وليد فارس يكتب - على الجبهة "الإبراهيمية" أن تتحرك - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

وليد فارس يكتب – على الجبهة “الإبراهيمية” أن تتحرك

0 69

وليد فارس *- 10/2/2021

من بين الملفات الشرق أوسطية التي شاركت فيها أميركا تبقى هذه “المعاهدة” الأكثر شعبية لدى الرأي العام والكونغرس“.

وإذ تتسارع الخطوات على محور “العودة” إلى الاتفاق النووي الإيراني، عبر رقصة دبلوماسية وإعلامية بين إدارة بايدن والقيادة في طهران، وقبل أن تتصلب المواقف، وتهدر نتائجها على المنطقة، لا بد للأخيرة أن تعيد تموضعها من أجل ملاقاة التطورات الكبرى المتلاحقة، وأهمها بالطبع “عودة” الاتفاق الأم، وبزوغ “اتفاقات جانبية أخرى” متفرعة من التفاهم الإيراني الأميركي، كما يجري في اليمن الآن، وقد يتعمم على العراق وسوريا ولبنان، وبشكل غير مباشر في ليبيا. وبالطبع، فـ”المحدلة” نفسها ستتجه إلى إسرائيل والفلسطينيين، وربما باتجاه تركيا والأكراد والصحراء الغربية والمغرب.

بكلام آخر، وقد بات ذلك واضحاً، ستقوم إدارة بايدن لمئة سبب وسبب بتغيير سياسات إدارة ترمب الشرق أوسطية في السنة الآتية. والسؤال هنا، هل ستقف دول الشرق الأوسط جامدة لتنتظر القرارات الآتية من واشنطن؟ أم ستتفاعل مع بعضها البعض وستلاقي بايدن في منتصف الطريق حاملة ملفاتها ونظراتها تجاه التغيرات؟ المنطق يملي الخيار الأخير، أي أن تباشر كتلة الاعتدال بتحركاتها فوراً قبل أن يملأ معسكر التطرف فراغ الاعتدال.

ولكن على أي محور بإمكان المعتدلين أن يتقدموا؟ فإذا اكتفوا بمعالجة الملفات المحلية، كل واحد على حدة، فإن قوة اللوبيات المضادة في واشنطن، بالإضافة إلى أوروبا، ستتفرد بالمقود وبالتأثير في الحلول، وقد رأينا ذلك في مسألة معالجة إدارة بايدن لليمن، إذ سارع البيت الأبيض عبر شخص الرئيس نفسه في حسم موقف واشنطن من الصراع في اليمن للسنوات الأربع المقبلة بفرض وقف العمليات العسكرية، وفرض آلية لـ”الحوار” مع الحوثيين، بالإضافة إلى “ضمانة أمن” السعودية من “الهجمات الخارجية”. وسنعود للكتابة عن المسألة اليمنية في المستقبل القريب.

وكذلك رأينا، وبسرعة فائقة، كيف سارعت إدارة بايدن إلى قلب سياسة ترمب رأساً على عقب تجاه إيران منذ اليوم الأول. وفي أول قرار بهذا الموضوع قررت الأولى بالسماح لبعض المساعدات المالية على الرغم من العقوبات التي لا تزال قائمة قانوناً، وذلك تحت عباءة “المساعدات الطبية” من قبل المؤسسات الدولية، مع العلم بأن إيران تحصل على الدعم في هذا المضمار من الصين وروسيا.

والجدير بالذكر أن البيت الأبيض الجديد لا يتشاور مع حلفائه العرب وإسرائيل فيما يتعلق بالتحركات تجاه طهران بعد، ما يعني أن فريق بايدن ينوي تنفيذ برامجه الأساسية في المنطقة أولاً، بما فيها العودة للاتفاق وتسوية الملفات الأخرى المذكورة أعلاه، والتواصل مع حلفاء أميركا “بعد” حسم الخيارات، وليس قبلها. هذا ما يبدو هو الواقع القائم حالياً، فيما يسعى حلفاء المنطقة أن يفعلوا ليلحقوا بركاب القطار، كما فعل الناتو من قبل أربع سنوات مع إدارة دونالد ترمب عندما غير اتجاهه عن سياسة أوباما السابقة. على الحلفاء أن يلتقوا مع حليفهم الأكبر عبر الأطلسي، كما فعل ونستون تشرشل في بداية الأربعينيات. وكيف ذلك الآن؟

تقدم إبراهيمي

من بين كل الملفات الشرق أوسطية التي شاركت فيها أميركا تبقى معاهدة إبراهيم الأكثر شعبية لدى الرأي العام وفي الكونغرس من دون منازعة. فبينما تنقسم الولايات المتحدة حول الاتفاق النووي فإنها موحدة بقوة وراء المعاهدة الإبراهيمية، بالتالي فإن أي خطر يمس بالأخيرة سيشعل مشاعر الأكثرية الكبرى من الأميركيين، ويدفع بأي حكومة للتحرك للدفاع عنها. إذاً هذا الملف يبدو وكأنه “القضية المركزية” لدى الشعب الأميركي، بالتالي فمن يدعمها يدعم، ومن يعتدي عليها يتم الرد عليهم. إذاً لا خيار لعرب الاعتدال وحلفائهم من التمسك بهذه القضية لأنها الحامية لسائر القضايا. ويمكن اعتبار معاهدة إبراهيم في مرتبة أعلى من “محاربة الإرهاب” أو حتى من النفط، بالنسبة للناس العاديين في أميركا العميقة.

استراتيجية إبراهيمية جديدة

إذاً كيف التحرك لكي تتقدم المعاهدة إلى الأمام وتحمي أمن ومصالح “الإبراهيميين”؟ هنالك عدة محاور ومبادئ وتحركات للتقدم والنجاح في هذا المضمار. أولاً من الضروري ضم “الفتح الإبراهيمي” من أجل السلام والازدهار إلى إنجازات التحالف العربي بدوله جميعاً، تلك التي وقعت في الماضي البعيد، والماضي القريب، وتلك التي من دونها لم تكن هنالك من اتفاقيات.

نوبل لمن؟

هل انتبه الناس إلى جهود مسؤولي إدارة ترمب الذين تراكضوا وراء الترشيح لجائزة نوبل للسلام بحجة أنهم صنعوا الفكرة وأداروا تنفيذها؟ فإذا بهؤلاء المسؤولين السابقين يظهرون أنفسهم بأنهم آباء المبادرة، مع العلم بأنهم قبل دخولهم البيت الأبيض لم يكن لهم خبرة بالشرق الأوسط وقضاياه. هنالك حاجة ماسة لدى عديد من الأميركيين لتبوُّؤ عباءة صانعي المعاهدة الإبراهيمية، بينما الشخصية الأميركية الوحيدة التي تستحق جائزة نوبل للسلام بفعل اتخاذها قراراً دبلوماسياً لإطلاقها هو الرئيس السابق دونالد ترمب نفسه. أما إسرائيل فلا حاجة لتحليل موقفها، فهي كانت – ولا تزال – في موقع المنتظر لأي مبادرة عربية للسلام معها، لتلاقيها فوراً كما حدث منذ أن خاطب أنور السادات الكنيست في 1977، مروراً بكامب ديفيد ووادي عربة، وغيرها. فإسرائيل ليس لديها إلا الكسب من أي اتفاقية سلام مع العرب أو مع الدول الإسلامية.

صناع السلام والتقدم

دول التحالف عليها أن تأخذ المبادرة بقوة مع شركائها، بالوقت نفسه الذي تتعاون فيه مع إدارة بايدن في مختلف الملفات، وتبني قواعد صلبة لمشاريع حضارية في المنطقة، لا يمكن إلا أن يؤيدها الشعب الأميركي والمجتمع الدولي. وهذه عينة صغيرة:

أ – أخذ المبادرة مع إسرائيل مباشرة لورشة عمل من أجل حسم السلام الفلسطيني الإسرائيلي. واستعمال كل الأوراق التي يملكها التكتل الإبراهيمي، اقتصادياً، وقيادياً، وبشرياً، وأمنياً. ودعوة المجتمع الدولي للدعم والتأييد.

ب – محاورة الأقليات في الشرق الأوسط، ونزع هذه الورقة من يدي النظام الإيراني.

ج- حوار حول الإصلاحات المجتمعية في المنطقة والاستفادة من الخبرات التاريخية على اختلافها وعلى حداثتها.

د – كما أسلفنا في مقال سابق، إطلاق مشاريع تحديثية باهرة، تبين الفرق الشاسع بين قدرات الكتلة الإبراهيمية من ناحية وتوجهات وممارسات المتطرفين في المنطقة.

هـ – الإسراع في إطلاق مبادرة لمنظومة أمنية استراتيجية جديدة في مواجهة الإرهاب تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، تشارك فيها دول شرق أوسطية وأوروبية.

هذه باقة من المبادرات التي بإمكان “الإبراهيميين” وحلفائهم من إطلاقها، وإبهار العالم بها، فيُرى بوضوح أن من يبني المستقبل هم أهل السلم الذين ينظرون إلى النجوم ويعملون على تعزيز مواطنيهم، بينما الأنظمة التي تسعى إلى تغذية صناديقها مقابل أن تتوقف عن صنع القنابل النووية، بعيدة عن هموم شعوبها.

*الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.