هآرتس - مقال - 4/5/2012 الفلسطينيون يكافحون عدم الاكتراث - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – مقال – 4/5/2012 الفلسطينيون يكافحون عدم الاكتراث

0 147

بقلم: آفي يسسخروف وعاموس هرئيل

     الفلسطينيون في الضفة اكتووا من الانتفاضة ولا يريدون العودة اليها، ولكن امكانيات الاشتعال قائمة بالتأكيد.

       يوم الثلاثاء الاول من أيار احتفل في رام الله بعيد العمال. موظفو السلطة الفلسطينية لم يعملوا في ذاك اليوم. في بلدة بيتونيا غربي رام الله خطط في ساعات الظهيرة لمظاهرة قرب الحاجز الذي يحاذي منشأة الاعتقال في معسكر عوفر. وخطط المنظمون للسير نحو السجن، تضامنا مع الاضراب عن الطعام لنحو 1.300 سجين أمني في السجون في اسرائيل. ظاهرا، امكانيات اشتعال حدث من هذا النوع عالية، وفي الماضي كان يمكن حتى ان نصفها بانها “عالية جدا”.

          كان يمكن توقع جمهور من بضع مئات، بل وربما حتى آلاف، في ضوء الكفاح الذي يقوده السجناء ضد السلطات الاسرائيلية. ولكن بعد نحو نصف ساعة من المظاهرة بدا في الميدان بضع عشرات الاشخاص فقط، وليس أكثر. فحص دقيق للمشاركين أظهر بان الحديث يدور الى هذا الحد أو ذاك عن ذات الاشخاص الذين يشاركون تقريبا في كل المظاهرات الشعبية التي جرت مؤخرا في رام الله وفي المنطقة. عمليا، في مظاهرة التضامن مع السجناء التي جرت أمس امام سجن الرملة، سجل حضور أكبر بكثير من المشاركين.

          من الصعب القول اذا كان الامتناع هو نتيجة عدم اكتراث الشارع الفلسطيني، أو ربما بالذات اليأس في ضوء الفشل المدوي للانتفاضة الثانية الى جانب احباط الجمهور من الانقسام بين فتح وحماس، والذي لا تبدو نهايته في الافق. يحتمل أيضا ان يكون أحد التفسيرات لعدم مشاركة الجماهير في مظاهرات التضامن مع السجناء، يكمن في حقيقة أنه حتى الان لم يكن سجناء فتح جزءا من الاضراب عن الطعام. حتى بداية الاسبوع، شارك في الاضراب فقط سجناء حماس، الجهاد الاسلامي والجبهات، بينما معظم السجناء في اسرائيل هم رجال فتح. يحتمل أن يكون انضمام بضعة الاف آخرين من رجال فتح الى كفاح باقي السجناء سيغير أيضا الاحاسيس في الشارع. فمن الصعب تصور عائلات السجناء تخرج الى التظاهر في الشوارع بينما أبناؤهم لا يشاركون على الاطلاق في الاضراب.

          الامتناع الذي يبديه الجمهور في الضفة عن المظاهرت والمواجهات يعود أساسا الى “كي الوعي” الوطني الفلسطيني في أعقاب الانتفاضة الثانية. ليست هذه ندبة تبقت فقط في أعقاب اعمال الجيش الاسرائيلي، مثل حملة السور الواقي، بل وأيضا انحلال المجتمع الفلسطيني في السنوات التي تلت ذلك: سيطرة العصابات المسلحة على مدن الضفة، غياب القانون والنظام، ضعف السلطة الفلسطينية واجواء الفوضى العامة التي مست بالاقتصاد المحلي وبالاحساس بالامن الشخصي.

          أحد المحللين المعروفين في الطرف الفلسطيني روى لـ “هآرتس” بانه لا يرغب أي فلسطيني في العودة مرة اخرى الى المكان الذي كان فيه قبل عقد من الزمان. “لا نريد السماع عن انتفاضة ثالثة. فقد عانى الجمهور جدا من الانتفاضة الثانية، فلماذا يسعى الى العودة الى هناك؟ الناس لا يريدون أن يروا أبناءهم يقتلون مرة اخرى أو يصابون”، يقول. وبالفعل، هذا الاسبوع أيضا كان من الصعب عدم أخذ الانطباع بالاستقرار الاقتصادي النسبي، وبالاساس الامني، في الضفة. ومع أن الازدهار الاقتصادي الذي ميز 2008 – 2009 قد اختفى، وفي السنوات الاخيرة حل محله ابطاء كبير في النمو، الا أن الزخم العقاري بقي وليس أقل اهمية – الهدوء بقي. فلا وجود للمسلحين في الشوارع ومن الصعب عدم التأثر بالسيطرة النسبية التي تثبتها السلطة الفلسطينية على الارض.

          في الليلة ما بين الثلاثاء والاربعاء توفي محتفظ جنين، قدورة موسى، بعد أن أصيب بنوبة قلبية في أعقاب اطلاق النار على منزله. ظاهرا، هذا بالذات دليل على ضعف قوة السلطة. ولكن يدور الحديث أغلب الظن عن آثار حدث آخر وقع قبل اسبوعين من ذلك، أثبت تصميم السلطة على معالجة حالات خرق القانون. في ذاك الحدث في شمالي جنين، حاصر أفراد من الشرطة الفلسطينية بيتا اختبأ فيه مجرم فار، وقتلوه بعد أن فتح النار عليهم. التقديرات هي أن مطلقي النار نحو بيت المحافظ هم ابناء عائلة المجرم القتيل. جنين – حتى بعد موت المحافظ – تبقى تعطي مثالا عن ثمار الهدوء الامني: في كل يوم يدخل الى المدينة الالاف من العرب من اسرائيل، معظمهم لاغراض تجارية.

          كما أن التعاون الامني في الضفة مع الطرف الاسرائيلي يحافظ عليه بتزمت: يوم الثلاثاء دخل بالخطأ خمسة جنود الى بلدة سلفيت الفلسطينية، وقوات امن السلطة اخرجوهم من هناك بسلام. وفي الغداة ضل الطريق ثلاثة جنود ودخلوا الى قلقيلية، وفي هذه الحالة ايضا حرصت أجهزة الامن الى اعادتهم الى الطرف الاسرائيلي دون ضُر. وبالتوازي تواصل قوات الامن الفلسطينية تسليم الجيش الاسرائيل وسائل قتالية كانت تعود الى منظمات الارهاب أو فقدها جنود الجيش الاسرائيلي في الميدان.

          مصدر فلسطيني كبير روى هذا الاسبوع لـ “هآرتس” بان محافل الاستخبارات الفلسطينية اعتقلت مؤخرا في رام الله خلية خططت لاختطاف جنود أو مستوطنين. كما أنه رغم الاحاديث عن المصالحة بين فتح وحماس، يتبين أن الاجهزة واصلت في الاشهر الاخيرة ايضا العمل ضد حماس والجهاد الاسلامي واعتقال رجالهم. وطالما كانت السلطة ورئيسها محمود عباس (ابو مازن) يحرصان على صيانة الهدوء في الميدان، من الصعب أن نرى الشارع يخرج للتظاهر ضد الاحتلال الاسرائيلي.

          من الصعب القول اذا كان للانقسام بين فتح وحماس دور في انعدام مشاركة الجمهور في المظاهرات. بعض المحللين يدعون بان لا صلة لهذا بذاك، ولكن آخرين يدعون بان الشرخ يلعب دورا مركزيا في عدم اكتراث الجماهير. وعلى حد قولهم، فان للمواجهة بين المنظمتين دور في احساس خيبة الامل والتعب في الشارع الفلسطيني من صراعات لا معنى لها، في الوقت الذي تنشغل فيه قيادتهم السياسية في المناوشات الحزبية.

          مسؤول فلسطينيي كبير قال لـ “هآرتس” ان كل مساعي الوساطة بين الطرفين توقفت وان المصالحة ليست واقعية في هذه المرحلة. في هذه الاثناء حماس ومشعل ينشغلان بشكل عام في الحروب الداخلية للسيطرة في المنظمة. والجمهور الفلسطيني يقظ لما يجري من جدالات داخلية في حماس، ويبدو أن الامر يؤثر ايضا على المكانة الجماهيرية الآخذة بالضعف للمنظمة. في الانتخابات الاخيرة لاتحادات الطلبة في معظم الجامعات والكليات في الضفة، فازت فتح بأغلبية اكثر من 50 في المائة. ومع ان حماس فازت بتأييد ذي مغزى ولكنها لم تنجح في الفوز في  اي انتخابات.

          يمكن أن نجد غير قليل من أوجه الشبه بين الوضع الحالي والوضع الذي ساد في الضفة في ايار 2000، قبل بضعة اشهر من اندلاع الانتفاضة: انعدام الحل السياسي، استمرار البناء في المستوطنات، اضراب السجناء عن الطعام والاحساس بانه في الطرف الاسرائيلي لا يوجد شريك. الفارق الهام هو في الشكل الذي تعمل فيه السلطة ومعارضتها القاطعة لاستخدام العنف. ومع ذلك رغم أنه يوجد في اسرائيل من سيدعي بان الهدوء النسبي يثبت بان هذا النزاع يجب ادارته ولا سبيل الى حله، الا انه يجب ان نذكر هؤلاء بان الامكانيات الكامنة للاشتعال لا تزال موجودة. عملية ارهابية يهودية، أو حدث عنيف حول الحرم، فاذا بعدم الاكتراث الفلسطيني هو أيضا من شأنه أن يختفي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.