Take a fresh look at your lifestyle.

هشام ملحم يكتب – بايدن : وداعا أفغانستان

0 119

هشام ملحم *- 29/6/2021

التأكيدات التي أعطاها الرئيس بايدن لنظيره الأفغاني أشرف غني الذي زاره قبل أيام في البيت الأبيض من أن المساعدات العسكرية والاقتصادية سوف تستمر على الرغم من الانسحاب العسكري المتوقع أن ينتهي مع نهاية شهر يوليو، لم تغير من مشاعر التشاؤم التي تخيم على المسؤولين في العاصمتين كابل وواشنطن حول مستقبل الجمهورية الأفغانية، على خلفية الإنجازات الميدانية التي حققتها قوات طالبان في شمال البلاد في الأسابيع الماضية، والمعنويات المتدنية للقوات الحكومية، وجمود “العملية السياسية” في قطر، أي المفاوضات بين طالبان وواشنطن وحكومة غني.

الرئيس بايدن أوضح لغني وجها لوجه، ما أوضحه وزير الخارجية أنطوني بلينكن أكثر من مرة في اتصالاته المباشرة – وأحيانا الفظة – مع الرئيس الأفغاني، أي أن قرار بايدن سحب جميع القوات الأميركية القتالية من أفغانستان، باستثناء قوة عسكرية محدودة لحماية السفارة في كابل، هو قرار نهائي ولا تراجع عنه. بايدن أشار إلى هذه المسألة بشكل غير مباشر حين قال أمام ضيفه “يجب على الأفغان أن يقرروا مستقبلهم..”.

الرئيس بايدن أكد لغني أن أفغانستان ستحصل على ما قيمته 3.3 مليار دولار كمساعدات أمنية وعسكرية، إضافة الى 266 مليون دولار كمساعدات إنسانية، إضافة إلى معدات طبية وثلاثة ملايين جرعة من لقاح جونسون أند جونسون ضد فيروس كورونا في الوقت الذي تواجه فيه افغانستان موجة ثالثة وشرسة من الوباء أدت الى إغلاق المستشفيين الكبيرين في كابل في وجه المرضى الجدد.

إصرار بايدن على الانسحاب من أفغانستان في غياب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مفاوضات الدوحة، قطر، أو دون التوصل إلى تفاهم سياسي بين حركة طالبان وحكومة الرئيس غني، لم يفاجئ جميع الأطراف الأفغانية فحسب، بل أيضا الدول الاقليمية المعنية بالنزاع الأفغاني، المستمر بشكل أو بآخر منذ الإطاحة بالنظام الملكي قبل حوالي 40 سنة. المتحفظون على مثل هذا الانسحاب غير المشروط، وفقا للتفاهم بين طالبان وإدارة الرئيس السابق ترامب في بداية 2020 يقولون إن طالبان دخلت في مفاوضات عقيمة مع الأميركيين لكسب الوقت بعد أن التزمت واشنطن بسحب قواتها في 2021 .

وقبل وصول الرئيس غني إلى واشنطن بيومين نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” مقالا كشفت فيه أن أجهزة الاستخبارات الأميركية توقعت في آخر تقويم لها لمستقبل الحكومة الأفغانية أن هذه الحكومة يمكن أن تسقط خلال ستة أشهر بعد انتهاء الانسحاب الأميركي العسكري. وأشارت الصحيفة الى أن الاستخبارات عدّلت من تقويمها السابق المتفائل بعض الشيء في أعقاب احتلال قوات طالبان لعدد من المقاطعات في شمال البلاد بما في ذلك اختراق دفاعات مدينة قندز واحتلال المعابر التي تؤدي إلى الحدود مع طاجيكستان، واحتلال الأراضي المحيطة بمدينة مزار الشريف.

قبل هذه التطورات الميدانية السريعة، كان تقويم الاستخبارات الأميركية لمستقبل حكومة الرئيس غني هو انها يمكن أن تصمد في وجه قوات طالبان لحوالي سنتين بعد انسحاب القوات الأميركية، وهي المدة التي تعادل الفترة الانتقالية بين الانسحاب الأميركي من فيتنام وسقوط سايغون في أبريل 1975، في يد قوات الفيتكونغ وجيش فيتنام الشمالية. بعض المحللين الاستراتيجيين في واشنطن يتوقعون تجدد سيناريو سايغون في كابل مع كل ما تحمله مثل هذه الهزيمة لواشنطن وحلفائها من مضاعفات سلبية سياسية وعسكرية واستخباراتية وانسانية.  وفي هذا السياق لا تزال إدارة الرئيس بايدن تدرس كيفية مساعدة حوالي 20 ألف أفغاني وضعوا مستقبلهم في أيدي الأميركيين حين تعاونوا معهم في مجالات الترجمة وغيرها من الخدمات اللوجستية، للحصول على تأشيرات تسمح لهم باللجوء إلى الولايات المتحدة لتفادي عقاب طالبان.

