أقلام وأراء

وفاز ماكرون

عمرو الشوبكي

عمرو الشوبكي 2022-04-27

هناك تجارب انتخابية يكون فيها الفارق بين المتنافسين محدوداً والخلاف حول جزئيات وتفاصيل صغيرة، لأنهم متوافقون على الأسس التي يقوم عليها النظام القائم، وهناك انتخابات يكون الفارق فيها بين المرشحين جوهرياً، ويسعى أحد أو بعض الأطراف إلى تغيير المنظومة القائمة ووضع أخرى بدلاً منها.

ويمكن القول: إن انتخابات الرئاسة الفرنسية التي فاز فيها الرئيس إيمانويل ماكرون (حصل على حوالى 58% من أصوات الناخبين في مقابل 42% لمارين لوبان) تعد من هذه النوعية من الانتخابات التي فيها خلاف جوهري بين المرشحين.
وتعتبر منافسته مارين لوبان مرشحة حزب يميني متطرف يطرح أفكاراً عنصرية، وفي نفس الوقت يدافع عن السيادة الوطنية في مواجهة العولمة، والأمة الفرنسية في مواجهة الاتحاد الأوروبي، وهو حزب تفضيل المواطنين الفرنسيين على الأجانب في العمل والوظائف وتقريباً في كل شيء.
مدرسة “فرنسا أولاً” أو” أميركا أولاً” باتت تمثل منظومة مختلفة للحكم والإدارة عن المنظومة السائدة، وبات جانب من قوتها يتمثل في رفض سلبيات العولمة وتأثيرها على شريحة اجتماعية واسعة هي نتاج واقعها المحلي التعليمي والمهني، فقطاع واسع ممن يصوتون لليمين المتطرف هم أبناء طبقات شعبية نالوا تعليماً متوسطاً ويعملون في مؤسسات محلية وينظرون بحسرة ورفض للمؤسسات العالمية الكبرى التي تعمل في بلادهم وتعين أشخاصاً تراهم أكثر كفاءة وأفضل تعليماً.
عدم العدالة والتهميش والتمييز بين الوطني والعالمي كان من أسباب دعم شريحة اجتماعية شعبية لقوى اليمين المتطرف، ولذا لم يكن غريباً أن يطلق على هذا التيار “اليمين الوطني” أو القومى لكونه يدافع عن السيادة الوطنية في مواجهة العولمة.
الخلاف بين مشروعَي لوبان وماكرون عميق وكبير، وهو يختلف عن مشروع الأخير الذي أوصله للسلطة في انتخابات 2017، فقد أسس حزباً جديداً (فرنسا إلى الأمام) لم يكن هدفه مواجهة المنظومة السائدة، إنما إصلاحها، فقد كان الرجل ابن العولمة ومدافعاً صلباً عن الاتحاد الأوروبي حتى لو طالب بإصلاحه. أما لوبان فهي من داخلها ترفض العولمة والاتحاد الأوروبي والأجانب حتى لو استخدمت في الفترة الأخيرة أدوات ناعمة للتعبير عن هذا الرفض.
حصيلة حكم ماكرون كانت فيها إخفاقات كثيرة، خاصة على المستوى الاقتصادي، وتراجع القوة الشرائية للفرنسيين، ومع ذلك فإن خوف قطاع كبير من الفرنسيين من الانتقال من حالة إصلاح المنظومة القائمة إلى تغييرها، خاصة في ظل الحرب الروسية – الأوكرانية واتهام لوبان بأنها حليف مستتر لبوتين (حصولها على قرض من بنك روسي أصاب مصداقية خطابها الوطني) دفع كثيرين للتصويت لماكرون.
فوز ماكرون يمثل استمراراً للمنظومة القائمة مع وعد بإصلاحها، في حين أن مشروع تغييرها أو تعديلها لا يزال حاضراً، وعبرت عنه مرشحة اليمين المتطرف التي تتزايد في كل انتخابات حظوظ وصولها لقصر الإليزيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى