شؤون إسرائيلية

وليد حباس: من رئاسة هيئة أركان الجيش إلى الحلبة السياسية: أيزنكوت لا يدعم حل الدولتين

وليد حباس 22 أغسطس 2022

في تاريخ 14 آب 2022، أعلن غادي أيزنكوت، الذي شغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي (2015-2019)، انضمامه إلى الحلبة السياسية ومشاركته في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في 1/11/2022.

وانتقال قادة الجيش، وجهازي الشاباك والموساد، إلى الحلبة السياسية صفة ملازمة لإسرائيل منذ بداياتها، وتشير بكل وضوح إلى كونها “دولة عسكر” وأن تقلد مناصب عليا في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية يعتبر البوابة الأفضل للحصول على شعبية، ومقبولية، واحترام لدى كافة أطياف المجتمع الإسرائيلي من أقصى اليسار (كما هي الحال في حزب ميرتس الذي يتنافس جنرال سابق في الجيش على زعامته) وصولا إلى أقصى اليمين، مرورا بأحزاب الوسط. بالنسبة لأيزنكوت، فقد اختار موقعه من الخارطة السياسية الإسرائيلية بحذر على النحو التالي: 1) لقد اصطف مع المعسكر المناوئ لبنيامين نتنياهو، 2) في المعسكر المناوئ لنتنياهو، اختار أيزنكوت أن ينضم إلى قائمة انتخابية يمكن تصنيفها على أنها وسط- يمين.

هذه المقالة، تعرض بروفايل أيزنكوت، وتركز على نهجه السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، حل الدولتين وإنهاء الصراع.

ولد أيزنكوت في العام 1960، وفي سن الثامنة عشرة تجنّد في الجيش الإسرائيلي واتخذ مسار الخدمة الدائمة بحيث ترفع داخل مؤسسة الجيش على مدار 41 عاما (1978-2019)، ليتقلد منصب ضابط عمليات لواء الشمال (1991)، ثم قائد كتيبة كرمئيلي (1992)، ثم قائد كتيبة إفرايم (1994)، ثم قائد لواء جولاني (1997)، ثم السكرتير العسكري لرئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك (1999)، وبعدها سكرتير عسكري في حكومة أريئيل شارون (2001). في العام 2003، تم تعيينه قائد لواء الضفة الغربية الاحتياطي وقاد خلال هذه الفترة الحملة التي تسميها إسرائيل بـ”جمع القمامة” (2004)، التي قضت على آخر خلايا المقاومة الفلسطينية التي نشطت في الانتفاضة الثانية في نابلس. ثم استمر أيزنكوت في ترقياته وصولا إلى قائد لواء الشمال (2006)، ثم نائب رئيس هيئة الأركان تحت قيادة رئيس الأركان بيني غانتس في حينها (2013)، وأخيراً وصل إلى المنصب الأعلى والأكثر مرموقية في الجيش الإسرائيلي وأصبح رئيس الأركان الـ 21 عام 2015.

بحسب المعمول به في إسرائيل، على رئيس هيئة الأركان أن يستريح مدة عامين بعد انقضاء ولايته العسكرية قبل أن ينضم إلى الحلبة السياسية. خلال هذين العامين، تقلد أيزنكوت منصبين مهمين: 1) تم تعيينه في العام 2019 رئيسا لمجلس إدارة شركة “تسور شامير” وهي شركة مقاولات وخدمات مالية، ثم تم تعيينه في العام 2020 أيضا رئيسا لمجلس إدارة مجموعة فيلار التي تعمل في مجالات المقاولات، وأخيرا رئيس مجلس إدارة مجموعة ستورج دروب للطاقة الخضراء في العام 2021، ومن المتوقع أن يظل في هذه المناصب حتى دخوله الكنيست. 2) الموقع الآخر الذي حظي به أيزنكوت هو منصب باحث كبير في “معهد دراسات الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، حيث نشر العديد من الأعمال التي تجمع بين عقيدته الأمنية، ورؤيته السياسية فيما يخص قضايا متنوعة في الشرق الأوسط بشكل عام والمسألة الفلسطينية بشكل خاص.

في هذا السياق، لا بد من التذكير أن ما يميز أحزاب الوسط بشكل عام هو ضبابية موقفها من القضية الفلسطينية وطبيعة الحل المتخيل، الأمر الذي يتيح لها الانزياح بسهولة لتلبية رغبات الجمهور اليميني وفي الوقت نفسه تبقى على مسافة ودية بينها وبين الجمهور الإسرائيلي اليساري، وهذا على ما يبدو هو الموقف السياسي لأيزنكوت. فقد صرح أيزنكوت في كانون الثاني 2022، بأنه “لسنا بحاجة إلى أن نكون عباقرة عظماء لفهم معنى وجود ملايين الفلسطينيين بيننا. نحتاج إلى تغيير الواقع، لأنه يؤدي إلى دولة واحدة، وهذه تدمير للحلم الصهيوني”. يدخل هذا الكلام “المعسول” في سياق ضبابي عندما يتم طرح سؤال “ما العمل؟”. والحل الوحيد الذي تطرحه أصوات متزايدة في إسرائيل هو: الانفصال عن الفلسطينيين. بيد أن الانفصال لا يعني بالضرورة تحرّر الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية (وهو موقف قد يكون أقرب إلى الطرح اليساري الإسرائيلي)، ولا يعني ضم الضفة الغربية أو على الأقل مناطق “ج” (وهو موقف قد يكون أقرب إلى الطرح اليميني). يراد من الانفصال هنا فقط منع تفاقم الواقع الحالي الذي ينذر بتحول إسرائيل إلى دولة فيها شعبين، الأمر الذي يهدد الحلم الصهيوني بدولة يهودية. وهذا ما أكده أيزنكوت بقوله: “نحن نسير، وبدون أن نريد، نحو تعزيز الدولة الواحدة، وهذه ستكون الطامة الكبرى”. لكن في المقابل، فإن أيزنكوت من خلال انضمامه إلى “المعسكر الرسمي/ الدولاني” (يجمع بين أيزنكوت، وحزب “أمل جديد” برئاسة جدعون ساعر، وحزب “أزرق أبيض” برئاسة غانتس) ينضم إلى أحزاب معروفة بصمتها السياسي، وعقم نهجها المتعلق بالقضية الفلسطينية. بالنسبة إلى “أمل جديد”، فإن زعيمه جدعون ساعر يرفض تماما حل الدولتين، أو التنازل عن أراضي الضفة الغربية، أما حزب “أزرق أبيض”، فإن زعيمه بيني غانتس يؤيد نهج “تقليص الصراع” الذي يؤبد الاحتلال لكنه يواريه عن أنظار الفلسطينيين من خلال حزم متلاحقة من التسهيلات والمساعدات والإغراءات وإعادة تصميم ديكور الاحتلال بحيث لا يراه الفلسطيني جاثما أمام ناظريه بكل وضوح (إزالة حواجز، تسهيلات سفر، زيادة العمال… إلخ).

ربما أن أيزنكوت يدرك أن القيام بأي تحرك سياسي حقيقي فيما يخص القضية الفلسطينية سوف يقلل من أسهمه ومقبوليته في المجتمع الإسرائيلي، خصوصا وأن اليسار الإسرائيلي في تقلص مستمر، في مقابل صعود اليمين الذي لا يرى في الدولة الفلسطينية خياراً مطروحاً على المدى المنظور. كسياسي مبتدئ، يريد أيزنكوت موقعة نفسه في مساحة آمنة بين المعسكرين، لكنه في المقابل فضل الانضمام إلى “المعسكر الدولاني” الذي لا موقف سياسياً واضحاً له يؤيد حل الدولتين، بدلاً من الانضمام، على سبيل المثال، إلى حزب “يوجد مستقبل” الذي يدعو جهاراً إلى حل الدولتين حتى وإن لم يدفع عمليا في اتجاهه.

ومع أن أيزنكوت يؤيد الانفصال عن الفلسطينيين، فإنه على المستوى الاستراتيجي يصرّ على تواجد إسرائيلي دائم في غور الأردن والحفاظ على الكتل الاستيطانية الكبرى. فيما يخص قطاع غزة، يسعى أيزنكوت إلى اتفاق وقف إطلاق نار طويل الأمد ويؤيد تبادل أسرى مع فصائل المقاومة في غزة. ومقابل نزع سلاح المقاومة، يقبل أيزنكوت البدء بإعادة تأهيل القطاع وافتتاح ميناء بحري فيها.

تجدر الإشارة إلى أن أيزنكوت كان عسكرياً شرساً وبطش بالفلسطينيين في أكثر من مناسبة. ربما إذا ما تم فتح ملفات الجيش الإسرائيلي من قبل المحكمة الجنائية الدولية، فإن أيزنكوت قد يتم تصنيفه كمجرم حرب. فقد لعب دورا في قمع العديد من الهبات الفلسطينية (أهمها هبة السكاكين)، بالإضافة إلى مشاركته في حروب عديدة أهمها الحرب على لبنان في العام 2006. وينسب إلى أيزنكوت دعمه المطلق لـ “عقيدة الضاحية”، التي ترمز إلى تدمير حيّ الضاحية الجنوبية اللبناني المسيطر عليه من قبل حزب الله بالكامل، وهدم شبكات الطرق والكهرباء والمياه، لتقويض قدرة المقاتلين على استخدام البنية التحتية وبالتالي المساهمة في لجم قدرتهم على الاستمرار. فقد صرح أيزنكوت ذات مرة: “كل القرى الشيعية في لبنان هي مواقع عسكرية… نحن نعلم أن حزب الله سيطلق النار على نطاق أوسع بكثير مما كان عليه في الحرب الأخيرة عام 2006، وعليه، سنرد على هذا النحو: في كل قرية يطلقون منها النار على إسرائيل، سنستخدم قوة غير متناسبة معها ونحدث دمارا هائلا”. بيد أن عقيدة الضاحية لا تنحصر بالطبع في الساحة اللبنانية، بل إنها قد تنطبق أيضا على قطاع غزة.

وقد لا يحدث دخول أيزنكوت إلى الحلبة السياسية فروقات ذات دلالة على المشهد السياسي- الحزبي. فما يزال معسكر نتنياهو يحظى حسب استطلاعات الرأي بحوالي 58-59 مقعدا، بينما أن معسكر معارضي نتنياهو (الذين انضم إليهم أيزنكوت) يحظون بحوالي 54-55 مقعدا، بالإضافة إلى القائمة العربية المشتركة التي قد تحصد باقي الأصوات لكنها قد لا ترغب بتغليب كفة أحد الطرفين على الثاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى