ترجمات أجنبية

هل يضع أوباما إرهاب مستوطني إسرائيل على طاولة نتنياهو؟!


مركز الناطور للدراسات والابحاث

 اعتبرت الخارجية الأميركية حديثاً أن أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون ضد فلسطينيين هي «حوادث إرهابية». قد يكون ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح لكنه لا يسلط الضوء على مسؤولية الحكومة الإسرائيلية عن انتهاكات حقوق الإنسان.

كان من المبرر أن يشعر سائقي الفلسطيني بالقلق أثناء مرورنا بالقرب من مستوطنة يتسهار الإسرائيلية في الضفة الغربية. من المعروف أن تلك المستوطنة تشهد اعتداءات متكررة ضد المواطنين الفلسطينيين في الجوار، قبل شهر فقط، تعرض سائقي لاعتداء على يد مجموعة من المستوطنين الذين رشقوا سيارته بصخرة كبيرة ولكنهم لم يصيبوها، وعلى بُعد ميلين من تلك الطريق، بلّغ السائق عن الاعتداء لدورية من الجيش الإسرائيلي كانت موجودة في المنطقة، سأل قائد الدورية إذا تأذى أحد في السيارة، فأجابه السائق بالنفي، فقال له أحد عناصر الجيش: “يمكنك الذهاب إذن، لا مشكلة إذا لم يتعرض أحد للأذى”.

كان سائقي محظوظاً لأنه نجا من الاعتداء، لكن لم يكن الآخرون محظوظين بالقدر نفسه، حين عادت عائلة غياثا إلى منزلها في بيت لحم في شهر أغسطس، تعرضت لاعتداء على يد مستوطنين ألقوا قنبلة حارقة على سيارة الأجرة التي كانت تستقلّها، أُصيب أيمن غياثا وزوجته وأولادهما الثلاثة وسائق الأجرة بجروح بالغة، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند: “تدين الولايات المتحدة بأشد لهجة ممكنة اعتداء الأمس على سيارة الأجرة الفلسطينية في الضفة الغربية”. في مرحلة لاحقة، وردت أنباء عن حدوث اعتداءات عنيفة على يد مستوطنين يهود ضد “السكان الفلسطينيين وأملاكهم وأماكن العبادة” للمرة الأولى في تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول الإرهاب ووُصفت تلك الاعتداءات بـ”الأحداث الإرهابية”.

صحيح أن هذا التوصيف يعكس تطوراً مهماً في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع مسألة الاستيطان، ولكنه قد يبقى مجرد حبر على ورق بدل أن يكون مصطلحاً يحث على التحرك بفاعلية. لا تشير عبارة “إرهاب المستوطنين” إلى أن الحكومة الإسرائيلية تتحمل مسؤولية هذه الظاهرة بسبب سياستها وردودها المعقدة على أعمال العنف، وقد لا يفهم البعض طبيعة المشكلة وقد تتراجع فاعلية الاستراتيجية الرامية إلى معالجتها في حال اعتبار هذه الحملة مجرد إرهاب فردي يرتكبه المستوطنون.

شهد إرهاب المستوطنين تصاعداً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وقع 154 اعتداء خلال النصف الأول من عام 2012 فقط وفق تقرير أعده كبار المسؤولين الأوروبيين في شهر فبراير من هذه السنة، ارتفع عدد الاعتداءات من 132 في عام 2009 إلى 411 في عام 2011، كذلك، صدر تقرير عن الأمم المتحدة في يوليو 2012 وذكر أن إرهاب المستوطنين الذي يستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية ارتفع بنسبة 150 في المئة منذ عام 2008. لم تنحصر تلك الاعتداءات في إطار أعمال العنف الموجهة ضد الأفراد. فقد أُحرقت أماكن العبادة (ولا سيما المساجد) واقتُلعت الأشجار وذُبحت المواشي. في شهر أغسطس أيضاً، كتبت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن 14 خروفاً قُتلوا خلال اعتداء للمستوطنين ضد رعاة فلسطينيين بالقرب من بلدة عقربا في الضفة الغربية.

تزداد الأدلة التي تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تؤدي دوراً سلبياً ومتواطئاً في تعاطيها مع إرهاب المستوطنين، صرح دان حالوتس، رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية السابق، لراديو الجيش الإسرائيلي بأن حكومة الرئيس بنيامين نتنياهو لا تقوم بما يكفي لوقف عنف المستوطنين، أوضح حالوتس: “لو أردنا ذلك، يمكن أن نقبض عليهم، ونستطيع فعل ذلك حين نريد”. كذلك، نقلت صحيفة “هآرتس” والقناة الثانية الإسرائيلية في فبراير 2012 أن وزير العدل الإسرائيلي ضُبط وهو ينصح اليمينيين بطريقة طلب العفو عن أعمال الإرهابيين اليهود.

ذكر تقرير من إعداد كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، في مارس 2012، أن “حماية انتهاكات المستوطنين ومنحهم الامتيازات يولدان بيئة تسمح للمستوطنين بالتحرك من دون محاسبة”، اعتبر التقرير أن تلك التحركات وغيرها رسخت فكرة أن “أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون تحظى بدعم ضمني من دولة إسرائيل”.

يمكن أن تتحمل الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة من الانتماءات الإيديولوجية المختلفة (يسارية، يمينية، وسطية) مسؤولية تعزيز الأسباب الأصلية التي تبرر إرهاب المستوطنين من خلال دعم نشاطات الاستيطان في الضفة الغربية. طبقت الحكومات هذه السياسة على نطاق واسع أو رفضت كبحها بالكامل على رغم الإجماع الدولي على عدم شرعية بناء تلك المستوطنات.

كانت الحكومة الأميركية محقة حين أصرت على معارضة السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالمستوطنات كونها تشكل عائقاً جدياً أمام تحقيق السلام وإرساء الاستقرار في المنطقة. لكن فشل الولايات المتحدة في دعم تلك الأقوال بالأفعال أدى إلى ترسخ ظاهرة إرهاب المستوطنين التي يصعب احتواؤها اليوم. صحيح أن الرئيس أوباما اتخذ القرار الصائب حين طالب بتجميد الاستيطان، لكن فشله في تدعيم ذلك المطلب سمح لحكومة نتنياهو بإطلاق أكثر السياسات الاستيطانية عدائيةً حتى اليوم.

تطرح النشاطات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية تهديداً بنيوياً على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. لذا يجب ألا تتجنب واشنطن مواجهة تلك التهديدات، ويشير توصيف وزارة الخارجية الأميركية لاعتداءات المستوطنين بعبارة “حوادث إرهابية” إلى قلق جدي من أن تؤدي تلك الاعتداءات إلى رد من الفلسطينيين من شأنه إغراق المنطقة في جولة جديدة من العنف، وهو أمر لا تستطيع الولايات المتحدة تحمله في زمنٍ يشهد انتفاضة كبرى واضطرابات واسعة في أنحاء المنطقة. يشكل موقف الخارجية الأميركية من أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية فرصة جيدة وتحدياً في وجه المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. إنها فرصة كي تصحح واشنطن الخطأ التاريخي الذي جعلها تتقبل سياسات الاستيطان الإسرائيلية مع أنها تعوق الاستقرار الإقليمي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، لكن لمعالجة المشكلة بفاعلية، يجب أن تركز الولايات المتحدة على أصل المشكلة: التوسع المنهجي للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية بقرار من الحكومة الإسرائيلية. لضمان ذلك الاستقرار الإقليمي، يجب أن يشعر سائقي بالأمان حين يحاول جني مدخوله اليومي ويجب أن تتأكد عائلة غياثا من أنها لن تتعرض للاعتداء مجدداً أثناء توجهها إلى منزلها.

لا شك أن وصف أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون بالإرهاب هو الخطوة الأولى نحو الحل. لكن يمكن أن تبذل إدارة أوباما المزيد لمعالجة المشكلة. حان الوقت كي تبلغ واشنطن إسرائيل صراحةً بأن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للتستر على انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية. يجب أن توضح ضرورة أن يتحمل صانعو السياسة الإسرائيلية مستقبلاً كامل مسؤولية أفعالهم في ما يخص المستوطنات من دون أن يضمنوا حصولهم على حماية أميركية غير مشروطة.

فضلاً عن ذلك، يجب ألا تتصرف الولايات المتحدة بطريقة منافقة من خلال توصيف تلك الأعمال بالإرهاب تزامناً مع معارضة القرارات التي تدين المستوطنات الإسرائيلية في مجلس الأمن. تُعتبر الضغوط المالية أداة أخرى يمكن أن تستعملها الولايات المتحدة لإنهاء هذا الوضع حيث يمول دافعو الضرائب الأميركيون بشكل غير مباشر النشاطات الاستيطانية. يجب أن تقدم الولايات المتحدة المساعدات المالية إلى إسرائيل شرط أن تلتزم الحكومة الإسرائيلية بالقانون الدولي وأن تنهي نشاطاتها الاستيطانية. أحرز عدد من الدول الأوروبية تقدماً على هذه الجبهة من خلال مقاطعة منتجات المستوطنات بسبب تورط المستوطنين في انتهاكات حقوق الإنسان ضد المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

لكن يطرح مصطلح “إرهاب المستوطنين” تحدياً إضافياً على الولايات المتحدة. قد يؤدي عدم التعاطي بجدية مع تداعيات هذا المصطلح إلى تعقيد المعضلة الأميركية المستمرة: اتهام الأميركيين باستعمال “معايير مزدوجة” في الشرق الأوسط. من المعروف أن واشنطن لا تتقبل أي شكل من الإرهاب تاريخياً (عند ظهور الإرهاب، دائماً ما تترافق الأقوال مع الأفعال). لكن الفشل في تطبيق هذا المبدأ في هذه الحالة تحديداً سيطرح سؤالاً مُلحّاً في أنحاء المنطقة: هل يولد جميع الإرهابيين متساوين؟

كتب: Ibrahim Sharqieh – CS Monitor

قسم الترجمة * الجريدة * 14/10/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى