هآرتس - مقال - 3/7/2012 ليست تركيا ما اعتقدنا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – مقال – 3/7/2012 ليست تركيا ما اعتقدنا

0 116

بقلم: شلومو أفنيري

ينبع سلوك تركيا نحو اسرائيل ونحو سوريا من أنها ترى نفسها قوة من القوى الكبرى الاقليمية التي ينبغي ان يكون لها قدرها في تصريف شؤون المنطقة.

       تقود تركيا اليوم النهج الأكثر تشددا في مواجهة نظام بشار الاسد، وتدعو الى اسقاطه وتمنح المعارضة السورية والمنتفضين عليه ملجأ. وإن ردها الشديد على اسقاط سوريا للطائرة التركية يعزز موقفها الصارم ممن كان حتى الفترة الاخيرة حليفها في دمشق.

          تقتضي هذه المواقف تقديرا من جديد للتوجهات السائدة في اسرائيل نحو تركيا. ما الذي لم يُقل هنا عن رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان بعد أحداث القافلة البحرية التركية؟ قيل انه اسلامي متطرف ومناصر للفلسطينيين وعدو لاسرائيل ومعاد للسامية. وعُرض اردوغان على أنه العدو الثاني لاسرائيل بعد محمود احمدي نجاد. وانضمت الحكومة التي فشلت – مهنيا وسياسيا – في علاج القافلة البحرية الى غزة وورطت الجيش الاسرائيلي في قتل تسعة مدنيين أتراك، انضمت هي ايضا بصورة مباشرة وغير مباشرة، الى هذه الشيطنة كي تصرف شيئا من الانتقاد عليها.

          لكن الفحص عن المواقف التركية يفضي الى استنتاج مختلف وهو انه كما لم ينبع انتقاد تركيا لاسرائيل من موقف معاد لاسرائيل لا ينبع انتقادها لسوريا الذي هو أشد بأضعاف من موقف معاد لسوريا أو معاد للعرب، بل ينبع كلاهما من تصورها الحالي لنفسها باعتبارها قوة من القوى الاقليمية الكبرى. وقد طور هذا التوجه – الذي يمكن ان نسميه “عثمانيا جديدا” – وزير الخارجية التركي الحالي احمد داود اوغلو. وليس هو تعبيرا عن سياسة اسلامية بل محاولة لتعزيز المكانة الجغرافية السياسية الحالية لتركيا في المنطقة. وقد نبع موقف تركيا الى ان سقط الاتحاد السوفييتي، في الأساس من خشية التوسع السوفييتي، ولهذا كانت تركيا الكمالية عضوا مخلصا في حلف شمال الاطلسي. لكن أنقرة التزمت في حرب الخليج الثانية نهجا مستقلا جعل الغزو الامريكي للعراق صعبا.

          وتلخص جانب آخر من هذه السياسة – لم ينجح كثيرا – بشعار “صفر نزاعات مع الدول الجارة”: وقد أفضت هذه السياسة في العقد الماضي الى مصالحة سوريا الاسد والى محاولات مصالحة لم تنجح مع ارمينية واعتدال الموقف التركي من قبرص.

          بعد ان تبين ان الاتحاد الاوروبي لن يقبل تركيا مع سكانها المسلمين الكثيرين، بدأت أنقرة توجه سياستها نحو صوغ مكانتها المهيمنة في المنطقة، ومن هنا جاء موقفها المتشدد من اسرائيل في شأن القافلة البحرية؛ ومن هنا جاء التخلي عن نظام الاسد بعد ان رفض الاستماع الى النصيحة التركية بأن يجعل نظامه معتدلا ويكف عن قمع مواطنيه.

          والرسالة هي انه يجب على جارات تركيا ان تعتاد على حقيقة أنها ترى نفسها قوة اقليمية من القوى الكبرى ينبغي احتسابها واحترامها وعدم التحرش بها. وليس التحدي الذي في هذا الامر لاسرائيل سهلا، لكن ليس معناه مواجهة “معاداة الاسرائيلية”. هناك لاعبة جديدة قوية في المنطقة، فتركيا لم تعد دولة هامشية مهملة: فاقتصادها في نماء ونجح حزب العدالة والتنمية برغم جذوره الاسلامية في ان يضمن تفوقه على الجيش ذي التراث الكمالي العلماني. قد لا يكون الامر متأخرا الى الآن وتستطيع اسرائيل ان تغلق القضية المؤلمة، قضية “مرمرة” وان تتوصل الى تطبيع علاقات ما مع أنقرة: فربما يكون الوضع الحالي مريحا لتجاوز الفروق. ان تركيا المثابرة لن تختفي من الميدان وينبغي ان يؤخذ هذا في الحسبان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.