد زرت العديد من البلدان في إفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية. لم تكن فلسطين أول بلد أعمل فيه.

عندما تغادر المكان بعد سنتين، ثلاث، أربع أو خمس سنوات من الآن، سيكون التغيير قد حدث؛ سُرقت الأرض، وهُدمت المنازل، وقُتل الناس، والمستوطنون انتقلوا إلى الأراضي المسروقة تحت حماية الجيش الإسرائيلي. لقد حدث التغيير، وأصبح الوضع أسوأ. والآن، يمكنني أن أشعر، كدبلوماسي أو كعامل تنمية مع كل الآخرين، بأنني أصبحت فشلاً تاماً فحسب.

كنت أستمع إلى “الرباعية”؛ إلى ميركل؛ إلى وزير الخارجية السويدي؛ إلى أوباما. وبينما كانوا يتحدثون، وبينما كنت أستمع، كان يُهدَم منزل آخر ويتم تشريد عائلة أخرى. وغالباً ما كان هذا يحدث خارج مجمع البعثات الدبلوماسية؛ على الجانب الآخر من الطريق. لكنني لم أستطع أن أفوّت ما يحدث فقط.

كنتُ أعرف ما يحدث كل الوقت. وكتبت عن ذلك في تقارير سرية إلى ستوكهولم. في كثير من الأحيان، في الصباح الباكر، عندما أشرب قهوة الصباح، كنتُ أتلقى رسالة من أحد مكاتب الأمم المتحدة؛ من المحتمل أن يتم هدم منزل اليوم في سلوان؛ أو أنه سيتم إجبار عائلة على الخروج -على بعد 412 خطوة من غرفة نوم توني بلير في فندق “المستعمرة الأميركية” في القدس.

كل شيء أصبح واضحاً لي ذات صباح بينما كنت أتناول الإفطار مع اثنين من كبار السن، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي. وهما صديقان منذ الطفولة ويتناولان الإفطار معاً مرة كل ثلاثة أشهر. الرجل الإسرائيلي متقاعد الآن، ولكنه كان مؤخراً رئيساً للـ”الشين بيت”، جهاز الأمن الإسرائيلي.

فجأة يقول الرجل المتقاعد من “الشين بيت” لصديقه الفلسطيني: “صديقي، فقط تأكد من أن تعيش حياة جيدة”.

“ماذا تقصد”؟ يقول الرجل الفلسطيني. “إنني أعيش تحت الاحتلال، كيف يُفترض بي أن أعيش حياة جيدة؟”.

يقول العميل السابق: “أعرف، لكن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنك أن تناضل من أجل لتحقيقه. الناس ينسون ويبدو أنهم غير قادرين على قراءة أو فهم ما قيل. منذ وقت طويل، قال أحد قادتنا: ‘نحن نتأكد فقط من بقاء العالم منخرطاً في عملية سلام مستمرة، لكننا لم نوقع اتفاقية السلام أبداً’. واليوم”، يواصل الإسرائيلي، “نحن نكسب كل يوم ولم يعد هناك المزيد لنأخذه. لن نوقعها أبداً”.

لكن ما لم يتغير، مع ذلك، هو أفعال المجتمع الدولي، أو عدم وجود أفعال له من الأساس. ثمة بعض الاستثناءات، والفصول الموجزة، وحدَثٌ ما هنا أو آخر هناك، لكننا نواصل بصفة عامة تعميق علاقتنا مع أولئك الذين يماسون الاحتلال والاستعمار، وما أصبح يعني اليوم الفصل العنصري.

حدث لقائي الحقيقي الأول مع الواقع في العام 2004 في قطاع غزة. قابلت فتاة صغيرة كانت قد أصبحت بلا مأوى قبل أسابيع قليلة. دمرت إسرائيل منزل عائلتها. كان مبنى متعدد الشقق أزالته عن وجه الأرض بعض جرافات “كاتربلر” العملاقة. والآن كانت تجلس في غرفة صغيرة للاجئين وتتحدث عن كل الأشياء الفظيعة التي حدثت في ذلك اليوم. لكنها قالت أيضاً أنها تشتاق إلى ذلك الطائر الصغير الأحمر والأبيض الذي اعتاد أن يأتي ليتناول الإفطار معها على الشرفة.

أذهلني حينها أن الاحتلال، أو الاستعمار أو الفصل العنصري، لا تتعلق فقط بالموت، الموت والمزيد من الموت؛ إنها تتعلق أيضاً بفقدان شيء صغير بلا توقف، يوماً بعد يوم. كل يوم يضيع شيء. لكن الشيء القليل الذي يتم فقده تدريجياً وباستمرار يكون صغيراً جداً لدرجة أن أحداً لا يكتب عنه.

إنك لا تكتب عن الحنين إلى طائر صغير؛ عن أن هذه العقود الطويلة من الاحتلال إنما هي في الحقيقة قصة الكثير من الساعات، والأيام، والليالي من الخسارة والفقدان. وفي النهاية، لا يعود لديك شيء آخر لتخسرة. وحده التوق يبقى.

لقد فشل أوباما وبلير. وهما يعرفان ذلك. لكنهما لا يريدان الاعتراف به حقاً. لقد فشلا عندما عرفا -بالخبرة المباشرة- أن الجزء الأخير من فلسطين قد سُرق، في ما يسميه الكثيرون أعظم سرقة في القرن العشرين.

وبالأمس، أطلق عليه ترامب اسماً آخر. على المسرح، أمكننا جميعاً أن نرى كيف أدى اللصوص أدوارهم. إنهم لا يتفاوضون؛ إنهم يبلغوننا جميعاً بما سرقوه بوقاحة، وحسب.

*دبلوماسي سويدي سابق يعمل مع كوادر (سيدا)، الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي، يتابع الاحتلال المستمر لفلسطين منذ العام 2003. وهو مؤلف كتاب “الجرائم، الضحايا والشهود: الفصل العنصري في فلسطين”، من إصدارات (ناشرون أفريقيون حقيقيون)، وأحدث كتبه “الفصل العنصري جريمة: صور للاحتلال الإسرائيلي”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان :

You Came to Create Change

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.