#شؤون اقليمية

هل ينجح تحالف المعارضة التركية في الدفع نحو تبكير الانتخابات؟

آمنة فايد

آمنة فايد 

تتصاعد حدة التوتر على الساحة السياسية التركية إثر مطالب المعارضة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مُبكرة، ورفض الرئيس رجب طيب أردوغان و”تحالف الجمهور” المُكون من حزبي “العدالة والتنمية”، و”الحركة القومية”، لتبكير الانتخابات، والإصرار على عقدها في الموعد المُحدد لها في يونيو 2023، وذلك وسط مساعي أردوغان لفرض دستور جديد يشمل إجراء تغييرات في قانوني الانتخابات والأحزاب، وإلغاء شرط (50+1) من جانب، ومن جانب آخر دعاوي المعارضة بقيادة زعيم حزب “الشعب الجمهوري” كمال كليجدار أوغلو، لسلسلة من التحركات الميدانية في جميع أنحاء البلاد للمطالبة بتقديم موعد الانتخابات اعتراضًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ووصول الليرة لمستويات غير مسبوقة من الانحدار أمام الدولار.

خطوات استباقية

يأتي هذا التوتر على خلفية الاستعدادات الاستباقية التي تتخذها المعارضة للانتخابات القادمة، بتشكيل جبهة انتخابية مُوحدة في مواجهة النظام الرئاسي القائم و”تحالف الجمهور”، تتكون من 6 أحزاب معارضة، هي: حزب “الشعب الجمهوري”، وحزبى “الخير” و”الديمقراطي” القوميين، وحزب “السعادة” الإسلامي، وحزبى “المستقبل”، و”الديمقراطية والبناء” اللذين انشق مؤسساهما، أحمد داوود أوغلو، وعلى باباجان، عن حزب “العدالة والتنمية”. ويتمثل الهدف الأساسي من وراء هذا التحالف في عدم تفتيت أصوات المعارضة، وتكثيف أصوات الناخبين لصالح مرشح توافقي واحد، خاصة في ظل تراجع شعبية أردوغان وحزبه الحاكم.

هذا، وقد شهد يوم الأربعاء الموافق 26 يناير 2022، التقاء نواب رؤساء الاحزاب الـ 6 بشأن وضع اللمسات الأخيرة في برنامج العمل المشترك، والوثيقة الانتخابية التي ستكون بمثابة المبادئ الانتخابية للتحالف، والتي من المُتوقع أن يتمّ مُناقشتها مع حزب “الشعوب الديمقراطي” المؤيد للأكراد، رغم أنه ليس طرفًا في هذا التحالف إلى الآن.[1] وتضم الوثيقة مجموعة من البنود، لعل أبرزها:

1- عودة تركيا إلي النظام البرلماني المُعزز بدلاً من النظام الرئاسي.

2- أن يتم انتخاب الرئيس لـ 7 سنوات رئاسية، قابلة للمد والتجديد لفترة رئاسية واحدة فقط.

3- حصر السلطات التنفيذية لرئيس الجمهورية، وتحديد صلاحياته، بحيث لا يكون له حق النقض (الفيتو) على الوزراء.

4- تخلي الرئيس فور فوزه في الانتخابات عن رئاسة أي حزب سياسي.

5- أن توكل مهمة تشكيل الحكومة إلى زعيم الحزب السياسي الحائز على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان.

6- تخفيض العتبة الانتخابية التي بموجبها لا يمكن لأي حزب سياسي دخول البرلمان إذا لم يحصل على 10% من إجمالي اصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية، وذلك إلى 3% فقط.

7- العمل على تعزيز استقلالية القضاء من خلال تقسيم مجلس القضاء والمُدعين العامين إلى مجلسين، بحيث لا يكون هناك وزير عدل ووكيل وزارة في مجلس القضاة، ولا يكون للسلطة التنفيذية حق تعيين أعضاء مجلس القضاة ومجلس النيابة.

8- تعزيز استقلالية المؤسسات المالية، خاصة البنك المركزي.

مآل التحالف

تفرض الأوضاع السياسية والاقتصادية والإنسانية في تركيا مزيجًا من مُحددات القوة والضعف التي من المُتوقع أن تحدد مستقبل تحالف أحزاب المعارضة في المرحلة القادمة، بما يشمل احتمالية إجراء انتخابات مُبكرة من عدمها، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

أولاً: مُحددات قوة التحالف:

1- احتمال اندلاع المزيد من الاحتجاجات تنديدًا بالأوضاع الاقتصادية: شهد مطلع العام الجاري 2022 ارتفاعًا في أسعار العديد من المنتجات والسلع الاستهلاكية والمحروقات بنسب تراوحت ما بين 25% وأكثر من 100% بالنسبة للاستخدامات المنزلية والشركات.[2] وتأتي تلك الزيادات على خلفية تدهور أوضاع الليرة خلال عام 2021 والذي اعتبر العام الأسوء بالنسبة لليرة منذ وصول أردوغان إلى السلطة، بفقدانها حوالي 44% من قيمتها أمام الدولار، حيث وصل الدولار لـ 18.4 ليرة نهاية عام 2021، بعد أن كان بحوالي 7.4 ليرة في بداية نفس العام.[3]هذا، فضلاً عن انخفاض صافي احتياطي الدولة من 12.2 مليار دولار إلى 8.6 مليار نهاية عام 2021،[4] وتنديد زعيم المعارضة كمال كيلجدار أوغلو بتقرير مؤسسة الاحصاء التركية الصادر في 3 يناير 2022، بشأن ارتفاع معدل التضخم على أساس شهري في ديسمبر 2021 بنسبة 13.58%، وعلى اساس سنوي بنسبة 36.08%.[5]

وعليه، وفي ظل التداعيات الاقتصادية السلبية لجائحة كورونا وما أسفرت عنه من تراجع في عوائد السياحة، وتراجع ثقة المُستثمرين الأجانب في الاقتصادي التركي، وأزمة السكن الجامعي التي شهدتها تركيا في الربع الأخير من عام 2021، الذي لم يكفي لاستيعاب الطلاب جميعًا، في ظل ارتفاع أسعار إيجارات المنازل والسكن الجامعي الخاص، مما أدى لخروج الطلاب في احتجاجات بعدد من المدن التركية،[6] يعتمد جزء كبير من نجاح تحالف المعارضة في تبكير الانتخابات، وتصدر المشهد السياسي بالفوز أمام أردوغان وحزبه الحاكم، على خطوات وإجراءات تعاطي الإدارة التركية مع الأوضاع الاقتصادية المُتأزمة خلال المرحلة القادمة، خاصة مع تبني أردوغان سياسة اقتصادية مُغايرة لما هو مُتعارف عليه في علم الاقتصاد، وإصراره على خفض أسعار الفائدة رغم ارتفاع معدلات التضخم، وهو الأمر الذي أدى لانهيارات غير مسبوقة في قيمة الليرة أمام الدولار خلال السنوات الأخيرة.

2- تعرض حزب “العدالة والتنمية” للاستقالات الجماعية: شهد حزب “العدالة والتنمية” خلال السنوات الأخيرة توترات، واضطرابات تُهدد قاعدته الشعبية والانتخابية، ليس فقط على الصعيد الخارجي بسبب المعارضة، إنما ايضًا على الصعيد الداخلي. حيث تُشير التقارير إلي أن الحزب قد فقد خلال عام 2021 فقط حوالي 146 ألف عضو، انضم أغلبهم إلى أحزاب أخرى منافسة من المعارضة.[7] هذا، فضلاً عن أبرز المُنشقين عن الحزب خلال السنوات الأخيرة، وهما: أحمد داوود أوغلو، وعلي باباجان، مؤسسي حزبى “المستقبل” و”الديمقراطية والبناء” المُنافسين.

وقد أفادت مصادر تركية مؤخرًا، باستقالة حوالي 872 عضوًا من الحزب في ولاية “آيدن” بشكل جماعي في منتصف يناير من العام الجاري 2022، مؤكدةً أن الحزب يعيش اضطرابات خطيرة في الداخل، وأنه من المُتوقع أن تشهد الأيام القادمة المزيد من الانشقاقات.[8]وتصب أغلب التفسيرات في أن تلك الاستقالات تأتي على خلفية سوء الادارة الحزبية للملف الاقتصادي، بعد أن كان برنامج النهوض الاقتصادي أحد أبرز أسباب أهداف الحزب الحاكم منذ وصوله للسلطة.

3- تمديد المهام العسكرية التركية في الخارج: تُعتبر مسألة انخراط القوات التركية في العديد من ميادين الحرب الخارجية، وما يترتب عليها من أعباء وخسائر اقتصادية وإنسانية، واحدة من أبرز القضايا الخلافية بين الرئيس التركي وحزبه الحاكم من جهة، والمعارضة وقسم من الشارع التركي من جهة أخرى، والتي تُهدد القاعدة الشعبية لأردوغان في الانتخابات القادمة. فعلى الرغم من حصول قرار تمديد بقاء القوات التركية في سوريا والعراق لمدة عاميين إضافيين، على موافقة برلمانية أواخر شهر أكتوبر 2021، وذلك بأغلبية الأصوات، ومصادقة كل من حزب “العدالة والتنمية” وحزب “الحركة القومية” وحزب “الخير” على مذكرة القرار، إلا أنه تم التوقيع بـ “لا” على المُذكرة من قبل كل من حزب “الشعب الجمهوري”، وحزب “الشعوب الديمقراطي” الموالي للأكراد، وهو الأمر الذي يُعد مؤشرًا لتقارب التوجهات السياسية بين الحزبين، ولطبيعة التحالفات البرلمانية المُتوقعة خلال الفترة القادمة،[9] لاسيما مع تصريحات كليجدار أوغلو مؤخرًا التي أفادت بأن طريق تركيا إلى الديمقراطية لا يمكن أن يمر إلا عبر محافظة ديار بكر، ذات الأغلبية الكردية جنوب شرقي تركيا.[10]

4- أصوات الناخبين الشباب: وفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة(ORC Research)   في أكتوبر 2021 بين شريحة من الشباب الذي من المُقرر أن يُشارك ولأول مرة في الانتخابات القادمة، أسفرت النتائج عن أن نسبة 11.4% فقط من الأصوات الشابة ستذهب إلى حزب “العدالة والتنمية”. بينما في المقابل ستذهب 33.8% من الأصوات إلي حزب “الشعب الجمهوري”، أبرز أحزاب المعارضة في البلاد، وحاز حزب “الشعوب الديمقراطي” الموالي للاكراد على 5.3% فقط من أصوات الشباب. ومن بين باقي الشباب المقاطع، والمؤيد لأحزاب أخرى بنسب ضئيلة، هناك 13.4% من الناخبين الشباب لم يحسموا أمرهم بعد.[11] وبينما تكشف تلك الإحصائات عن تزايد شعبية المعارضة في الأوساط الشبابية مقارنة بأردوغان وحزبه الحاكم، من المُتوقع أن تسعى المعارضة خلال الفترة القادمة إلى استقطاب الأصوات غير المحسومة، وتكثيف الأصوات الشبابية لصالح تحالف قوى المعارضة.

5- مسألة ترحيل اللاجئين السوريين: في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في تركيا، وارتفاع معدلات البطالة، يعتبر اللاجئون من أكثر الأزمات التي يواجهها المجتمع التركي، خاصة في ظل إصرار أردوغان على استمرار بلاده في إيواء اللاجئين، مؤكدًا أن “بلاده ستفتح أبوابها اليوم وغدًا أمام السوريين”.[12] فمن جانبه، صرح كمال كليجدار أوغلو، في 4 يناير 2022، بأن إصلاح علاقة تركيا مع نظام الأسد ستكون من أولى خطوات حزبه، “الشعب الجمهوري”، في حال وصوله للسلطة، مُشيرًا إلى أنه خلال عامين على أبعد تقدير سيتم إعادة اللاجئين السوريين إلي بلدهم،[13] وهو الأمر الذي من المُتوقع أن يجد تأييدًا من شريحة كبيرة من الأتراك.

ثانيًا: مُحددات ضعف التحالف:

1- نتائج استطلاعات الرأى الأخيرة: وفقًا لاستطلاع الرأى الأخير الذي أجرته شركة (Optimar) للأبحاث على عينة شملت 2526 شخصًا، في الفترة من 20 إلى 28 ديسمبر 2021، فإن حزب “العدالة والتنمية” قد شهد ارتفاعًا في الأصوات مقارنة بأحزاب المعارضة، لاسيما بعد سلسلة الإجراءات المالية التي أعلنها أردوغان نهاية عام 2021، لحماية الليرة، والتي نالت استحسان شريحة عريضة من الأتراك. إذ حصل حزب “العدالة والتنمية” على 39.1٪، مُتقدمًا على حزب “الشعب الجمهوري” الحاصل على 24٪، بينما حصل كل من حزب “الحركة القومية”، وحزب “الجيل”، وحزب “الشعوب الديمقراطي” على نسب متساوية تقريبًا من الأصوات بلغت 10٪ لكل حزب. أما فيما يخص القدرة على حل الأزمة المالية التي تشهدها تركيا، فقد حصل حزب “العدالة والتنمية” على 32.3٪ من الأصوات، فيما حصل حزب “الشعب الجمهوري” على 21.3٪.[14]

لكن، على الرغم من كون تلك الاستطلاعات تبدو في ظاهرها مُطمئنة لأردوغان وحزبه الحاكم، إلى حد ما، إلا أنه في حال نجحت المعارضة في توحيد صفوفها، وتقديم برنامج انتخابي ومُرشح واحد توافقي، فإن الأصوات ستذهب مُكثفة لصالح تحالف المعارضة في مواجهة أردوغان وحزبه، الأمر الذي سيقلص من فرص فوزهما.

2- صعوبة توحيد الاتجاهات الأيديولوجية: ربما من بين أبرز محددات ضعف تحالف المعارضة التي يراهن عليها أردوغان حتى الآن، هو غياب أي بوادر لاتفاق بين الأحزاب الـ 6 على مُرشح أو مُرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة. فمن جانبه يرى أردوغان صعوبة تقديم مصلحة تركيا على المصالح الحزبية المُنفردة، وكذلك صعوبة تهميش الخلافات الأيديولوجية بين الأحزاب القومية، والإسلامية، والعلمانية، للانطلاق من أرضية مشتركة تحظى بقبول مختلف أطياف الشعب التركي، بتوجهاته السياسية، والعقائدية، والاجتماعية، لاسيما على المدى القصير.

3- التصعيد ضد المعارضة واستعادة اسطنبول: في ضوء تأكيد الرئيس أردوغان خلال حديثه أمام المجلس الاستشاري الإقليمي الموسع لحزب “العدالة والتنمية”، في 26 ديسمبر 2021، على أهمية مدينة اسطنبول في حسم نتيجة الانتخابات القادمة، والتي لطالما صرح بشأنها قائلاً: “من يفوز في اسطنبول يفوز بتركيا، من المُتوقع أن يسعى أردوغان خلال الفترة القادمة لاستعادة اسطنبول، التي سبق وأن خسرها لصالح أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية اسطنبول منذ عام 2019. فاللافت في الأمر هنا، اتهام أردوغان الأخير لإمام أوغلو بفصل آلاف الموظفين بسبب انتمائهم لحزب “العدالة والتنمية”، وتعيين آخرين مُنتمين إلي جماعات إرهابية تشمل حزب “العمال الكردستاني”، وحركة “الخدمة” التي يتزعمها فتح الله غولن. هذا، فضلاً عن الدفع نحو التحقيق معه من قبل وزارة الداخلية، وتصريح رئيس حزب “الحركة القومية” دولت بهجلي، في 5 يناير 2022، بأنه: “يجب عزل إمام أوغلو من منصبه، إذ ثبت أنه على صلة بالإرهابيين”،[15] وهو الأمر الذي يُنذر بخسارة المعارضة لصاحب الفرصة الأكبر في خوض الانتخابات القادمة كمُرشح توافقي لتحالف القوى المعارضة، والأكثر تهديدًا لأردوغان نظرًا لمنصبه، وحجم شعبيته.

4- الترويج لـ”إنجازات” أردوغان: على الرغم من سوء إدارة أردوغان للعديد من الملفات، لاسيما ملفى الاقتصاد والتدخلات الخارجية، إلا أنه لا يمكن إنكار وجود رصيد من الإنجازات التي استطاع أردوغان وحزبه الحاكم تحقيقها خلال العقدين الماضيين، والتي قد تدفع شريحة كبيرة من الأتراك لإيثار الاستقرار، والخبرة في إدارة البلاد، على الخوض في مسار مجهول مع أحزاب المعارضة. فقد شهدت فترة حكم أردوغان ارتفاع نسبة الإنتاج المحلي في الصناعات الدفاعية، وأصبحت تركيا إحدى الدول الثلاث في العالم المُنتجة والمُصدرة للطائرات المُسيرة “الدرونز”، إضافة لكونها واحدة من الدول الـ 9 المُنتجة للقاح كورونا “توركوفاك”. هذا، فضلاً عن مساعي أردوغان لتوطيد علاقته مع دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها قطر والإمارات والسعودية، الأمر الذي من المُتوقع أن يُساهم بشكل كبير في دعم، وإنعاش الاقتصاد التركي.[16]

ختامًا، بالنسبة للواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في تركيا، وبغض النظر عن دعوات المعارضة وآليات ضغطها على السلطة لتقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فإن هذه الخطوة تتوقف بشكل كامل على قرار السلطة نفسها، اعتمادًا على موازنة عوامل ومحددات القوة والضعف بينها وبين تحالف قوى المعارضة على المديين القريب والبعيد، لاسيما في ظل عدم امتلاك المعارضة للأغلبية البرلمانية التي تؤهلها لفرض قرار تبكير الانتخابات.

آمنة فايد – باحث مساعد – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى