أقلام وأراء

وليد فارس – كتلة ثالثة محايدة في الأمم المتحدة؟

وليد فارس ١٣-٤-٢٠٢٢م

العالم يتغير بسرعة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتتغير معه العلاقات الدولية التي سادت في العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، فالنظام الدولي الذي انبثق عن انتصار الحلفاء على المحور عام 1945، أنتج الأمم المتحدة وقانوناً دولياً جديداً، سرعان ما عانى مما سمي بـ”الحرب الباردة” لعقود، إلا أن مجابهات هذه الأخيرة في مختلف القارات لم تعطل مؤسسات الأمم المتحدة، وعلى رأسها مجلس الأمن، بل بالعكس تحول المجلس إلى نوع من حكم خلال الأزمات الدولية الكبرى.

وخلال تلك المرحلة الطويلة انقسم العالم إلى ثلاثة عوالم، العالم الحر أي الغرب وحلفاؤه، والكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفياتي، و”العالم الثالث” بقيادة كتلة دول عدم الانحياز Non-Aligned””، وكان تكتلاً من الدول التي ناضلت ضد الاستعمار، ولكنها فضلت ألا تدخل المحاور الدولية، إلا أن هذه “الكتلة الثالثة” كانت تصوت بشكل عام ضد الغرب في معظم المواضيع ولكن ليس في جميعها، والجدير بالذكر أن بعض دول عدم الانحياز انتقلت من أنظمة حليفة للاتحاد السوفياتي إلى إقامة شراكة مع الولايات المتحدة، مثل مصر بعد كامب دايفيد أو إثيوبيا التي انتقلت من تحالف مع واشنطن تحت الإمبراطور هايلي سلاسي إلى تحالف مع موسكو بعد انقلاب هايلي مريم الشيوعي.

كتلة الحياد ضمت أنظمة وحكومات غير متجانسة واتبعت سياسات دولية مبنية على خطوط عريضة مثل دعم قضايا جنوب أفريقيا أو فلسطين وغيرها.

كتل ما بعد الحرب الباردة

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي رسمياً في صيف العام 1991 تغيرت المعادلات الدولية، فصعدت الولايات المتحدة من دون منازع إلى القمة العليا لتتحول إلى القطب الدولي الأوحد، وأظهرت الحملات العسكرية الكبرى لأميركا في العالم لثلاثة عقود، من حرب الكويت إلى البوسنة وكوسوفو وأفغانستان والعراق إلى ليبيا، أن القوة العسكرية الأميركية ومعها الـ “ناتو” باتت القوة الأوحد القادرة على التحرك دولياً وفرض الخيارات الأمنية الوحيدة.

وكان للاستعراض الاستراتيجي الأميركي تأثير في إعادة الترتيب الدولي، فبات المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة لا تعارضه إلا بعض الدول التي وصفتها واشنطن بانها “مارقة” Rogue States مثل كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وإيران ونظام “طالبان” حتى 2001.

أما الدول الأخرى فتميزت بين حليف قريب وحليف بالشكل وشريك ومنسق ومستقل وناقد، ولكن معظم الدول لم تتحد إرادة واشنطن بالنسبة نفسها، إلا أن الدول الكبرى الأخرى مثل روسيا والصين بدأتا تدريجياً بالعودة لساحة المبارزة والتحدي للولايات المتحدة، خصوصاً منذ الانسحاب الأميركي من العراق وانفجار ما سمي “بالربيع العربي”.

ومن بين أسباب العودة للحلبة فشل إدارة باراك أوباما في إنهاء الخطر الإرهابي في العراق عام 2011، وحملتها العسكرية في ليبيا وهرولتها وراء إيران لتوقيع اتفاق نووي ذي أبعاد مالية، فاعتبرت الصين وروسيا أن الغرب متردد وضعيف الإرادة ويتأثر بالضغوط المالية، فدخلت روسيا على الخط واجتاحت القرم عام 2014، وأعلنت الصين أنها لن تتخلى عن ضمها لتايوان وبدأت كوريا الشمالية بإطلاق صواريخ بالستية وفجرت إيران حروباً في الشرق الأوسط من اليمن إلى العراق، وبات العالم على شفير حرب باردة جديدة قبل انطلاقة إدارة دونالد ترمب، وقد حاول هذا الأخير أن يقيم معادلات استقرار جديدة مع المعارضين لأميركا، ففتح الباب لحوار مدعوم بالقوة مع روسيا والصين والتعاطي السينمائي النفسي مع بيونغ يانغ ومحاصرة إيران.

ومع خسارة ترمب للرئاسة في 2020 عادت سياسة أوباما إلى البيت الأبيض عبر رئاسة جو بايدن، إلا أن تصاعد روسيا والصين انطلق وبات الصدام حتمياً، إذ شعرت روسيا بأن واشنطن ستدفع بالـ “ناتو” إلى حدود أقرب من روسيا خصوصاً عبر أوكرانيا، وراقبت الصين إعادة التموقع الأميركي – الأسترالي في منطقة الهادئ، وأتى الانسحاب الفوضوي من أفغانستان للـ “ناتو” ليقنع المحور الروسي – الصيني بأن واشنطن لم تعد تتحمل حروباً خارجية كما في الماضي، فاجتاحت القوات الروسية أوكرانيا وصولاً إلى ضواحي العاصمة وسيطرت على شواطئ آزوف، ولكن المحاور الدولية تغيرت.

الكتل الجديدة

وعلى أثر انفجار الحرب الأوكرانية، تقدمت الكتلة الغربية بقرار لدى الجمعية العامة للتنديد بالاجتياح الروسي وحصلت على أكثرية رقمية مؤيدة لواشنطن، ولكن برزت تشكيلات معقدة في الجمعية العامة تعكس اتجاهات مختلفة لعدد كبير من الدول، فالأكثرية في التصويت الأول على “التنديد بالاجتياح” دعمت المشروع الأطلسي، وعدد محدود من حلفاء روسيا مثل الصين وبيلاروس وكوبا وفنزويلا وإيران وغيرها صوتوا “ضد الشروع”، إلا أن التطور الجديد كان قيام عدد لا بأس به بـ “الامتناع من التصويت”، ومن بينهم أصدقاء للولايات المتحدة مثل البرازيل والهند وباكستان وبعض الدول العربية، مما أعاد رسم الكتل إلى ثلاث، الـ “ناتو” وروسيا و”الممتنعين”.

وما يميز الممتنعين أنهم ينددون بالاجتياحات العسكرية ولكنهم يرفضون المشاركة بالعقوبات على روسيا، ليس لأنهم غير مؤيدين للولايات المتحدة، بل لأن مصلحتهم القومية تقضي ذلك، وظن بعضهم أن “التصويت على التنديد” كان ظاهرة منفردة وقد تزول، إلا أن الحرب تواصلت والعقوبات تصاعدت ومجلس الأمن مشلول والحسابات في الأقاليم المختلفة تبدلت وتعقدت أكثر، فجاء تصويت آخر ثبت الكتل أكثر.

“تصويت حقوق الإنسان”

وعلى أثر سقوط ضحايا عدة في ما وصف بـ “مجازر وجرائم حرب” داخل أوكرانيا، رفعت الكتلة الغربية مشروع قرار لتجميد عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ونال المشروع موافقة أكثرية 93 دولة وتم اعتماده، إلا أن التطور الأكبر كان معارضة 24، والأكثر أهمية امتناع 58 دولة من التصويت، مما يعني أن عدد الدول الرافضة لتجميد عضوية روسيا كان 82، أي بفارق 11 صوتاً ناخباً، إلا أن حجم سكان الدول التي عارضت المشروع “بالامتناع” تدعو للانتباه، فهي تضم الهند وإندونيسيا وبنغلاديش وباكستان والمكسيك والبرازيل ونيجيريا ومصر وغيرها، وتشكل كتلاً ديموغرافية بمئات الملايين من الناس، وهكذا أحجام تعطي الكتلة الثالثة حجماً بشرياً كبيراً يلزم المراقبين بتحليل مواقف تلك الحكومات، وهي بمعظمها شريكة لواشنطن.

ما الذي يجعلها تتخذ موقفاً وسطياً في المواجهة بين روسيا والغرب؟ بعضهم يعتقد أن موقف إدارة بايدن الملتزم بعدم الاشتباك مع روسيا داخل أوكرانيا كان رسالة كافية “لكتلة المحايدين” ألا يذهبوا في المواجهة أكثر من أميركا نفسها، وأن يحسبوا الحسابات الاقتصادية أيضاً.

العالم العربي

وفي تقويم التصويت العربي في الجمعية العامة نلاحظ أن الأكثرية الساحقة للدول العربية، بما فيها السعودية ومصر والإمارات وقطر والعراق والسودان وغيرها امتنعت، وصوتت الجزائر وسوريا إلى جانب روسيا، وصوتت ليبيا وجزر القمر مع مشروع العزل، بينما لم يحضر لبنان أساساً وترك الإدلاء بالأصوات العربية في الأمم المتحدة. أسئلة كثيرة في واشنطن وبروكسل حول الرسائل ومعانيها، والملاحظة الأولى أن كل الدول العربية التي امتنعت من التصويت لعزل روسيا هي شريكة أو حليفة لواشنطن عسكرياً وأمنياً وسياسياً، إذاً كيف يمكن تفسير موقفها هذا؟ الجواب قد يكون مرتبطاً بالاتفاق النووي، فالعرب بمعظمهم يعتبرونه تهديداً لأمنهم وبالتالي وكأن موقفهم الامتناعي رسالة للإدارة مفادها أن التحالف بين العرب وواشنطن قائم وقوي، ولكن مجابهة روسيا في وقت ستحول الإدارة المليارات إلى طهران وترفع الحرس الثوري عن لوائح الإرهاب، سيضع المنطقة والأمن القومي للتحالف العربي في خطر، إذاً فالمعادلة يبدو وكأنها تقول “نقف مع واشنطن بمقدار ما تقف واشنطن معنا. نقف معها في مواجهة روسيا، وإذا وقفت معنا في مواجهة إيران فالشراكة الأميركية – العربية مستمرة بغض النظر، كما استمرت الشراكة الأطلسية الأميركية – الفرنسية – الألمانية في 2003 على الرغم من التباين حيال اجتياح العراق وقتها”.

الكتلة الثالثة

الدول التي امتنعت من تنفيذ العقوبات الغربية ولكنها لم تدعم روسيا مباشرة تشكل كتلة ثالثة بين الأطلسي وروسيا، تضع ضغطها على الكتلتين المتواجهتين في أوكرانيا لتحثهما على وقف الحرب واللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية، وكأنها مجموعة تحاول أن تقوم بمهمات الحكم الدولي بعد شل قدرة مجلس الأمن بسبب الـ “فيتوهات”، والسؤال المرتبط بالمعادلة الجديدة هو إلى متى سيستمر هذا الوضع عالمياً؟ فلا الـ “ناتو” سيدخل حرباً مباشرة مع روسيا، ولا روسيا أو الصين ستغامران في هذه المرحلة بتفجير حرب عالمية نووية لن يخرج منها أحد سالماً.

لا أحد بإمكانه الإجابة الآن، ولكن النظام العالمي لا يمكنه تحمل أزمة هائلة كهذه إلى أمد طويل.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى