ترجمات عبرية

هآرتس: هل تريد إسرائيل حقا ؟

هآرتس 2022-08-22، بقلم: ماني ماوتنر

امتلأت الاستوديوهات، مرة أخرى، بالتكنوقراطيين المتخصصين بالجيش وإدارة عملية “بزوغ الفجر”، حيث بُهر جميعهم بإنجازات الاستخبارات والتكنولوجيا. وقدموا أيضا نصائح خاصة بهم كيف يتم تحسين القتل وجعله ناجعا أكثر. فقط أمر واحد لم يسمع: ما هو هدف كل ذلك؟ ما الذي نريده من أجل أنفسنا ومن أجل أولادنا وأحفادنا ومن أجل جيراننا الفلسطينيين؟

استمرارا لماكس فيبر فإن عددا من المفكرين (مثل ماكس هوركهايمر وتشارلز تيلر وزيغمون باومن)، قالوا إن ما يميز الحداثة هو زيادة الوعي الذرائعي وإقصاء الوعي الحقيقي.

الإنسان الحديث متخصص في تكييف الوسائل مع الأهداف، لكنه لا يتناول مسألة ما يجب أن تكون عليه الأهداف التي يجب عليه تحقيقها من أجل أن تكون حياته جيدة. يبدو أن الأمور كتبت بشأن الخطاب الإسرائيلي في فترة عملية “بزوغ الفجر”.

نحن نقتل الفلسطينيين، لكن لماذا؟ إلى أين يقود كل ذلك؟ وهل يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك؟

يبدو أن مقولة “لا يعرف الإيرلنديون ماذا يفعلون ولكنهم مستعدون للقتال حتى الموت من أجل الحصول على ذلك”، المنسوبة لعضو في البرلمان البريطاني، تنطبق أيضا على إسرائيل التي تتهرب منذ خمسة عقود من مناقشة الجوهر. ولكن لا. يعرف اليمين في إسرائيل بالضبط ما الذي يريده، حتى لو لم يقل تقريبا ذلك في أي مرة. هدفه الأسمى هو الاحتفاظ بـ “يهودا” و”السامرة” وتوسيع الاستيطان.

يعيش اليمين منذ عشرات السنين في إطار قرار تاريخي، بحسبه فإن مواصلة الاحتفاظ بمناطق “يهودا” و”السامرة” أفضل من التوصل إلى سلام، يلزم بإخلاء كل “المناطق” تقريبا وتقسيم القدس. ومثلما قال عدد غير قليل، مثل حاييم رامون (في كتابه “عكس الرياح”) وديمتري شومسكي (في كتابه “بيبي بحاجة إلى حماس قوية”، 12/5/2021)، من أجل تحقيق هذا الهدف فإن اليمين يحافظ على سلطة “حماس”. فهذا يمكّنه من الادعاء بأنه لا يمكن صنع سلام مع السلطة الفلسطينية لأنها تمثل فقط نصف الشعب الفلسطيني. فالنصف الثاني واقع تحت سلطة “إرهاب”.

كم هم ساذجون مستوطنو غلاف غزة. هل هم لا يعرفون أن الحرب الواقعة عليهم وعلى أولادهم منذ 15 سنة والتي تجبي منهم ثمنا باهظا، ليست حرباً للدفاع عن دولة إسرائيل، بل هي حرب للدفاع عن المستوطنات؟. هل لا يسألون أنفسهم أليس “الليكود”، الذي لم يقم ببناء أي مستوطنة في منطقتهم، لكنه أقام مئات المستوطنات في “يهودا” و”السامرة”، ملتزم بهذه المنطقة وليس بمنطقتهم؟

تأثر الكثيرون بأداء رئيس الحكومة، يائير لابيد، ووزير الدفاع، بني غانتس، خلال العملية. ولكن من ناحية الأهداف التي يخدمونها لا فرق بين لابيد وغانتس وبين بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش.

أيضا يواصل لابيد وغانتس سياسة اليمين التقليدية طالما أنهما لا يعملان على التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين (كجزء من ذلك، تحقيق هدنة مع “حماس”). كان جدعون ليفي على حق عندما قال إنه لا يوجد فرق بينهم (“هآرتس”، 3/7).

في غضون ذلك، فإن الادعاء بأنه لا يوجد خيار محض كذب إسرائيلي قديم.

كتب المستشرق البروفيسور، إيلي فوده، في “هآرتس” بأن السلام ربما هو حلم، لكنه ليس حلمنا (“السلام”، 16/12/2010).

حان الوقت للاعتراف بحقيقة أن إسرائيل تستخدم خطاب السلام، لكنها من ناحية فعلية تساهم بالقليل جداً من أجل تحقيقه.

من يواصل التمسك بصيغة “سنقلب كل حجر” من أجل تحقيق السلام، يجب عليه النظر إلى المرآة. هل حقا إسرائيل تسعى بحزم وبشكل متواصل من أجل تحقيق هذا الهدف؟ وأضاف فوده: “في العقد الأخير وقفت إسرائيل أمام عدد غير قليل من المبادرات العربية للمفاوضات: خطة السلام العربية، اقتراحات المفاوضات من جانب سورية، واستعداد فلسطيني للتقدم وحتى إعلانات معتدلة من قبل “حماس”. ردت إسرائيل على كل ذلك، بحكوماتها المختلفة، ببرود وبلا مبالاة وبانضباط (باستثناء فترة أواخر حكم إيهود أولمرت).

رد إسرائيل الضعيف على هذه العروض لا يمكن أن يعتبر ردا صدفيا أو يرتبط بالظروف؛ فهو يعتبر نموذجا للسلوك. من جهة أخرى، ردا على ذلك، لم تقترح إسرائيل في أي يوم مبادرة خاصة بها تشير إلى رغبتها في السلام.

توسّع فوده في الحديث عن ادعاءاته في كتاب نشر في العام 2015 بعنوان “فرص السلام: الفرص المفقودة في النزاع العربي – الإسرائيلي”).

ضمن أمور أخرى كتب “ليس فقط أن عمليات إسرائيل لم تتساوق مع خطابها، ولم تكن مبادراتها سخية، ولم تكن سليمة، بل لم تكن أكثر من مناورات تكتيكية. إضافة إلى ذلك، في حالات معينة قطعت إسرائيل الطريق أمام مبادرات سلام دون أي سبب… لم تستغل إسرائيل ذخرها الجغرافي من أجل أن تعرض بشكل رسمي مبادرة سلام مهمة خاصة بها”.

شبيها بذلك كتب عكيفا الدار: “في السنوات الأخيرة تحكم في إسرائيل حكومات تفضل بشكل واضح أرئيل ومخيم شعفاط للاجئين دون سلام على سلام دون أرئيل ومخيم شعفاط للاجئين” (“عشرون سنة على مبادرة السلام العربية: أكبر تفويت للفرص في هذا القرن من قبل إسرائيل”، “هآرتس”، 24/3).

وقد أحصى عكيفا الدار سلسلة من مبادرات السلام العربية من العقد الماضي، رفضتها إسرائيل جميعها. وتحدث عن خيبة أمل مستشرقين، مثل البروفيسور شمعون شامير، إزاء سلوك إسرائيل. في أحد المقاطع المشهورة في “تاجر البندقية” لشكسبير، قال شايلوك اليهودي: “إذا طعنتمونا ألن ننزف الدماء؟ إذا زغزغتمونا ألن نضحك؟ إذا سممتمونا ألن نموت؟ وإذا نكلتم بنا ألن ننتقم؟ إذا كنا نشبهكم بكل شيء فنحن نشبهكم أيضا في هذا الشأن”.

هل الإسرائيليون حقا يعتقدون أن الفلسطينيين يختلفون عن جميع الشعوب الأخرى، وسيمتنعون عن سفك دمائهم ودمائنا من أجل تحقيق الاستقلال؟

منذ نصف سنة تقريبا تجري حرب بين قوات أمننا وبين مسلحين فلسطينيين في الضفة الغربية. هل يعتقد أحد حقا أنه سيكون بالإمكان قمع استعداد الفلسطينيين للتضحية بحياتهم من أجل التوصل إلى إنهاء الاحتلال والاستقلال؟ أليس من الواضح أن كل ذلك يؤدي إلى سفك دماء كبير سيجرف إلى داخله الكثير من أبناء الشعبين؟ حتى أن غولدا مائير كانت متأكدة من أنه لا توجد حاجة إلى تغيير سياستها المتغطرسة والمنغلقة، وكانت النهاية كارثة قومية لم يكن لدينا شبيه لها منذ “حرب الاستقلال”.

يجدر أيضا أن نذكر بأن المنطق العميق لاستمرار الوضع الحالي هو ترانسفير.

منذ أكثر من عقد و”شبيبة التلال” يقومون كل يوم بعملية ترانسفير محلية.

ستأتي لحظة سيحاولون فيها القيام بترانسفير كبير. أو يستغلون فرصة للقيام بترانسفير (هذا لن ينجحوا فيه، ففي هذه الحالة سيتدخل العالم).

في هذه الأثناء يحصلون على دعم لوجستي واسع من عدد من مؤسسات الدولة.

أيضا يحصلون على الحماية الكاملة من الجيش والشرطة. تعمل “شبيبة التلال” بإلهام النظريات الدينية للحاخام إسحق غينزبورغ والحاخام مئير كهانا، التي تطالب بإحلال نظام ديني مكان النظام الإسرائيلي. من أجل استمرار الاحتفاظ بالأرض فإن اليمين في إسرائيل مستعد للانتحار والقضاء علينا (عندما أقوم بقراءة النظرية الدينية لغينزبورغ أسأل نفسي هل سيتبين في أي يوم أنه هو آية الله خميني الإسرائيلي).

كانت هنا أيام تحدثنا فيها عن أنه ذات يوم سيضطر أبناؤنا وأحفادنا إلى العيش مع أبناء وأحفاد الفلسطينيين. لذلك، يجب تقليل أضرار الحرب وتقليص الكراهية. منذ فترة طويلة لم نتحدث عن ذلك. حان الوقت للعودة والحديث بهذه المصطلحات. حان الوقت لسؤال أي شرق أوسط سنبقيه لأبنائنا وأحفادنا ولأبناء وأحفاد الفلسطينيين؟ وكيف سيؤثر سفك الدماء على العالم الذي سيعيش فيه أبناء الشعبين وأحفادهم.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى