وليد فارس: ترمب وحرب الصفقات في الشرق الأوسط، المعاهدات تأخذ زمناً أطول وتتطلب استشارات أوسع
وليد فارس 21-1-2026: ترمب وحرب الصفقات في الشرق الأوسط، المعاهدات تأخذ زمناً أطول وتتطلب استشارات أوسع
منذ بداية العام الأول للإدارة في 2025، وواشنطن في سباق مع نفسها ما بين تيارين حيال سياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط. تيار يبغي تحقيق أكبر عدد من الصفقات، أي الـDeals على نمط الرئيس دونالد ترمب، وتيار آخر يهدف إلى ضرب الأعداء الأساسيين للولايات المتحدة خلال عملية إنجاز الصفقات. وقد يبدو الأمر غريباً أو متناقضاً، إلا أنه حقيقي. ونرى ذلك عبر التحركات الأميركية المتعددة أو عدم التحرك في حالات معينة. وقد بات واضحاً أنه منذ دخول البيت الأبيض، ونهج “الديلز” بات يشكل العمود الفقري للسياسة الأساسية لفريق الرئيس ترمب. بمعنى آخر، إن فريق الرئيس سعى إلى حل عدة مشاكل عبر مفاوضات بين طرفي صراع للتوصل إلى تفاهمات تقود إلى اتفاقية ترعى مصالح الجانبين.
إلا أن الهدف من إيجاد صفقات بدلاً من معاهدات تغوص في عمق الخلاف، هو الإسراع في إيجاد الحلول السريعة بدلاً من مداولات طويلة لحل كل المشاكل التاريخية وإنتاج حلول شاملة وطويلة الأمد. وتتركز محادثات الصفقات على أمرين: الأول أن تكون سرية، والثاني أن تؤمن مصالح القيادات أو النخبة التي تقود الدول أو الجماعات. ويتجنب هذا النهج عرض “الديل” على البرلمانات أو مجالس الشورى الواسعة. وتعتبر هذه المدرسة أن منطق الصفقة يؤمن حسماً سريعاً، ويبقي إصلاح التفاهم بعيداً عن المسائلات الشعبوية، ويضع قرارات التفاهم بين يدي أصحاب القرار.
أما أتباع المدرسة التقليدية فيعتبرون أن طريق الصفقات ربما أسرع، لكنه أضعف. المعاهدات تأخذ زمناً أطول وتتطلب استشارات أوسع، وتسمح بتغطية إعلامية ضاغطة، بينما الصفقات تُناقش بين عدد محدود من الممثلين، وكل شيء مكتوم حتى الإعلان. وهذه بعض الأمثلة عن تفاهمات احتوت على صفقات ومعاهدات أو مزيج من الاثنين.
في ملف غزة، ولا سيما منذ بداية العام الأول لفترة ترمب، طرح هذا الأخير مشروع إخلاء سكان القطاع مرحلياً حتى إعادة إعمار المنطقة وإنشاء “ريفيرا”، ودعوة المستثمرين لدخول المشروع. وكان ذلك محاولة لتمرير صفقة اقتصادية “تفيد كل الأطراف” وتنهي الحرب. بينما أصرت إسرائيل على حل أمني ينهي “حماس”، وشددت معظم الدول العربية على حل يعترف بدولة فلسطينية أولاً بغض النظر عن المشاريع المالية. فاختارت واشنطن حلاً مخضرماً إلى شرم الشيخ حيث تم دمج الصفقة بالحلول التقليدية الأمنية والسياسية. ولا تزال مرحلة إنهاء الحرب مستمرة من دون الوصول إلى النهاية.
أما في ملف إيران، فقد وجه ترمب ضربة قاضية للمشروع النووي، وباشر فوراً بالبحث عن صفقة مع النظام اعتماداً على تحليل يخلص إلى أن القيادة الإيرانية بعد انهزامها قد تقبل بصفقة إنقاذية تمنع إسرائيل من الاستمرار بالضربات على الميليشيات. فحصل النظام على ستة أشهر تقريباً، إلا أنه لم يقدم أي مشروع تسوية، بل قام بتسليح نفسه من جديد، واعتقل من اعتبرهم خطراً على السلطة، فانفجرت مظاهرات واسعة داخل إيران ذهب ضحيتها أكثر من 15 ألف قتيل. فهدد الرئيس الأميركي بعمل عسكري كبير ضد قيادة طهران، وبدأت الوساطات عبر المبعوثين، فوعدت الجمهورية الإسلامية بأنها ستتوقف عن قتل المدنيين، إلا أنها أرسلت البسدران والباسيج داخل الأحياء المدنية، واستمر العنف، فبات صعباً أن تتم صفقة بين واشنطن وطهران.
أما النموذج الثالث فيقع في سوريا، حيث اعترفت إدارة ترمب بـ “هيئة تحرير الشام” كحكومة جديدة في بداية العام الماضي، وعقدت معها صفقة كبرى مبنية على عقود نفطية واقتصادية كبيرة دون الدخول في معاهدات كبرى تحتاج قوانين الكونغرس. وحصل فريق ترمب على اتفاقيات اقتصادية كبرى اعتبرتها الإدارة ذات منفعة عامة للاقتصاد الأميركي.
إلا أن نجاح “الصفقة” سرعان ما اصطدم بواقع الصراعات الجيوسياسية والإثنية التي لم يتم حلها. فبدا تباين بين الموقفين الإسرائيلي والأميركي حول طبيعة الحكم بشكل عام، ومسألة الجنوب السوري، خاصة المسألة الدرزية بشكل خاص، وهو أمر لم يتم حله في الصفقة. وبعد ذلك انفجرت الأزمة بين الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية من جهة وبين السلطات السورية، مما ترك أثراً في الداخل الأميركي، ودفع عدداً من أعضاء الكونغرس للتنديد بالسلطة السورية. وهكذا، لغط سياسي يؤثر على التزام الشركات باستثماراتها داخل سوريا.
هكذا نرى أن الصفقات لها ميزة السرعة وعدم التعرقل مع الكونغرس والصحافة، لكن الأزمات غير المحلولة في غزة ومع إيران وفي سوريا، على سبيل المثال، تحتاج ربما إلى الاثنين: صفقات تجلب السلم والتوافق على إنهاء المواجهات، لكنها تحتاج إلى آلية حوار للوصول إلى عمق الأزمات ونزع جذور المواجهة.



