وليد حباس يكتب - لماذا يصر سموتريتش على رفض الانضمام إلى حكومة يمين مدعومة من القائمة العربية الموحدة؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

وليد حباس يكتب – لماذا يصر سموتريتش على رفض الانضمام إلى حكومة يمين مدعومة من القائمة العربية الموحدة؟

0 100

وليد حباس 19/4/2021

دفعت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة في آذار 2021 قضية الأحزاب العربية إلى مركز الجدل السياسي الحاصل داخل معسكر اليمين الصهيوني. لأول مرة يبدي حزب عربي، وهو القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، عدم تحفظه من التحالف مع اليمين الصهيوني، فيما قد يبدو أحد مخارج تشكيل حكومة برئاسة بنيامين نتنياهو. وبينما أن نتنياهو قادر ببراغماتيته الفهلوية على التحول من ذلك القائد الصهيوني اليميني الذي يشيطن الناخب العربي (كما حصل في انتخابات الكنيست العام 2015) إلى “أبو يائير” الذي يرتشف القهوة بصحبة أصدقائه العرب، إلا أن هناك أصواتاً يمينية أخرى تنظر إلى الناخب العربي كتهديد استراتيجي لا يمكن التهادن معه. فقد أغلق بتسلئيل سموتريتش، رئيس قائمة الصهيونية الدينية، الباب الذي تركه نتنياهو موارباً لانضمام القائمة العربية الموحدة لحكومة يعمل على تشكيلها. وفي السادس من نيسان 2021، أعلن سموتريتش أنه “ممنوع منعاً باتاً إقامة حكومة بدعم من القائمة العربية الموحدة”.

من الواضح أن موقف سموتريتش الذي يشاركه فيه معظم أحزاب اليمين الجديد، لا ينبع من مجرد عداء ساذج للعرب، وإنما يعبر عن نوع جديد من التنظير السياسي المستند إلى أيديولوجيا دينية واضحة المعالم. على العكس من نتنياهو الذي يهتم أكثر باستمرار فترة رئاسته للحكومة كطوق نجاة وحيد من السجن الذي يتهدده، فإن سموتريتش يعتقد بأن إقامة حكومة بدعم القائمة العربية الموحدة قد يعود بأبعاد كارثية على مستقبل العملية السياسية داخل إسرائيل وقد لن يتمكن اليمين من السيطرة عليها على المدى البعيد. من جهة، تطبيع العلاقة مع الناخب العربي لدرجة السماح له بلعب دور بيضة القبان في تشكيل أي حكومة إسرائيلية من شأنه أن يزيد من إقبال العرب على التصويت، وبالتالي قد يرتفع عدد مقاعدهم في الجولة الانتخابية المقبلة إلى 18-20 مقعداً، من جهة أخرى. حسب سموترتيش، هذا يعني ترجيح كفة اليسار الإسرائيلي وزيادة حظوظه بالعودة إلى الحكم لأن العرب سيتحالفون معه في المستقبل لا محالة.

يترأس سموتريتش حزب “الاتحاد القومي” (وهو أحد مكونات القائمة الصهيونية الدينية) والذي يعتبر أحد ألوان التيار الحردلي (اختصار للتيار الحريدي ليئومي، أي الديني القومي) الذي يعود بتعاليمه إلى الحاخام أبراهام كوك، المنظر الديني لفكرة الخلاص. إن إقامة أرض إسرائيل، وتفرد اليهود في الحكم عليها، هي إحدى مقدمات الخلاص الديني، بيد أن الحردلية تأخذ هذه الرؤية الخلاصية إلى ميدان الفعل السياسي الصهيوني وتسخر المنظومة الاستعمارية في تعجيل الخلاص. فاحتلال الضفة الغربية، على سبيل المثال، يعتبر خطوة لا يمكن التنازل عنها كونها الطريق الصحيح لإقامة دولة إسرائيل على كامل ترابها.

كزعيم ومنظر يمثل الصهيونية الدينية، نشر سموتريتش في العام 2017 مقالة بعنوان “خطة الحسم: مفتاح السلام يكمن لدى اليمين الإسرائيلي”، وفيها عرض رؤيته لحل المسألة الفلسطينية مرة واحدة وإلى الأبد. في بداية “خطة الحسم” يطرح سموتريتش سبيلين لحل “المشكلة الفلسطينية”. الأول: أي فلسطيني (من سكان الضفة الغربية) يرغب بالتنازل عن طموحاته القومية، يمكنه البقاء والعيش كفرد داخل دولة إسرائيل اليهودية. لكنه لن يكون مواطنا سياسيا كامل الحقوق، وإنما مقيم ذو حقوق اجتماعية واقتصادية وصحية وحسب. وبشكل مشابه، تسعى الصهيونية الدينية إلى تقليم أظافر الأحزاب العربية التي، بالنسبة لها، باتت تتجرأ على المشاركة في صياغة وجه الحكومة، وتتطلع إلى التدخل الفاعل في الحكم الذي لا بد وأن يبقى حكراً على اليهود.

الحل الثاني، من لا يرغب بالتنازل عن هويته ومشروعه القومي، فإن الشعب اليهودي سيساعده على الهجرة إلى أي دولة عربية حيث يمكنه أن ينمي مشاعره القومية بحرية مطلقة. يعتبر هذا الحل آخر مشروع ترانسفير صهيوني طُرح للنقاش مؤخرا وبشكل جدي. وسموتريتش يؤمن إيمانا قاطعا بمشروع الترانسفير كحل عملي قد لا يكون مناص منه في المستقبل القريب. ومع أن “خطة الحسم” تستهدف حسم الصراع مع فلسطينيي الضفة الغربية، إلا أنها بين يدي سموتريتش قد لا تستثني فلسطينيي الداخل. وقد عبر سموتريتش عن هذا الموقف بشكل صريح في رده على النائب أحمد الطيبي في نيسان 2020 في إثر حادثة الحاخام شموئيل إلياهو. فإلياهو، باعتباره حاخام مدينة صفد، رفض تأجير عقارات للمواطنين العرب في إسرائيل معتبراً أن أرض إسرائيل هي ملكية الشعب اليهودي. وعندما اعترض الطيبي على هذه الأقوال العنصرية التي لا يجب أن تأتي على لسان “رجل دين”، ثارت حفيظة سموتريتش وقال إن من لا يعترف بأن أرض إسرائيل هي ملكية حصرية للشعب اليهودي “عليه أن يغادر هذه البلاد. الحاخام شموئيل وتلاميذه ومن بينهم نحن في الصهيونية الدينية سنعمل على تسهيل هذه المغادرة”.

يطرح سمرتريتش هذين الحلين (التنازل عن القومية الفلسطينية كشرط للاستمرار في العيش في الضفة مقابل الاحتفاظ بالطموحات القومية وبالتالي الترانسفير) باعتبارهما الأكثر معقولية وقابلية للتطبيق. في حال إغفالهما، فإن إسرائيل ستكون أمام شلال من الدم بفعل الصراع القومي الذي لا حل له. ولأن هذا الخطاب يعتبر مغادرة لفكرة حل الدولتين التي استملكت اليمين الإسرائيلي التقليدي “الغبي”، فإن سموتريتش يسوق ثماني نقاط توضيحية لا تخفي أبدا ثقافته الاستعمارية والاستشراقية المجبولة بعنجهية المستوطن الذي يحمل بندقية في يد وفي يده الأخرى قدومه ليزرع الأرض:

) حل الدولتين هو أمر غير واقعي وغير قابل للتطبيق.

) الهويتان القوميتان الإسرائيلية والفلسطينية تقفان على طرفي النقيض ولا يمكن أن تتعايشا معاً.

) المشروع الصهيوني هو أكثر مشروع أخلاقي على الوجود من عدة جوانب. أولا، إسرائيل هي تحقيق للرؤية التوراتية التي تحظي بإجماع العالم. ثانيا، استطاعت إسرائيل جلب الازدهار والنمو على العكس من دول أخرى.

) التهديد الذي تواجهه إسرائيل هو تهديد منقطع النظير. لذا، على الحل أن يكون كذلك منقطع النظير.

) الاعتقاد بأن “اليأس يولد العنف والإرهاب” هو مقولة خاطئة تماما. هنا يضع سموتريتش نفسه في المعسكر المقابل لنتنياهو الذي يعتقد أن “السلام الاقتصادي” من شأنه أن يخفف من اليأس المعيشي، ويخلق مصالح مادية لدى الفلسطينيين تجعلهم يدفعون باتجاه إنهاء المقاومة. في المقابل، يعتقد سموتريتش بأن المقاومة الفلسطينية لا تنطلق من اليأس وإنما “الأمل” بأنه يمكن للفلسطينيين إقامة دولة. وعليه، يدعو سموتريتش إلى قتل هذا الأمل بأسرع وقت.

) يعتقد سموتريتش بأن طمس الهوية القومية للفلسطينيين وإنهاء طموحاتهم ببناء دولة هما من الأمور الممكنة جدا، على العكس من آراء بعض أطراف اليمين التقليدي والذين يشككون في هذه الامكانية.

) يحاول سموتريتش تبرير هذا “الحسم” السياسي الذي سيقضي على فكرة حل الدولتين من خلال استبطان فلسفة أخلاقية نفعية تقيس أخلاقية الأفعال من خلال الحكم على نتائجها ومخرجاتها. فهو يقارن الظروف المعيشية في قطاع غزة قبل الانسحاب الإسرائيلي مع تلك الظروف التي سادت بعده من حيث نقص الكهرباء والمياه والمستوى المعيشي. وعليه، لئن كان “قتل” الهوية القومية للفلسطينيين أمرا لا أخلاقي من حيث المبدأ، إلا أن استيعاب الفلسطينيين كأفراد بدون طموحات قومية داخل دولة إسرائيل قد يعود بالازدهار على حياتهم، وبالتالي فإن النتائج الإيجابية لـ”حطة الحسم” هي التي تبرر أخلاقية الخطة.

) على العكس من التقارير العسكرية الإسرائيلية حول التكلفة الباهظة لضم مناطق “ج”، ألا أن سموتريتش يعتقد بأن تكلفة الضم (وهنا المقصود كل الضفة الغربية وليس فقط مناطق “ج”) ستكون أوفر بكثير من تكاليف الاستمرار في إدارة الصراع مع الفلسطينيين لما يحمله ذلك من تكاليف أمنية واستخباراتية بالإضافة إلى التكاليف الجسدية.

هذه المرتكزات الأساسية التي يستند اليها الفكر السياسي لليمين الجديد بشكل عام، والصهيونية الدينية بشكل خاص. ومهما يكن من أمر، فإن المثير في “خطة الحسم” ليس موضوع الترانسفير رغم خطورته، وانما المرتكزات الثمانية التي طرحها سموتريتش والتي قد تشكل الفكر السياسي لليمين الجديد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. لقد طرح سموتريتش هذه الخطة عندما كان حزبه جزءا من تكوينات “البيت اليهودي” في العام 2017، قبل أن ينشق ويشكل قائمة الصهيونية الجديدة والتي تجمع كلا من حزب تكوما (برئاسة سموتريتش) وعوتسما يهوديت (برئاسة إيتمار بن غفير) وحزب نوعام القومي اليهودي (برئاسة آفي معوز). وقد يختلف سموتريتش مع حزب يمينا (برئاسة نفتالي بينيت) أو باقي أطياف اليمين الإسرائيلي الحريدي والعلماني وغيرهم حول قضايا إسرائيلية داخلية تتعلق بشكل الدولة وعلاقة الدولة بالدين وغيرها؛ لكنهم قد لا يختلفون في المستقبل المنظور حول هذه المرتكزات الأساسية والتي ستلقي بظلالها على القضية الفلسطينية. أما بالنسبة للقائمة العربية الموحدة، فإن اليمين الجديد ما يزال يصفها باعتبارها حزبا متطرفا “إرهابيا”، على الرغم من الجسور التي مدها منصور عباس بينه وبين اليمين الصهيوني. فمع أن عباس صرح بأن ما يجمعه مع الإسرائيليين أكثر بكثير مما يفرقهم، في إشارة إلى استعداده إلى الاندماج كمواطن كامل تحت رعاية الدولة الإسرائيلية، إلا أنه في نفس الخطاب طالب الإسرائيليين، ربما لحفظ ماء الوجه أمام جمهوره العربي، بضرورة اعتراف المؤسسة الرسمية في إسرائيل بوجود روايتين اثنتين داخل حدود الدولة. حسب سموتريتش، المطلوب من منصور عباس هو التنكر بشكل كلي للرواية الفلسطينية قبل أن يتم قبوله كلاعب سياسي في صناعة شكل الحكم.

* عن مركز مدار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.