شؤون مكافحة الاٍرهاب

هشام النجار: إرهاصات صراع بين السلفية الجهادية والقومية الهندوسية في الهند

هشام النجار 7/6/202

أثارت حالة العداء المتنامية ضدّ المسلمين في الهند غضب دول عربية وإسلامية، لكنها لم تقف عند ذلك الحدّ بل ضاعفت من فرص تنظيم القاعدة لتوسيع نفوذه في جنوب آسيا باستقطابه المسلمين المهمشين واتخاذه السياسات المعادية لهم حجة ضدّ الهند لتصبح العدو الرئيسي الجديد للجهاديين في العالم.

اقتصر الهدف من الإجراءات التي اتخذها الحزب الحاكم في الهند ضد مسؤولين به أطلقوا تصريحات مسيئة للنبي محمد أخيرا على مجرد احتواء الغضب على وقع بيانات الشجب التي صدرت من عدد من حكومات الدول العربية والإسلامية.

وأوقف حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم نوبور شارما المتحدثة باسمه عن العمل وطرد نافين كومار المسؤول عن وحدة الإعلام، على خلفية تصريحات أثارت غضبا في الهند وفي عدد من الدول العربية والإسلامية.

ولن تكون خطوة إقالة مسؤولين كافية لأجل الحفاظ على الوئام المجتمعي العام في ظل التصاعد الخطير لخطاب الكراهية ضد المسلمين هناك.

ولم تكن التصريحات التي أشعلت الغضب خارج السياق بل هي جزء من توجه عام أوسع أدى إلى منع محجبات من الدراسة وتهديد مساجد بالهدم والبعض من المسلمين بالإبادة الجماعية.

ورصد عدد من المراقبين والحقوقيين تصاعدا في حالات المضايقة والمطاردة من قبل القوميين الهندوس في الشوارع لمسلمات محجبات وجرى منع بعضهن من دخول الجامعات في ولاية كارناتاكا الجنوبية.

ونُشرت مقاطع فيديو لأشخاص من بينهم عضو في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم ورئيس قناة يمينية يتعهدون فيها بتحويل الهند إلى دولة هندوسية.

ولا يمر يوم دون تعرّض المساجد ومرتاديها لمضايقات تختلف حدتها من منطقة إلى أخرى مثل وضع مكبرات صوت في المعابد القريبة من المساجد للتغطية على صوت الآذان بالصلوات الهندوسية.

وردد متطرفون هندوس وهم يدورون حول أحد المساجد شعارات الإبادة للمسلمين من قبل مجموعة يمينية رافعين الأعلام الزعفرانية الهندوسية وحاملين السيوف بأيديهم.

مشروع طائفي

لا تقتصر مطالبات الاستحواذ على مساجد لتحويلها إلى معابد على مساجد كبيرة متنازع عليها، وإنما شمل هذا التوجه معلم تاج محل الشهير رمز الحب الذي بناه المغول، حيث قدم هندوس التماسًا في محكمة الله أباد العليا لفتح الغرف لفحص المقتنيات الدينية الهندوسية داخله، وطالب آخرون بإعادة تسمية معلم قطب منار الشهير على اسم إله هندوسي.

ولم تكن التصريحات المسيئة لمسؤولين بالحزب الحاكم بشأن النبي محمد وزوجته السيدة عائشة الأولى من نوعها التي ظهر فيها هوس التعصب الطائفي، ففي شهر مايو الماضي خاطب رجل دين هندوسي حشدًا وهدد باغتصاب المسلمات، ودعا نائب عن إحدى الولايات بمجلس النواب عن الحزب الحاكم إلى إشعال النار في المسلمين.

ومن الصعوبة أن تغير الإجراءات التي اتخذها الحزب الحاكم بهاراتيا جاناتا بحق مسؤوليه الذين أطلقوا التصريحات المسيئة الواقع الذي يسوده الاحتقان الطائفي، إذا لم تُجر تغييرات جذرية في فلسفة الحزب ومناهجه وأيديولوجيته المتطرفة.

حزب بهاراتيا جاناتا هو في الأصل ذراع سياسية لحركة راشتريا سوايامسيفاك سانغ التي أسسها طبيب هندي في العام 1925 مستلهمة الأساليب النازية في التعامل مع مسلمي الهند.

وفي العام 1980، أسست الجماعة اليمينية المتطرفة شبه العسكرية حزب بهاراتيا جاناتا لخوض الانتخابات والفوز بها، وحقق الحزب الفوز الأول له في انتخابات ولاية أوتار براديش عام 1991 بعد أن حقق انتشارًا سريعًا في عموم البلاد.

وعمل القوميون الهندوس على دمج أجزاء من العقيدة الدينية في حركة سياسية موحدة قائمة على أن الهند هي أرض الهندوس المقدسة، وهو منهج يهدف إلى استبعاد المسلمين والمسيحيين ونبذهم وجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية.

واستغل حزب بهاراتيا جاناتا التحريض ضد المسلمين لزيادة شعبيته معتمدًا على حشد الأكثرية الهندوسية بدوافع دينية لتأمين الفوز في كل انتخابات يخوضها.

وتضم الحركة والحزب عشرات الملايين من الأعضاء فضلًا عن شبكة واسعة من التجمعات جعلتها أكبر تجمع عمالي في الهند، إلى جانب شبكة مصالح تضم أبناء الطبقة العليا التي تشكل النسبة الكبرى من النخبة الهندية، علاوة على ولاء قطاع كبير من الطبقة المهمشة المنتمية للهندوسية.

توفر الحركة دخلًا للحزب يزيد بخمسة أضعاف عن دخل أكبر منافسيه، إلى جانب سلاح المال والإعلام الذي تسيطر عليه الطبقة العليا في البلاد استخدم الحزب سلاح التحريض ضد المسلمين لتحقيق مكاسب سياسية.

وأقرت الحكومة المركزية في الهند قوانين جديدة للجنسية تميز أتباع الديانات الهندية عن المسلمين والمسيحيين، ما هدد بسحب الجنسية من عشرات الملايين، وهو ما أدى لاندلاع احتجاجات واسعة النطاق، أعقبتها حملة قمع قُتل خلالها عدد كبير من المسلمين.

وأعاد حزب بهاراتيا جاناتا ترشيح الراهب الهندوسي المتطرف يوغي أديتاناث كرئيس لوزراء ولاية أوتار براديش وهو الذي دأب على إطلاق تصريحات عنصرية منها وصفه المسلمين بـ”الحيوانات التي تمشي على قدمين ويجب منعها من التكاثر”.

ولا يعوّل الكثيرون على رئيس الوزراء الحالي للهند ناريندا مودي الذي جرى انتخابه في العام 2014، ثم فاز بمدة ثانية عام 2019، للتغيير الجذري لهذا الواقع، حيث وقعت مجزرة غوجارات ضد المسلمين عام 2002، وراح ضحيتها أكثر من ألف شخص أثناء رئاسته وزراء الولاية.

لم يحرك ناريندا مودي ساكنًا تجاه خطابات الكراهية والحض على القتل والإبادة في حق المسلمين قبل وقوع تلك المجزرة التي وُصفت بأسوأ المذابح المعادية للمسلمين في التاريخ الحديث.

وبات خطاب العداء والتحريض على الكراهية ضد المسلمين في الهند هو الرصيد المضمون للسياسيين من زعماء بهاراتيا جاناتا، فعلى الرغم من الصورة القاتمة للوضع الاقتصادي والفشل في إدارة أزمة كوفيد – 19، حقق الحزب الهندوسي سلسلة طويلة من الانتصارات.

تخفي الإجراءات الشكلية التي هدفت فقط لاحتواء الموقف وامتصاص غضب مسلمي العالم لا مسلمي الهند عقب الأزمة الأخيرة خططًا طويلة المدى مؤداها نبذ الأقلية المسلمة التي يبلغ تعدادها 200 مليون مسلم.

ويخطط الحزب الهندوسي الحاكم الذي يتبنى مشروعًا قوميًا لاستعباد المسلمين والمسيحيين ويسمى “هندوتفا” أو القومية الهندوسية لفرض سطوته ورؤاه حتى على الولايات التي لا يحظى فيها بأغلبية مثل ولاية البنجاب الشمالية الغربية وكيرالا الجنوبية، ولن يتحقق هذا إلا بقمع أكثر من أربعمئة مليون شخص لا ينتمون للديانة الهندوسية.

حاول تنظيم القاعدة المركزي دخول الفضاء الهندي من بوابة فشل حكومة حزب بهاراتيا جاناتا في حماية المسلمين الهنود من الاضطهاد والتمييز الطائفي وفي إدخال إصلاحات بالمجتمع المسلم.

وبسبب تهميش المسلمين في الدولة والسياسات المعادية لهم جرى ترشيح الهند لتصبح العدو الرئيسي الجديد للجهاديين في العالم.

وباتت الأرض ممهدة داخل المجتمعات المسلمة في الهند أكثر من أيّ وقت مضى لاستغلال الجماعات الإسلامية المتطرفة نتيجة الممارسات الطائفية مقابل بطء الإصلاحات داخل المجتمعات المسلمة، ليرتفع الصوت الرجعي ويسود التشدد المجتمعي بشأن الملبس والعديد من الممارسات الأخرى.

مراقبين وحقوقيين رصدوا تصاعدا في حالات المضايقة والمطاردة من قبل القوميين الهندوس في الشوارع لمسلمات محجبات وجرى منع بعضهن من دخول الجامعات

وسبق لأيمن الظواهري وتنظيم القاعدة استغلال هذا الواقع من خلال محاولات فرع القاعدة في شبه القارة الهندية بدايات العام 2017 عندما أعلن عن نيته استهداف الهند، مصدّرًا وثيقة مدونة قواعد السلوك، ومنددًا بالقمع الهندوسي للمسلمين وبتحالف الهند مع إسرائيل والولايات المتحدة.

ولعب تنظيم القاعدة على وتر تأجيج التشدد الديني وتوظيف مسألة الزي المختلف والتأكيد على الهوية المنفصلة وهو ما وضح في التسجيل المرئي الذي بُثّ لأيمن الظواهري الشهر الماضي.

ووضح هذا من مضمون الإصدار المرئي الذي أصدره زعيم القاعدة بعنوان “حرة الهند” الشهر الماضي، قاصدًا استغلال المضايقات التي تتعرض لها الأقلية المسلمة في الهند بغرض تطوير حضور فرع تنظيمه في شبه القارة الهندية الذي تأسس في سبتمبر عام 2014.

وقال الظواهري في فيديو مدته عشر دقائق بثته مؤسسة السحاب الذراع الإعلامية للقاعدة أنه نظم شعرًا تأثرًا بالتسجيل المرئي الذي عُرض في فبراير الماضي وتظهر فيه طالبة جامعية تنتمي للمجتمع الهندي المسلم تتحدى طلابًا من الهندوس سخروا من حجابها، واصفًا ما يجري في الهند بأنه “معركة وعي”.

وهدف زعيم القاعدة إلى تكريس عزلة المجتمعات المسلمة في الهند واختراقها بالفكر الجهادي العالمي الذي نبذته طويلًا وعُرفت كواحدة من أكثر المجتمعات المسلمة المسالمة في العالم.

ساحة دولية بديلة

يخطط أيمن الظواهري لتهيئة ساحة بديلة لنمو نفوذه في الهند وعموم جنوب آسيا من خلال إيجاد موطئ قدم للإرهاب التكفيري وللانفصالية الإسلامية وكلاهما عانت منه الهند خلال مرحلة ما بعد الاستقلال.

ويجد تنظيم القاعدة في نشر مظاهر التطرف الديني وطرح قضايا متعلقة بالحجاب الذي لم يكن يومًا جزءًا من الزي التقليدي للمسلمين الهنود خطوة لاستعادة بريق التنظيم وجعله مركز جذب للمسلمين الهنود.

وانطوت رسائل الظواهري على أبعاد حركية تخاطب عناصر فرع تنظيمه في الهند الذين يفتقرون لقيادة قوية ويطمحون لإنقاذ سمعة تنظيمهم الذي تراجعت قوته مقابل ازدياد نفوذ داعش؛ آملا في توطيد الصلات بين المركز والفرع الهندي لإحيائهما معًا عبر مضاعفة نفوذ الفرع الهندي وتكثير أعداده وتوسيع رقعة نشاطه لتشمل جميع أنحاء جنوب آسيا.

ويراهن الظواهري على أن الهند الحديثة هي مهد الإسلام السياسي وموطن أبي الأعلى المودودي أستاذ الإخواني الراحل سيد قطب والذي يُعد الأب الروحي للجهاديين المصريين والعرب.

ويطرح الظواهري مشروع المودودي في مواجهة مشروع حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي، حيث سعى المنظّر الهندي لتحويل الهند بأكملها إلى الإسلام وتطبيق الشريعة بأرجائها رافضًا تقسيم الهند وهجرة الإسلاميين إلى باكستان ما أدى في حينه إلى نهاية الإسلام السياسي بالهند.

وتتسق رسائل الظواهري مع توجهات فرع القاعدة في شبه القارة الهندية الذي ألمح لتركيزه خلال مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي وانتصار طالبان في أفغانستان على تكثيف نشاطه في الهند وجنوب آسيا، وهو ما دفعه لتغيير اسم مجلّته المعبرة عنه من “صوت الجهاد الأفغاني” إلى “صوت غزوة الهند”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى