هآرتس - مقال - 8/4/2012 الغضب على غراس والاصغاء - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – مقال – 8/4/2012 الغضب على غراس والاصغاء

0 174

بقلم: جدعون ليفي

ان قصيدة الشاعر الالماني غنتر غراس التي ندد بها الاسرائيليون تنديدا قويا قد بالغ فيها الشاعر واتهم اسرائيل اتهامات باطلة، لكن فيها شيء من الصدق يستحق الاستماع اليه.

       ان القصيدة اللاذعة والمثيرة للغضب ايضا في جزء منها التي كتبها غنتر غراس، أثارت بالطبع فورا بحرا من التنديد بها وبمؤلفها بالأساس وبعضه حق. اجل ان غراس خطا عدة خطوات بعيدة جدا (وكاذبة) – فاسرائيل لن تُبيد الشعب الايراني – وعوقب على ذلك في بلاده وفي اسرائيل. لكن كما كان في تسعة أبيات القصيدة مبالغة في الحكم على اسرائيل فان الردود الغاضبة عليها ايضا مصابة بفقدان التناسب. فقد كتب توم سيغف في صحيفة “هآرتس”: “اذا افترضنا ان غراس لم يُحادث في المدة الاخيرة الرئيس احمدي نجاد ورئيس الحكومة نتنياهو – فان وزن رأيه كوزن ذبابة”؛ وذكر بنيامين نتنياهو ماضي غراس النازي وبالغت سفارة اسرائيل في المانيا الى درجة السخافة: “معاداة سامية بحسب أفضل التراث الاوروبي لافتراء دموي قُبيل عيد الفصح”.

          أشك في ان يكون غراس قد قصد الى ان تنشر قصيدته مساء عيد الفصح اليهودي؛ ولا يوجد فيها افتراء دموي. وتصنيفه الآلي بأنه معاد للسامية أمر تقليدي لأن كل انتقاد على اسرائيل يحظى بذلك فورا. ولا يوجد في ماضي غراس النازي – وهو تجنيده إذ كان فتى للـ اس.اس – ما يستطيع ان يسد فمه بعد ذلك بنحو من سبعين سنة، ويبعد وزن رأيه عن ان يكون كوزن ذبابة. فبحسب سيغف، يجب على كل من ليس عالم ذرة أو رئيس حكومة اسرائيليا أو رئيسا ايرانيا ان يصمت عن أكثر شأن يعصف باسرائيل والعالم اليوم. وهذا توجه مخطيء ايضا.

          في قصيدة غراس التي عنوانها “اشياء يجب ان تُقال” توجد اشياء يجب ان تُقال ايضا. لأنه يجوز ويجب ايضا ان نقول ان سياسة اسرائيل تُعرض سلام العالم للخطر. وموقفه من الذرة الاسرائيلية مشروع ايضا. ويجوز له ايضا ان يعارض تسليح اسرائيل بغواصات من غير ان يُستل ماضيه فورا ليكون دعوى مضادة. لكن غراس تطرف دون أية حاجة وبصورة أضرت بموقفه. وقد يكون سبب ذلك عمره المتقدم وطموحه الى ان يحظى بآخر انتباه وربما لأن ذلك كُتب مثل مجموعة كلام اندفعت بمرة واحدة بعد عشرات السنين لم يكن من الممكن فيها تقريبا توجيه انتقاد على اسرائيل في المانيا. وهكذا تكون الحال حينما يعتبر كل انتقاد لاسرائيل غير مشروع وغير سليم ويكون محبوسا في الجوف سنين فانه سينتهي الى ان ينفجر في تطرف. وقد نشر كلام غراس بعد بضعة اسابيع فقط من كتابة الماني جليل الشأن آخر هو رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، زغمر غبريئيل، أنه يجري في الخليل نظام فصل عنصري. وأثار هو ايضا ردودا غاضبة، ولهذا يجدر ان نستمع للكلام وان نتحرر في نهاية الامر في الأساس من منع توجيه نقد على اسرائيل في المانيا.

          لاسرائيل اصدقاء كثيرون في المانيا، أكثر مما يوجد في أكثر الدول الاوروبية. فريق منهم مؤيدون عميان وفريق مصابون بمشاعر ذنب صادقة وفريق من اصدقاء الحقيقة النقديين. وتوجد معاداة سامية ايضا في المانيا بالطبع، وطلب ألا تنسى المانيا أبدا حق. لكن الوضع الذي يُتهم فيه كل الماني يتجرأ على انتقاد اسرائيل فورا بمعاداة السامية لا يُطاق. على أثر مقالة نقدية نشرتها قبل سنين في صحيفة “ديفيلت” الالمانية قال لي أحد محرريها في حينه: “ما كان أي صحفي منا ليستطيع كتابة مقالة كهذه”؛ ولم أُدعَ بعد ذلك الى الكتابة في الصحيفة. وقد طُلب الى كل صحفي انضم الى شبكة الصحف الكبيرة لـ اكسل شبرنغر مدة سنين ان يوقع على التزام ألا يكتب أبدا كلاما يشك في حق دولة اسرائيل في الوجود. وهذا وضع غير سليم ينتهي الى انفجار انتقاد مفرط كما عند غراس.

          ليس غراس وحده. فقد فتح الأديب الكبير سرماغو فمه على اسرائيل في آخر حياته بعد زيارة للمناطق المحتلة وشبه ما يجري فيها باوشفيتس. وقد بالغ سرماغو كثيرا مثل غراس، لكن يجب الاستماع الى ما قاله عن الاسرائيليين: “ان العيش في ظل المحرقة وتوقع غفران كل شيء يفعلونه باسم معاناتهم يبدو لي فظا. انهم لم يتعلموا شيئا من معاناة آبائهم وأجدادهم”.

          بعد ان نددنا بالمبالغة وبعد ان تحللنا من الجزء غير الحق من التهمة، يجب ان نستمع لهؤلاء الاشخاص العظماء. فهم ليسوا مُعادين للسامية وهم يُعبرون عن رأي كثيرين ويجدر بدل ان نتهمهم ان نفكر فيما فعلنا وجعلهم يُعبرون بهذه الصورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.