هشام نفاع يكتب - بحث جديد : خروقات لأنظمة المراقبة بالكاميرات تهدّد الحق في الخصوصية وحريات مدنيّة أخرى في إسرائيل! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هشام نفاع يكتب – بحث جديد : خروقات لأنظمة المراقبة بالكاميرات تهدّد الحق في الخصوصية وحريات مدنيّة أخرى في إسرائيل!

0 83

هشام نفاع *- 22/12/2020

يفصّل بحث إسرائيلي جديد خارطة وسائل الحراسة والمراقبة التكنولوجيّة المثبتة في الحيّز العام، والإشكاليات التي تنطوي عليها نظراً للإخلال أحياناً بعدد من القواعد والأنظمة الملزمة، التي يفترض أن تضبط شروط وقيود استخدام الكاميرات التي توثق تحركات المواطنين. أعد البحث “معهد أبحاث الكنيست” بطلب من لجنة العلوم والتكنولوجيا البرلمانية كجزء من النظر في قضية “حماية الخصوصية والآثار المختلفة لاستخدام تقنيات تشخيص الوجوه في الأماكن العامة”.

يقول البحث: إن قدرات تحليل الفيديو باتت تستبدل المُراقب البشري، وتسمح بتلخيص وتركيز الصور التي تم التقاطها على مدى ساعات طويلة، خلال بضع دقائق فقط من المعلومات الموجزة وفقاً لمقاييس بحث متعددة ومفصلة. وهذه تشمل: الجنس، العمر، العرق، أنماط الملابس، أنواع المركبات، اللون، ورقم لوحة الترخيص؛ وتتضمن تحليل سلوكيات الأفراد أو المجموعات من خلال تشخيص الوجوه. وهذه الخبرة تقنيّة تسمح بالتحقق من هوية الأشخاص أو التعرف عليهم من خلال تصوير ملامح وجوههم. تشخيص الوجوه جزء من “عائلة تقنيات قياسات” حيوية تستخدم الخصائص الجسدية، مثل ملامح الوجه والصوت وبصمة الإصبع وشبكية العين والمزيد.

ويتابع البحث أنه من بين الاستخدامات التجارية لتقنيات تشخيص الوجه المستخدمة في جميع أنحاء العالم هناك: الوصول إلى مرافق مادية أو رقمية، الأمن والسلامة في كازينوهات أو متاجر، والدفع عن طريق تشخيص الوجوه، تحديد ومراقبة حضور الموظفين أو الطلاب، وغيرها؛ وفي السنة السابقة برز استخدامها لتشخيص مرضى كورونا وفرز وترتيب الصور ذات الصلة.

نظام تشخيص الوجوه، الذي يقع في مركز القضية، هو تطبيق حاسوبيقادر على تحديد أو التحقق من الشخص من خلال صورة رقمية أو إطار فيديو حيث تتم مقارنة صورة الشخص المعروضة مع بيانات الحاسوب ونظام التعرف على الوجوه، وعند تطابق الملامح يتعرف النظام على الشخص المطلوب. هذه التقنيات تثير تساؤلات حول التوازنات ما بين فوائدها وبينالخوف من انتهاك الحق في الخصوصية وخلق مراقبة مستمرة للمواطنين. ويخشى كثيرون من أن يكون لها تأثير سلبي على الحريات المدنية مثل حرية التعبير وحرية الشعائر الدينية وحرية التنظّم وحرية التظاهر وغيرها.

مشاكل في الحفاظ على بعض أنواع المعلومات الخاصة

خلص هذا البحث إلى أنه بناء على المعلومات التي تلقاها، ليست هناك عموماً سياسة شاملة ومنظمة فيما يتعلق بنشر تقنيات المراقبة وتحليل الفيديو. فالسلطات المحلية أو الوزارات الحكومية تختار تنفيذ تقنيات المراقبة والحراسة، ولا تقوم سوى في بعض الحالات فقط بالتشاور مع خبراء الجهة الرسمية المخوّلة لضبط المراقبة قبل التنفيذ. هنا يلاحظ البحث غياب سيرورة عمل منظمة تشمل وضع قواعد وتحديثها لغرض الحفاظ على التوازن المذكور. وتُظهر المعلومات أن استخدام الكاميرات بشكل عام، وتقنيات الكشف عن لوحة الترخيص، أمر شائع جداً، بينما يعد استخدام تحليل الفيديو أقل شيوعاً، لكنه موجود.

لم تشر أية جهة من التي توجه إليها معدو البحث إلى أن ممثليها يستخدمون حالياً تقنيات تشخيص الوجه. ولاحظوا أنه إلى جانب الوزارات الحكومية والسلطات المحلية التي استجابت لطلب الحصول على معلومات حول هذا الموضوع، هناك هيئات رسمية لم ترد أبدا على التوجّه (سلطة المطارات) أو قدمت رداً عاماً كان مصحوبا بطلب عدم نشره (شرطة إسرائيل، من خلال وزارة الأمن الداخلي). المعطيات المحدّثة حتى أيار 22020 تكشف وجود 130 بنك معلومات مسجلة لدى “مسجل قواعد البيانات” بما في ذلك تفاصيل جسدية مثل: صورة الوجه، بصمات الأصابع، تسجيلات الصوت. وهكذا فعندما تتم مراقبة شخص ما في مكان عام، يمكن تحديده من خلال المقارنة بقاعدة بيانات موجودة في تلك “البنوك”.

يشير البحث إلى أنه وفقاً لتقرير مراقب الدولة رقم 70 الصادر في أيار 2020، هناك مشاكل في الحفاظ على بعض أنواع المعلومات. فمثلا، يتم استخدام المعلومات المتعلقة برخص السياقة الخاصة بوزارة المواصلات من قبل العديد من الهيئات الحكومية، بما في ذلك شرطة إسرائيل ومكتب رئيس الحكومة ووزارة المساواة الاجتماعية ووزارة الأمن الداخلي وسلطة الضرائب والجيش الإسرائيلي. وهذا على الرغم من أن نائب المدعي العام أوصى في العام 2005 بتنظيم استخدام قاعدة البيانات في التشريعات الأساسية، إلا أنه وفقا للفحص الذي أجراه المراقب في آب 2019 تبيّن أنه لم تتم تسوية المشكلة بعد.

أمثلة على استخدام مراقبة الفيديو ونشر الكاميرات

يورد البحث عدداً من الأمثلة على استخدام مراقبة الفيديو ونشر الكاميرات المحلية، كالتالي:

القدس: تستخدم البلدية تقنية تحليل الفيديو لمعالجة حركة المرور أو الكشف عن نشاط غير عادي لصالح إدارة الأماكن العامة ونظام النقل. لا تستخدم البلدية معالجة المعلومات البيومترية ولا تستخدم تشخيص الوجوه في الكاميرات الأمنية. في المجموع، هناك حوالي 1000 كاميرا في المدينة بأكملها. تمتلك البلدية تقنية تحديد لوحات الترخيص، وتحليل الفيديو على مستوى القواعد بناءً على معايير ثابتة مثل اتجاه الحركة، وتغيير الخلفية، وكميات الأشياء أو عدد الأشخاص، وخطوط العبور، بالإضافة إلى القدرة على اكتشاف استثناءات في الحيز العام في ضوء النظام المعتاد.

تل أبيب: وفقاً لممثل البلدية، فإن تقنيات التحليل بالفيديو هي أساس المدينة الذكية وستستخدم كوسيلة رئيسية لإدارة المدينة. من ناحية أخرى، لا تحتاج البلدية إلى تحديد شخص ما في الفضاء العام، وبالتالي لا تستخدم أي تقنيات مراقبة متقدمة للشخص، مثل تشخيص الوجوه، وتشخيص الصوت، والملابس، ولغة الجسد، وما إلى ذلك. وتقول البلدية إنها تعتمد احتياجات تطوير وتصميم النظام المبنى على أخذ الخصوصية بالاعتبار.

الكاميرات الأمنية: تم وضع حوالي 1200 كاميرا في الأماكن العامة وتم توصيلها بهيئة خاصة تعنى بالأمن والأمان على المستوى البلدي. تقوم هذه الكاميرات بتشغيل التحليلات الأساسية لاكتشاف الحركة في مكان معين، خلال ساعات الذروة. كما تم تثبيت كاميرات أمنية بدون تحليلات في المرافق والمؤسسات البلدية. ويقول البحث إن استخدام تقنيات تحديد الهوية والمراقبة في الفضاء العام هنا تتم وفقاً للأنظمة.

خشية من المس بالخصوصية وحريات مدنية أخرى

ينوّه البحث إلى أنه إلى جانب الفوائد الواضحة لاستخدام أنظمة المراقبة وتحليل الفيديو والصور للحفاظ على النظام العام، والتحقيق في الجرائم والعمل للحد من الجريمة، فإن استخدام تقنيات الكشف والمراقبة في الفضاء العام والتطبيقات التجارية الأخرى تشتمل على تحديات ومخاطر في استخدام هذه الأنظمة، يجب مراعاتها وطرق توفيرها.

ويقول: ذكرت وثيقة سابقة تناولت موضوع الكاميرات أن “الخصوصية مفهوم غامض ومعقد ونسبي”. غالباً ما تتغير الحدود بين الخاص والعام من مجتمع إلى آخر وغالباً بين أفراد مختلفين في نفس المجتمع. وتعود أول صياغة قانونية بارزة ومشهورة لهذا الحق إلى العام 1890 حيث جادل خبراء قانون أن الحق في الخصوصية هو “الحق في أن يُترك الإنسان وشأنه” وحق الإنسان في التحكم في المعلومات الخاصة عنه. وعرّف باحثون الخصوصية على أنها قدرة الفرد على التحكم في المعلومات الخاصة به، ويتم التعبير عن هذا التحكم من خلال تحديد كيف ومتى ولمن سيتم توفير المعلومات حول الشخص، وما هي الاستخدامات المسموح بها ومدى توزيعها على نطاق واسع. يعرّف باحثون في العالم هذا النهج بأنه “الخصوصية على أنها تحكم”. وإذا كانت الخصوصية حاجة بشرية للحد من الرقابة الاجتماعية، فغاية اعتمادها هي حرية العيش كما يحلو للفرد.

مسألة استخدام التكنولوجيا الحديثة تشغل منظمات حقوق الإنسان في العالم، حيث أنها ترى في الأمر تحدياً متصاعداً يجب التعاطي معه. الجدير بالذكر أنه تم قبل أعوام تحديث قانون الخصوصية لحماية المواطنين الإسرائيليّين، وأصبح تسجيل قواعد بيانات جمع المعلومات من قبل الحكومة، يتطلب موافقة المواطنين (نظرياً حتى الآن كما يتضح)، إلّا أنّه يستثني حالات التحقيقات والمس بما يسمّى “الأمن القومي”، كما أنّ هذا القانون لا ينطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية.

يفترض البحث أن غموض مفهوم الخصوصية قد يؤدي إلى نزعة سلطوية للتخلي عنها سعيا لجني الفوائد الناجمة عن انتهاكها، والتي يفترض أنها أوضح وأكثر قابلية للقياس مثل الحد من الجريمة. ومع تنفيذ إمكانات مراقبة الفيديو المتقدمة، يطرح سؤال حول إمكانية انتهاك هذه التقنيات بشكل كبير لحريات الفرد من خلال إخضاعه للتوثيق المتواصل، وجمع معلومات خاصة عنه يمكن البحث عنها واسترجاعها في أية لحظة لاستخدامها ضده. ويُطرح السؤال أيضاً حول ما إذا كانت هذه الوثائق تتماشى مع مبدأ الموافقة والالتزام بالهدف في الحالات التي لا يمتلك فيها الشخص أية معرفة أو سيطرة أو قدرة على رفض توثيقه، أو عندما يكون الهدف غير محدد بوضوح، ويمكن أن يخدم أغراضاً وغايات مختلفة. وهناك خوف من أن تؤدي المراقبة المستمرة للمواطنين إلى انتهاك الحريات المدنية المختلفة.

“مجرد معرفة أن هناك من يراقبنا من شأنه أن يعرقل حياتنا”

لجنة العلوم والتكنولوجيا أقرّت في ختام بحثها أن الموضوع بحاجة لتسويته قانونيا وأن هناك هيئات كثيرة بحيازتها صور مواطنين دون حاجة إلى ذلك. وأكدت أن استخدام التقنيات للتعرف على هوية الأشخاص في المجال العام، وخاصة للتعرف على الوجوه، يطرح أسئلة غير بسيطة، وهناك إدراك واضح أن القضية بحاجة لدراسة ويجب تسويتها قانونيا. الجمع بين الاستخدامات المختلفة، وتوفر تقنيات نوعية في السوق للتعرف على الوجوه إلى جانب قواعد بيانات ليست محمية بما فيه الكفاية تتسبب في ظهور مخاطر متزايدة. وإلى جانب الفوائد المختلفة التي تتمتع بها التكنولوجيا المتقدمة، من الضروري ضمان التوازن من خلال فرض القيود بصورة متوازنة، وإن لم يتم القيام بذلك ستكون الحقوق الفردية معرضة للخطر.

حضر الجلسة ممثل عن “وحدة تشخيص الهوية والاستخدامات البيومترية في هيئة السايبر الوطنية”، ومما قاله: إن التطبيقات البيومترية ليست بيومترية فقط إنما تشمل وسائل إضافية لتحديد الهوية. فرض الرقابة في المجال العام أنقذ أمورا كثيرة في العالم حتى يومنا هذا، وغيّر تماما القدرات على مكافحة الجريمة. وفي أنحاء العالم بُدئ بالعمل على تنظيم الموضوع من الناحية القانونية. في الولايات المتحدة الأميركية هناك اقتراحات قانون بالموضوع. وعلى المستوى البلدي هناك مدن حظرت على موظفي السلطات المحلية استخدام تقنيات تشخيص الوجوه. قوات الشرطة التابعة للولايات المتحدة تعود في الأغلب إلى السلطة المحلية، وهذا الحظر يفرض القيود عليها أيضا. في أوروبا نشرت وسائل الإعلام أن الاتحاد الأوروبي ينظر في حظر استخدام تقنيات تشخيص الوجوه ولكن بعد ذلك تم رفض هذا. لا توجد دولة في العالم نعرف أنها تفرض حظرا شاملا على استخدام تقنيات لتشخيص الوجوه في المجال العام. يجب معرفة كيفية الاستفادة من الفوائد وتجنب المخاطر. وأنا آمل أن يتم إيجاد الإطار المناسب الذي من خلاله يتم فرض القيود دون المس بالاستخدام الصائب والذي هناك حاجة إليه.

من جهته، وفي إشارة إلى المخاطر التي لا تنزع السلطات إلى إعلائها على طاولة الجدل، قال ممثل مركز أبحاث الكنيست في الجلسة: هناك مروحة كبيرة من التقنيات التي تسمح بتشخيص الوجوه في وقت حقيقي من خلال منظومة تجميع المعلومات وتعرف كيفية مقارنة الصورة بقاعدة بيانات قائمة. وهناك إمكانية لمشاهدة مقطع فيديو من خلال استخدام بيانات عدد كثير من الكاميرات وهذا الأمر يتسبب في فرض الرقابة حسب معايير ومميزات مرغوب فيها. ولكن ظهر أن هناك أماكن تستخدم المعطيات ليس بمقتضى الحاجة. وهناك أيضاً تمييز خوارزمي يتمثل في تحديد مجموعات عرقية ومجموعات سكانية مختلفة، والتي بالنسبة لها نتحدث حول تشخيص تمييزي وغير دقيق. وتشير النتائج التي توصلنا إليها من خلال دراستنا إلى أن هناك استخداماً للكاميرات من قبل سلطات اشترت برامج تحليل بشكل مستقل – وهذا يشكل دليلا على قدرة كل مؤسسة عامة على القيام بما تراه مناسباً في هذا الموضوع دون أي عائق.

أما ممثل جمعية حقوق المواطن فأكد على أنه: دون وجود أي مبرر ودون معرفة جميع المواطنين بذلك، هناك إمكانية لمراقبة الجمهور بأكمله دون أي عائق أو مانع. لدينا هنا مراقبة جماهيرية لا مثيل لها ويجب الانتباه بألا نكون في واقع تاريخي خطير. نحن نعرف أنه يمكن الاستفادة من خلال معلومات تخص أماكن تواجد الناس، ولكن هذا الأمر هو مصدر لا يستهان به لاحتمال انتهاك حقوق كثيرة مثل حرية العبادة، وحرية الانتظام، وحرية التظاهر وحرية التعبير. مجرد معرفة أن هناك من يراقب نشاطنا من شأنه أن يعرقل حياتنا ويمس بحرية ممارسة النشاط في دولة ديمقراطية. هذه التكنولوجيا تجرّم الناس أيضا بصورة خاطئة، كما تبيّن في حالات اعتقالات في مدن أميركية، لأن هناك تحيّزا في تشخيص المواطنين السود بصرف النظر عن البيض، وكذلك تشخيص أشخاص من أصول عرقية مختلفة. هذه التكنولوجيا آخذة بالتوسع وبالتالي تُطرح أسئلة وتتطلب سن التشريعات اللازمة. وحقيقة عدم تسوية الموضوع من الناحية القانونية قبل اعتماد هذه التكنولوجيا، هو خرق للقانون أصلا، ويتم بهذا الأسلوب خلق مسار التفافي إشكالي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.