المحللون العسكريون يقولون إن انسحاب القوات الأميركية بعد عشرين سنة من توفير الدعم الميداني واللوجستي للقوات الأفغانية الحكومية سوف يفرض تحديات كبيرة على هذه القوات التي ستضطر للمرة الأولى منذ عقدين للاعتماد على نفسها لتوفير الخدمات الضرورية لقوات عسكرية في حالة حرب، من الإمدادات العسكرية واللوجستية والتموين والتدريب وأعمال الصيانة، إضافة إلى تنسيق العمليات العسكرية بين القوات البرية والجوية.

هذا التقويم المتشائم العام، لا يعني أن المسؤولين والعسكريين الأميركيين وحلفائهم  في حلف الناتو الذين قاتلوا معهم في أفغانستان سوف يغسلون أيديهم من أفغانستان، لأنهم سيواصلون دعمهم العسكري والاقتصادي لحكومة كابل، لأنهم يريدون تفادي هزيمة مهينة في كابل، أو على الأقل تأجيل هذه الهزيمة لأطول وقت ممكن.

ما يدفع هؤلاء للاعتقاد أن سقوط كابل ليس حتميا خلال ستة أشهر، أو كما يرى المفرطون في تشاؤمهم خلال ثلاثة أشهر، هو أنه خلال العقدين الماضيين حقق الأفغان إنجازات اجتماعية وتعليمية واقتصادية لم تكن موجودة قبل الغزو الأميركية والإطاحة بنظام طالبان في 2001. ويشيرون في هذا المجال إلى ارتفاع نسبة التعليم وخاصة في صفوف البنات، والانجازات التي حققتها المرأة الأفغانية التي أصبحت جزءا فعالا في الاقتصاد الأفغاني الذي بدأ ينتج طبقة أفغانية متوسطة وان بقيت محدودة.

وتأمل الولايات المتحدة، بعد انتهائها من سحب قواتها، هو أن تواجه الدول الإقليمية المحيطة بأفغانستان: الصين وباكستان وإيران وتركمانستان وأوزباكستان وطاجيكستان – إضافة الى الهند  وروسيا القريبتين من أفغانستان، بمن فيها تلك التي كانت تدعو وتضغط لمثل هذا الانسحاب، الحقيقة المرّة التي ستنجم عن اندلاع حرب أهلية جديدة، أو استيلاء طالبان على العاصمة كابل ومعظم مدن البلاد. ويرى العديد من المحللين أن مصلحة معظم أن لم نقل جميع هذه الدول تقضي بعدم عودة “الإمارة الإسلامية الأفغانية”، كما أن حرب أهلية جديدة سوف تعطل التبادل التجاري بين هذه الدول، كما أنها ستخلق موجة جديدة من اللاجئين لا تريد أي دولة مجاورة تحمل أعبائها، خاصة وأن جميع هذه الدول لا تزال تعاني من مضاعفات وتحديات جائحة كورونا.

ولهذه الأسباب دعت إدارة الرئيس بايدن منذ أشهر الى تفعيل الأمم المتحدة، والسعي لإشراك جميع جيران أفغانستان بمن فيهم خصومها إيران والصين وروسيا لضمان عدم حدوث انهيار شامل في أفغانستان لأن مضاعفاته قد تكون سلبية على مصالحهم، لجهة خلق أزمة لاجئين جديدة، وغيرها من التحديات مثل استفحال الاتجار بالمخدرات عبر حدود مستباحة. وحتى ولو لجأت الدول المجاورة، في حال اندلاع حرب أهلية أوسع، إلى استخدام قوات أفغانية بالوكالة، واستغلال الانقسامات المذهبية والإثنية في البلاد، فان ذلك لن يضمن مصالحها في المدى البعيد، ولذلك فإن مصلحة جميع جيران أفغانستان – إذا قرروا التصرف بشكل عقلاني – أن يساعدوا الحكومة الحالية في كابل وحض طالبان على المشاركة في السلطة بدلا من الاستئثار بها كليا.

لا شك أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان، يعني أن باكستان، “الحليف اللدود” للولايات المتحدة هي المستفيد الإقليمي الأكبر من هذا الانسحاب الذي كانت ترغب به إسلام أباد منذ سنوات. انسحاب القوات الأطلسية من أفغانستان يعزز طبعا من نفوذ حركة طالبان، المتحالفة مع باكستان، ويعني على المستوى الأدنى أن طالبان ستصبح جزءا عضويا في التركيبة السياسية الحاكمة في أفغانستان، إذا لم تقرر الحركة الاحتكار الكامل للسلطة في كابل. ويأمل المسؤولون الأميركيون – ربما يجب أن نقول يتمنى المسؤولون الأميركيون – أن ترى باكستان أن مصلحتها الوطنية تقضي بمشاركة طالبان في السلطة في أفغانستان وليس بالضرورة في عودة نظام إسلامي الى كابل، قد لا تستطيع التأثير عليه كثيرا في المستقبل. إيران التي رحبت بالانسحاب الاميركي سوف تستغله لتعزيز علاقاتها مع الفئات الشيعية في البلاد، ودعمها عسكريا في حال تعرض هذه القوى لهجمات من قوات طالبان.

ولكن مقابل هذه الآمال والتمنيات الأميركية والأطلسية، هناك سجل طالبان القديم والذي لا يشجع على التفاؤل بأن هذه الحركة قد استوعبت بعض دروس هزيمتها في 2001، أو انه يجب تصديق وعودها بأن عودتها للسلطة لا تعني إحياء ممارساتها القمعية والعنيفة ضد خصومها السياسيين وضد حقوق الانسان الأساسية، وأبرزها الحقوق المدنية للمرأة الأفغانية. أيضا ليس من الواضح ما إذا كانت باكستان – وتحديدا استخباراتها العسكرية التي اغتنت على حساب الاقتتال الأفغاني – سوف تتصرف بشكل متنور بعض الشيء يضمن مصالحها الاستراتيجية في أفغانستان (أكثر ما تخشاه باكستان هو بروز تحالف أفغاني- هندي يكون بمثابة كماشة ضدها) ولكن دون معاملة أفغانستان كمحمية باكستانية.

وإذا استمر غياب آلية دولية – إقليمية تشرف عليها الأمم المتحدة وتدعمها القوى الكبرى لتشكيل حكومة وطنية تشمل طالبان وغيرها من القوى الفاعلة في أفغانستان، فإن فرص بقاء حكومة الرئيس غني في السلطة سوف تتبخر بسرعة، لأن معظم المؤشرات الميدانية تبين أن حركة طالبان سوف تزداد قوة، وسوف تعود للسيطرة بالقوة على البلاد.

أسلاف الرئيس بايدن الثلاثة الذين حرمتهم أفغانستان من النوم: جورج بوش الابن، وباراك أوباما ودونالد ترامب، حاولوا دون نجاح سحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان وإنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة خسرت فيها أكثر من 2300 قتيل وجرح أكثر من 20 ألف عسكري وكلّفت الخزينة الأميركية أكثر من ترليون دولار. لا أحد يعلم بيقين عدد الخسائر المدنية في أفغانستان، وان كان الخبراء يتحدثون عن أكثر من 40 ألف قتيل أفغاني مدني. عندما خدم بايدن كنائب للرئيس أوباما، كان من دعاة تقليص عديد القوات الأميركية أو سحبها من أفغانستان.  استعجال بايدن للانسحاب من أفغانستان لا يحقق أحد وعوده الانتخابية فقط، بل ينسجم مع رغبة العديد من الأميركيين بإنهاء واحدة من “أطول الحروب التي لا نهاية لها” التي تورطت فيها الولايات المتحدة في جنوب آسيا والشرق الاوسط في العقود الأخيرة. أفغانستان سوف تختفي من قائمة أولويات بايدن، لكي يتفرغ إلى مواجهة تحديات خارجية أكبر وأخطر تمثلها الصين الصاعدة، وروسيا العدائية. بايدن يدرك أن وداعه لأفغانستان محفوف بالمجازفات، ولكنه لن يتراجع عن قراره الثابت بوضع أفغانستان، تلك البلاد الجبلية الوعرة التي عصيت على كل الغزاة عبر التاريخ وسميت عن حق ” مقبرة الإمبراطوريات”، في مرآته الخلفية.

*كاتب وصحفي يغطي الولايات المتحدة وسياساتها في الشرق الأوسط منذ 35 سنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.