ترجمات عبرية

هآرتس: هل يقترب لبنان من الحرب الثالثة؟

هآرتس 28/6/2022، بقلم: عاموس هرئيل

لا يطلب أكثر من بضع دقائق حتى تثير مجموعة أشخاص صغيرة، كانت صعدت أول أمس على كومة تراب في موقع للجيش الإسرائيلي قرب “موشاف دوفيف” على الحدود مع لبنان، انتباه الطرف الثاني. وسرعان ما انطلقت دراجة عليها شابان بملابس مدنية ووقفت أمام كومة التراب قرب الجدار. استل أحدهما كاميرا والتقط صوراً للمجموعة، وسافر الثاني على الدراجة ذهاباً وإياباً إلى أن تأكد من أن مجموعة الإسرائيليين قد غادرت المكان.

من المرجح أن راكبي الدراجة من رجال “حزب الله” خرجا من داخل موقع أقامه الحزب على مسافة بضع مئات من الأمتار إلى الغرب من هناك، من الجانب اللبناني للحدود. هذا موقع آخر من المواقع التي أقيمت مؤخراً بغطاء جمعية لحماية جودة البيئة باسم “أخضر بدون حدود”. عملياً، يرى فيها الجيش الإسرائيلي نشاطاً جارياً لمقاتلي “حزب الله”. يبدو أنها تستخدم كنقاط رقابة وجمع معلومات عما يحدث في الطرف الإسرائيلي من الحدود. ولها هدف ثانوي أيضاً، وهو خلق ردع معين تجاه الجيش الإسرائيلي والسكان الإسرائيليين في الحدود الشمالية وإبعاد مراقبي قوة الأمم المتحدة “اليونفيل”، عن التواجد في الأماكن التي احتلها الحزب.

وضعت المواقع للمرة الأولى في نقاط كثيرة على طول الحدود قبل خمس سنوات تقريباً. اكتشفتها إسرائيل في حينه في عملية مشتركة للحكومة والجيش. بل واحتجت على ذلك أمام الأمم المتحدة. وبدءاً من نيسان الماضي ظهر أكثر من 16 موقع رصد جديداً على طول القطاع. في البداية تم وضع حاويات، وعقب ذلك تم إحضار أبراج مراقبة لجزء من هذه الأماكن. في موقع قرب “دوفيف” كان يمكن رؤية حاوية وبرج وعدد من السيارات. ومنذ اللحظة التي لاحظوا فيها نشاطاً للجانب الإسرائيلي حول الموقع، جاء مقاتلو “حزب الله” بسرعة للتصوير وإثبات وجود.

طرحت إسرائيل مرة أخرى هذه القضية مؤخراً في محادثات في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. بعثة تضم ممثلين عن الجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية والسفارة الإسرائيلية في الأمم المتحدة، عرضت صوراً وتوثيقات للمواقع الجديدة على رجال الأمم المتحدة، وكذلك على ممثلي دولتين من الدول دائمة العضوية، وهما الولايات المتحدة وفرنسا.

في بداية حزيران، نشر المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بالعربية صوراً لبعض المواقع، مرفقة بتحذيرات من قائد المنطقة الشمالية، أمير برعام: “نعرف النشطاء الذين يقيمون المواقع بأسمائهم، ونعرف من أين يأتون. وعندما يحين الوقت سيدفعون الثمن، هم ومن أرسلوهم وأيضاً قرى الجبهة التي يستخدمونها كقواعد إرهاب عسكري. سندمر كل البنى التحتية في خط التماس”. تكثر التصريحات الإسرائيلية من التطرق لـ “قرى الجبهة”، وهي قرى شيعية قرب الحدود، نشر فيها “حزب الله” بالسر قيادات ومخازن سلاح ومنصات لإطلاق الصواريخ.

إقامة المواقع تظهر كجزء من عملية محسوبة لـ”حزب الله”، وتهدف إلى تثبيت حقائق على الأرض من خلال تجاوز قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي نظم الوضع في جنوب لبنان بعد حرب لبنان الثانية. حسب هذا القرار، تم حظر القيام بنشاطات مسلحة من قبل “حزب الله” في المنطقة التي تقع بين الحدود الإسرائيلية في الجنوب ونهر الليطاني في الشمال، وتم توكيل قوة “اليونفيل” بالحفاظ على الهدوء في هذه المنطقة مع إعطاء الصلاحيات لها لوقف نشاطات “حزب الله” المسلحة. فعلياً، يكثر مقاتلو “حزب الله”، بملابس مدنية، من الحركة على طول الحدود منذ سنوات كثيرة. وتكتفي قوة اليونفيل بالقيام بمهمات دورية وأحياناً المراقبة، لكنها تحاول ألا تتصادم مباشرة مع رجال “حزب الله”، على الأغلب بذريعة أن النشاطات المشبوهة تتم في منشآت خاصة، ليس لها صلاحية للدخول إليها وتفتيشها.

ما زال رجال الأمم المتحدة يعملون في ظل الردع الذي خلقه “حزب الله”، الذي وقف في 2007 -حسب الاشتباه- من وراء تفجير ناقلة الجنود المدرعة للكتيبة الإسبانية التابعة لقوة اليونفيل، قرب قرية الخيام في القطاع الشرقي في جنوب لبنان. قتل سبعة جنود في الانفجار، ومنذ ذلك الحين تحاول قوة اليونفيل عدم دس أنفها في أماكن خطيرة جداً. في المقابل، يمدح جهاز الأمن العمل اليومي أمام ضباط الأمم المتحدة، ويقول إنه ساعد في تهدئة النفوس على طول الحدود أكثر من مرة.

نشر المواقع الإضافية في الفترة الأخيرة يعكس ما ظهر كثقة متزايدة بالنفس لدى “حزب الله”. تضاف هذه العملية إلى نقل آلاف المقاتلين من قوات النخبة “الرضوان” إلى جنوب لبنان، بعد أن قلص الحزب تدخله في سوريا مع خبو نار الحرب الأهلية هناك في نهاية 2018 فصاعداً. في تلك الفترة، كشفت إسرائيل أيضاً ودمرت ستة أنفاق حفرها “حزب الله” تحت الحدود، إلى داخل أراضيها، كما يبدو بهدف التمكين من اختراق قواته عبرها إذا اندلعت حرب.

المواقع الجديدة – التي يكون فيها رجال الحزب بملابس مدنية – هي نوع من مسار متجاوز لقرار 1701. هذه المواقع تستدعي ذكريات غير لطيفة من الأيام التي سبقت حرب لبنان الثانية. في حينه، حذر قائد فرقة الجليل، العميد غال غيرش، من إقامة مواقع (ناشطة وعلنية) لـ”حزب الله” على طول الحدود. لم تتأثر الحكومة وهيئة الأركان بشكل خاص من ادعاءات الحزب، والنهاية معروفة – نشاط الحزب الذي قتل فيه ثمانية جنود للجيش الإسرائيلي وتم اختطاف جثامين جنديين من الاحتياط، التي أدت إلى شن الحرب في تموز 2006.

على خلفية الحضور المتزايد في جنوب لبنان والتسلح المستمر لـ”حزب الله”، تكثر إسرائيل من تهديد لبنان مؤخراً. شخصيات إسرائيلية رفيعة، على رأسها وزير الدفاع بني غانتس ورئيس الأركان افيف كوخافي، تصف بين حين وآخر ما يتوقع حدوثه في لبنان إذا عمل “حزب الله” من داخل المدن والقرى المكتظة، وأطلق من هناك صواريخ نحو التجمعات السكانية الإسرائيلية. يبدو أن إسرائيل تحاول إعداد الأرض في الساحة الدولية لحرب ثالثة في لبنان مترافقة مع دمار كبير للبنى التحتية ومس كبير غير متعمد بالسكان.

مع ذلك، بقيت تقديرات الاستخبارات بدون تغيير. ولا ترى إسرائيل هناك رغبة لدى سكرتير عام “حزب الله”، حسن نصر الله، في المبادرة إلى مواجهة عسكرية جديدة. وأكثر من ذلك: نصر الله، الذي يكثر من التهديد بالمس بإسرائيل، تملص من محاولات إيرانية بفرض إغلاق الحساب عن نشاطات الاغتيال التي نسبت لإسرائيل على الأراضي الإيرانية. السيناريو الأساسي الذي يقلق متخذي القرارات في البلاد يتعلق بسلسلة حسابات خاطئة: حدث محلي قد يؤدي إلى عملية رد من الطرف الثاني ويخلق سلسلة نشاطات وردود قد تقود إلى حرب دون رغبة الطرفين فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى