Take a fresh look at your lifestyle.

هل تستطيع سلطات طرابلس الحياد في علاقتها بالوضع التونسي …؟ 

0 101

بقلم الحبيب الاسود 26-8-2021م

عندما دعت إحدى كتائب لواء الصمود بمصراتة سلطات طرابلس إلى إخراج عناصر تنظيم داعش من سجن قاعدة معيتيقة والدفع بهم إلى الحدود التونسية لتتسلل منها إلى الجارة الشمالية الغربية، لم تكن تتحدث من فراغ. فتلك الكتيبة تخضع إلى زعامة صلاح بادي مهندس “فجر ليبيا” والمعروف بقربه من المخابرات التركية، وهو إلى جانب ذلك صدى صوت مفتي الإرهاب الصادق الغرياني الذي لا يزال زعيما روحيا للميليشيات ورئيسا فعليا لدار الإفتاء الرسمية رغم إقامته الدائمة في أنقرة، ورغم قرار عزله الصادر عن مجلس النواب في نوفمبر 2014، كما هاجم التدابير والإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو الماضي، وكذلك فعل ابنه سهيل الذي زعم أن تلك التدابير محرّمة شرعا واعتبرها انقلابا، مستشهدا بإغلاق مقر مكتب قناة “الجزيرة” واصفا قوات الأمن التونسية بالعصابات.

علينا الاعتراف بوجود مزاج عام لدى إسلاميي ليبيا وقياداتهم وميليشياتهم تصب في العداء للرئيس قيس سعيّد وللسلطات التونسية عموما بعد الحركة التصحيحية، وفي الدفاع المستميت عن الإخوان وحلفائهم. وحتى قبل 25 يوليو، كان موقفهم ينحو إلى تقسيم التونسيين بين حلفاء يستحقون الدعم في إشارة إلى حركة النهضة وائتلاف الكرامة، وبين قوى ينعتونها بالثورة المضادة ويتهمونها بالعداء للإسلام. تضم كل القوى الوطنية الأخرى وبخاصة الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسي، وتشمل الأغلبية الساحقة من الشعب التونسي، وهو موقف يتسقون فيه مع تيارات الإسلام السياسي في المنطقة والعالم، والتي تعتبر أن قضيتها واحدة، ومن يختلف مع جزء منها إنما هو عدو لجميعها.

ولعل رئيس مجلس الدولة الاستشاري خالد المشري كان أبرز من اعتبروا إجراءات 25 يوليو في تونس انقلابا، وسار على منواله تابعوه والدائرون في فلك الإخوان، ولم يخرج ذلك عن اتجاه عام لدى المسؤولين الأتراك، ومنصات الإعلام القطري، وما يسمّى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والأحزاب الإسلامية، وبالتالي تم تصنيف تدابير الرئيس سعيّد على أنها جزء من صراع المحاور في المنطقة، وأنها جاءت بتخطيط من المحور المعادي للإخوان.

في 29 يوليو، أرسل المجلس الرئاسي الليبي عضوه عن إقليم طرابلس عبدالله اللافي، المحسوب بدوره على جناح الإخوان والميليشيات والنفوذ التركي، إلى تونس للاجتماع بالرئيس سعيّد. ووفق ما أورده بلاغ الرئاسة التونسية، فإن اللافي أكد الدعم المطلق من المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية في ليبيا لقرارات رئيس الجمهورية. لكن المتأمل في التصريح المصور يلاحظ أنه كان يحسب كلماته جيّدا، حيث قال إن اللقاء مع الرئيس التونسي “كان أخويا وتناول العديد من المواضيع الإقليمية والدولية الهامة ومنها الوضع في تونس”، وأن “تونس جارة لليبيا وما يهمنا هو الاطلاع على الأمور فيها، ويهمنا استقرارها بما يتطلبه الشعب التونسي في هذه المرحلة”. وأضاف “أخبرنا الرئيس سعيّد بأن الأمور تسير بشكل دستوري سليم، وطمأننا بأنه حريص على استكمال المرحلة الانتقالية”، معتبرا أن “تونس شقيقة ليبيا ونحن شعب واحد في دولتين، نتمنى الاستقرار والأمن لدولة تونس وشعبها”.

لم يسجلّ اللافي بصوته الموثّق موقفا واضحا من التدابير الرئاسية في تونس، وحاول المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية أن يكونا حذرين في توصيف الوضع في الدولة المجاورة، فهما خاضعان لوضع صعب، يهيمن عليه ميدانيا من يعتبرون أنفسهم رموز ثورة 17 فبراير وعنوان الربيع العربي في نسخته المحلية، والغرب الليبي هو امتداد للمحور التركي القطري الإخواني رغم تحركات محمد المنفي وعبدالحميد الدبيبة الإقليمية والدولية وسعيهما لإحداث توازنات مزعومة وحديثهما الدائم عن الحل السياسي والمصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي.

فعلى الأرض، هناك ميليشيات وجماعات متشددة فارّة من ضربات الجيش في الشرق والجنوب وقوات تركية ومرتزقة وتجاذبات على السلطة واستعدادات دائمة للدخول في حرب جديدة مع الطرف المقابل، وهو الجيش الوطني الذي يُنظر إليه على أنه امتداد للمحور المعادي للإخوان. وبالتالي فإن ما قام به الرئيس سعيّد يصب في خدمته، أما استبعاد حركة النهضة عن السلطة فهو يعني ضربة موجعة لحليف موثوق طالما كان جزءا من التحالف الإخواني الداعم لفجر ليبيا وسلطات السراج والتدخل التركي وحروب الميليشيات.

في مايو 2020، كانت مكالمة من راشد الغنوشي بصفته رئيسا للبرلمان لتهنئة فايز السراج بسيطرة ميليشياته المدعومة من الطيران التركي (والأميركي وفق ما أعلنه حفتر لاحقا)، كافية لتفتح أبواب المواجهة ضده، حيث تم اعتبارها تعدّيا على صلاحيات الرئيس سعيّد في إدارة المواقف والعلاقات الخارجية، وإعلانا عن محاولة للدفع بتونس إلى صراع المحاور.

في الثامن من يوليو الماضي، كانت هناك دعوات قد انتشرت في تونس للتظاهر يوم 25 من الشهر ذاته تزامنا مع عيد الجمهورية، وكان هناك قرار ليبي من طرف واحد بإغلاق الحدود مع الجارة الغربية، وبدأ تنفيذه فعليا دون إنذار مسبق، وذلك بزعم العمل على منع انتشار فايروس كورونا، وهو ما أثار جدلا واسعا على توقيت اتخاذ القرار وفجائيته وعدم التنسيق حوله مع السلطات التونسية.

في الأثناء كان الدبيبة يرسل وعوده جزافا بدعم تونس لمواجهة الأزمة الصحية، لكن لا شيء من ذلك حصل. كل ما تم فعلا هو إرسال حكومة الوحدة الوطنية وفدا إلى تونس للبحث في إمكانية تسلم مبالغ مالية احتجزتها السلطات المحلية من أمن وجمارك خلال السنوات الماضية بعد العثور عليها لدى أمراء حرب ومهرّبين وغاسلي أموال كانوا قد دخلوا الأراضي التونسية دون تقدير للقوانين المحلية التي تفرض التصريح بها في المعابر.

ومنذ أيام، خاطب إنتربول تونس نظيره الليبي بتوفر معطيات استخباراتية لديه تتحدث عن وجود العشرات من الإرهابيين التونسيين في قاعدة الوطية يتأهبون للتسلل إلى البلاد للقيام بعمليات إرهابية. وفيما نفى الطرف الليبي ذلك في رسالة موثقة صادرة عن وزير الداخلية خالد مازن، كانت هناك أطراف أخرى تؤكد وجود الإرهابيين، وأغلبهم ممن كانوا يقاتلون في شمال سوريا قبل أن تجلبهم تركيا إلى الغرب الليبي ضمن جحافل المرتزقة التي نقلتها ضمن صفقة مع حكومة السراج لا تزال حكومة الدبيبة تصرّ على تنفيذ مختلف بنودها. تدرك سلطات طرابلس أنها لا تسيطر على مناطق نفوذ الأتراك أو الميليشيات، ولا حتى على فك الاشتباكات بين الجماعات المسلحة عندما تندلع في العجيلات أو الزاوية أو ورشفانة.

خلال السنوات الماضية، ولاسيما منذ 2014، سعت تونس لاتخاذ جانب الحياد في علاقاتها مع الوضع في ليبيا، مع ميل واضح مؤثر من حركة النهضة لدعم سلطات طرابلس ضد سلطات الشرق، ولدعم الميليشيات ضد الجيش، وكان إخوان ليبيا ينظرون إلى إخوان تونس على أنهم المثل الأعلى لهم، وعادة ما يستشيرونهم في كل الخطوات التي يخطونها، ولكن بعد 25 يوليو 2021 شعر إخوان طرابلس بيُتم سياسي وأيديولوجي، واعتبروا أن الخناق بات يضيق حولهم، لذلك اتجهوا إلى إعلان مواقفهم مما نعتوه بالانقلاب، ولم يفكروا في الشعب التونسي وإنما في الجماعة التي يشاركونها المرجعية والمواقف والتحديات.

لا يمكن الحديث عن فصل حكومة الدبيبة عن الإخوان والميليشيات والباب العالي، فهي تابعة لذلك المحور رغم ما تزعمه من البحث عن توازنات إيجابية في مواقفها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، ومحور الاعتدال العربي بات يدرك ذلك جيّدا، ويعلم أن حكومة الوحدة الوطنية لا تختلف في شيء عن حكومة الوفاق الوطني، وإنما هي امتداد عملي لها، ولكن بنزعة تنحو إلى التذاكي في توجيه الخطاب وفق ما يبتغيه المستمع، كما أنها تعكس عمليا توجهات ورؤى مجلس الدولة وللنفوذ الإخواني داخل ملتقى الحوار، ومرتبطة بمصالح لوبيات معينة تخدم مصالح فئوية وشخصية خاضعة لمزاج أنقرة. وانطلاقا من ذلك، تدور في فلك الإسلام السياسي سياسيا وإعلاميا وتكتيكيا واستراتيجيا، وبالتالي فإنها ملتزمة واقعيا باعتماد موقف الإخوان غير المحايد مما يدور في تونس.

قد تحاول حكومة الدبيبة التظاهر بالحياد، ولكنها في الواقع جزء من المحور الذي يدعم إخوان تونس، الأمر لا يتعلق بوزراء أو أجهزة، ولكنه يتعلق أساسا بالدائرة الضيقة في رئاسة الحكومة وبماكنة الإسلام السياسي وأمراء الحرب وقادة الميليشيات وباللوبي التركي المتنفّذ الذي يعكس وجهة نظر أنقرة، حيث اعتبرت الرئاسة والخارجية والبرلمان والحزب الحاكم أن ما قام به الرئيس سعيّد هو خروج عن الدستور والديمقراطية.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.