أقلام وأراء

وليد فارس – الفصول الآتية الممكنة لحرب أوكرانيا

 وليد فارس ٥-٤-٢٠٢٢م

وإذ تستمر المعارك على مختلف الجبهات في الساحة الأوكرانية، وتهدأ أحياناً، وتركز القوات الروسية على الشرق والجنوب والساحل، وتحاول المحافظة على الستاتيكو في مناطق أخرى حول العاصمة، تسعى القوات الأوكرانية لكسر الطوق من حول كييف، ولاستعادة المبادرة على المحاور الأخرى. فأوكرانيا تسعى لتعديل الستاتيكو لصالحها.

من ناحيته، الحلف الأطلسي، مع استمرار رفضه التدخل على الأراضي الأوكرانية، يكثف دعمه للقوات الأوكرانية بالسلاح والعتاد والتدريب، بهدف مقاومة التقدم الروسي.

سياسياً ودبلوماسياً، وصل الانقسام العالمي إلى قمة التشنج. مجلس الأمن معطل بسبب “الفيتوهات” المتناقضة، المنظمات العالمية الأخرى إما تتبع المحور الغربي، وإما هي منقسمة، والتجمعات الوسطية تسعى إلى الإفلات من موجبات الالتزام بعقوبات ما، أو دعم مطلق للأطراف. الصين تدعم روسيا، ولكن من دون قرع الطبول، وفي الوقت نفسه تستمر بعلاقاتها التجارية مع الغرب. دول أخرى في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، تنتهج التموقع نفسه، بنسب مختلفة.

أما اقتصادياً، فحملة العقوبات الغربية على روسيا قد وصلت إلى ذروتها، وتمكنت من تعطيل قطاعات مالية واسعة في الاقتصاد الروسي، وعبأت عدداً من الدول لتقطع علاقاتها التجارية مع موسكو. والهدف الغربي هو إنزال أقصى الضغط على الاتحاد الروسي ليوقف الحرب وينسحب.

ولكن، في هذا العالم المترابط والمتخالط، كل ما يصيب جزءاً من اقتصاد العالم يرتد على العولمة الاقتصادية، فيصيب الكل، بعد فترة زمنية معينة.

هذه هي فصول الصراع الحالي في أوكرانيا. فما هي الفصول الآتية على مختلف المحاور المذكورة؟ هل ستستمر الحرب، هل ستتصاعد، هل ستنتشر، هل ستنفجر بشكل أوسع وتصل إلى مجابهة روسية – أطلسية؟

الجبهات العسكرية

ما المتوقع عسكرياً؟ ستستمر الحكومة الأوكرانية في جهدها لدفع الوحدات الروسية من حول كييف شمالاً وشرقاً، حتى تصبح العاصمة بعيدة من المدفعية والدبابات والمشاة الروس، وتكرس نفسها لتخطيط وقيادة هجوم مضاد لإخراج القوات الروسية من الشمال والشمال الشرقي للبلاد. أما على جبهتي دونيتسك والساحل، فستشن القوات الأوكرانية هجمات لتمنع الروس من ربط الشرق بالجنوب تمهيداً لفصلهما عن الدولة الأوكرانية وضمهما إلى روسيا. وستحصل أوكرانيا على كميات كبيرة من الأسلحة من دول “الناتو” لتجابه القوات الروسية وتحقق الأهداف المذكورة أعلاه. حكومة فولوديمير زيلينسكي ستسعى للحفاظ على أوديسا مهما كلف الأمر، لتحمي مرفأها الاقتصادي الوحيد المتبقي على البحر الأسود. وفي المقابل، ستسعى روسيا إلى توسيع رقعة سيطرتها في الشرق لاستكمال إقامة الجمهوريتين في دونيتسك ولوغانسك. أي أن التقدم سينتقل من منطقة العاصمة إلى دونباس. وكذلك ستحاول القوات الروسية ربط الشرق بالساحل، بمحيط بحر آزوف، وإبقاء الضغط على أوديسا. أي إن العمليات الروسية ستتواصل، ولكن لن تعطى الأولوية للشمال. بل ستضع موسكو ثقلها في الشرق والجنوب لتحصين المناطق التي سيطرت عليها.

المواجهة العسكرية ستنتقل من الجبهات المتنقلة التي تميزت بها الحرب العالمية الثانية إلى الجبهات الثابتة وخطوط التماس التي فرضت نفسها في الحرب العالمية الأولى. ما يعني أنه إذا لم يتم التوقيع على وقف لإطلاق النار، ستتحول الحرب إلى مد وجزر مثل الحربين اللبنانية والسورية، لسنوات طويلة. وهكذا، واقع سيؤثر في الاقتصاد الأوروبي والدولي.

أزمة اقتصاد في الأفق

حملة العقوبات الاقتصادية ضد روسيا وصلت إلى حد تعطيل أي اقتصاد وطني في العالم. إلا أن روسيا بلد كبير، له موارد هائلة من نفط وغاز ومعادن وماء وخشب ومزروعات. لذا، فإن اقتصادها يتألم من الإجراءات، ولكنه يسعى إلى اكتفاء ذاتي حربي كما كان الوضع خلال الحرب العالمية الثانية. ضف إلى ذلك أن الصين ستستفيد من استضعاف روسيا للحصول على مواد أولية بأسعار منخفضة. ما سيوفر لموسكو شرياناً مالياً للحياة.

والضغط الغربي قوي، لكنه مرتبط ببعض المحطات الزمنية، أهمها اقتراب فصل الشتاء وحاجة معظم الأوروبيين، لا سيما ألمانيا وأوروبا الغربية إلى غاز ووقود للتدفئة. لذا، فإن الحرب الاقتصادية ستميل دفتها إلى الغرب أولاً، ولكن قد تميل في اتجاه آخر قبل نهاية السنة. لذا، فإن ضرورة إنهاء الحرب والمباشرة بالعملية السلمية في الأشهر المقبلة قبل أن تتحول أوكرانيا إلى سوريا أخرى. فهل هذا ممكن؟

الحرب السياسية

المحادثات الروسية – الأوكرانية تتقدم ببطء، ولكنها مستمرة. الطرفان يحاولان الحصول على أكبر قدر من النقاط والمكاسب قبل أي توقيع على اتفاق لوقف إطلاق نار، ويسعيان لتحقيق إنجازات بعيدة الأمد قبل الخروج بإعلان مشترك. ما هو واضح أنه إذا ما توصل الطرفان إلى صفقة الآن، لن يتمكنا من تعديلها بسهولة بعد ذلك، لأن العالم لن يقبل بحرب جديدة لتعديل معاهدات. لذا، يسعى الطرفان لتحقيق وقائع على الأرض قبل أي توقيع.

حكومة زيلينسكي باتت تقبل بالتخلي عن الدخول إلى “الناتو”، ولكنها تريد خروج الروس. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيقبل بدخول أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولكنه لن يتخلى عن المناطق “الروسية” والقرم. الغرب سيدعم أوكرانيا حتى إنهاء الحرب، ولكنه لا يريد حرباً شاملة مع روسيا. وهذه الأخيرة لا تريد حرباً مع “الناتو”، ولكنها ستقاتل من أجل “أوكرانيا الشرقية”.

هذا ما يمكن استشرافه من فصول آتية، وقد يتبدل بعضها، إذا ما طال الوقت.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى