هآرتس - مقال - 3/6/2012 المؤبد للرئيس المخلوع - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – مقال – 3/6/2012 المؤبد للرئيس المخلوع

0 145

بقلم: آفي يسسخروف

يبدو أن القاضي رفعت ابن الـ 71، الذي يوشك على الاعتزال قريبا، أصدر قرارا يخدم بالشكل الافضل مصلحة الشعب المصري: الرئيس الذي اتهم بكل مشاكل مصر وإن كان سيمضي باقي حياته في السجن، ولكن بدون حكم الموت الذي كان سيخلف شرخا أعمق في المجتمع المصري الممزق.

       في المحكمة في القاهرة وإن كان سُمع أمس صوت النهاية اللاذع لولاية حسني مبارك كرئيس، الا أن الهزة التي بدأت في مصر في 25 كانون الثاني 2001 لا تزال بعيدة عن نهايتها. “باسم الله وباسم القانون العادل”، قال القاضي الرئيس احمد رفعت قبل لحظة من تبشيره الأمة المصرية والعالم بأسره بالحكم على “محمد حسني السيد مبارك”: المؤبد. وزير الداخلية حبيب العدلي تلقى عقابا مشابها، بينما كل المتهمين الباقين، بمن فيهم ستة كبار وزارة الداخلية، نجلا مبارك علاء وجمال، وكذا رفيقه ومستشاره السابق حسين سالم، برُئت ساحتهم.

          بعد وقت قصير من خروج مبارك في مروحية من المحكمة الى السجن الجديد الذي سيمكث فيه اصيب في قلبه، وفي ساعات المساء علم أن حالته مستقرة. الرجل ابن الـ 84، الذي عانى في السنوات الاخيرة من سرطان البنكرياس، اجتاز أمس أحد الايام الاكثر اهانة وقسوة في حياته. الصحافة المصرية تحدثت بتوسع كيف أنه استجدى الا ينقلوه الى الحبس في مزرعة طرة. محافل أمنية رسمية في مصر روت لوكالة “ايه. بي” للانباء بان مبارك رفض النزول من المروحية التي نقلته الى السجن الذي سيقضي فيه المؤبد. وعلى حد قولهم فقد انفجر بكاء وطلب ان يعيدوه الى المستشفى العسكري الذي نزل فيه حتى تلاوة قرار المحكمة. بعد نصف ساعة رضي مبارك ونقل الى عيادة السجن الجديد.

          قبل بضع ساعات من ذلك كان يبدو مبارك في حالة افضل. بداية ادخل الى قفص الاتهام في المحكمة نجلاه علاء وجمال، الذي قبل نحو سنة ونصف كان يذكر كخليفة في منصب الرئيس والان يبدو أنه فقد من وزنه. بعد ذلك ادخل الرئيس السابق في سرير بنظارات شمسية أخفت عينيه. ومع ذلك، بدا أن شعره لا يزال مصبوغا وممشطا. القاضي رفعت لم يوفر في الكلمات القاسية ضد مبارك ونظامه. “المتهم أدخل مصر الى ثلاثين سنة من الظلام الدامس، الاسود مثل ليل شتوي بارد”، هكذا وصف ايام مبارك في الرئاسة “والان نهضت مصر الى يوم مشرق”. وعلى حد قوله، ارتكب قادة الدولة جرائم فظيعة، تصرفوا كطغاة وعملوا بفساد. “ضميرهم مات، احساسهم تلبد وقلبهم سد”.

          في قاعة المحكمة كان يمكن رؤية مؤيدي مبارك من جهة ومعارضيه من جهة اخرى. بعد دقائق من نشر قرار المحكمة رفع بعضهم يافطات تقول: “حكم الله وحكم الشعب: الموت”. بعد بضع ثوانٍ اندلعت في القاعة مشادة جماعية بين المعسكرين، سرعان ما انتقلت الى خارج المحكمة. هناك اجتمع في تلك اللحظة مئات الاشخاص، بينهم أبناء عائلات القتلى، مؤيدو مبارك، صحفيون كثيرون وقوات الامن. بداية استقبل معارضو مبارك بتصفيق حاد قرار فرض الحبس المؤبد على الرئيس السابق. ومن كل صوب سمعت هتافات الفرح. وبعد أن اعلن القاضي رفعت عن تبرئة كل الآخرين جاء ايضا الرد المعاكس: عائلات القتلى رشقوا الاحذية والحجارة نحو الشرطة، الذين تجلدوا بداية ثم ضربوهم بالعصي لتفريقهم. وكلما مرت الساعات حتى انطلقت المزيد من ردود الفعل ضد قرار رفعت وبقدر أقل المؤيدة له. وقد وجد الامر تعبيره ايضا في عدد الذين أموا ميدان التحرير: المظاهرة التي بدأت ببضع عشرات من الاشخاص اتسعت الى الالاف ومنها الى مائة الف فأكثر.

          وعلى نحو مشبع بالمفارقة، فان هذا الحكم يقدم حقنة الدم التي ارادتها الحركات الاسلامية في مصر على  رأسها الاخوان المسلمين. عقوبة المؤبد لمبارك عشية الجولة الثانية من الانتخابات للرئاسة تخدم الحركة ومرشحها، محمد مرسي، لانها تسمح لها بالادعاء بأن أعداء الثورة يواصلون السيطرة على الدولة بل وحتى المحكمة، وأن “الثورة لم تنتهِ بعد”. وسيدعون في الايام القادمة بانه اذا انتخب خصمهم احمد شفيق للرئاسة فانه سيعفو عن مبارك لانه هو نفسه من فلول النظام القديم. وكما هو متوقع، أخرج الاخوان رجالهم أمس الى شوارع القاهرة، الاسكندرية ومدن اخرى. مرسي نفس شرح أمس بان “الثورة لم تنتهِ بعد ويجب الاستمرار فيها حتى تحقيق كل اهدافها. اطالب بمعاقبة كل الذين اطلقوا النار على ظهر المتظاهرين”. ووعد بالتأكد من أن تجرى محاكمة معادة “لمن قتل الثوار وأفسد الحياة السياسية”.

 وحتى بالنسبة لشفيق ليس هذا بقرار سيء. فقرار المحكمة سيشكل بالنسبة له حجة الغيبة في أن عصر مبارك انتهى بالفعل. ففي رد نشره شفيق على قرار الحكم قال ان المحكمة أثبتت بانه لم يعد هناك أحد في مصر يقف فوق القانون. عقوبة الموت ربما كانت ستساعد شفيق سياسيا بالذات، ولكن مشكوك فيه أن يكون الرجل الذي عرف مبارك عن كثب كان يريد أن يرى اعدام سيده السياسي سابقا. بقدر ما يبدو أن القاضي رفعت ابن الـ 71، الذي يوشك على الاعتزال قريبا، أصدر قرارا يخدم بالشكل الافضل مصلحة الشعب المصري: الرئيس الذي اتهم بكل مشاكل مصر وإن كان سيمضي باقي حياته في السجن، ولكن بدون حكم الموت الذي كان سيخلف شرخا أعمق في المجتمع المصري الممزق.

في ميدان التحرير بدا أمس متظاهرون باعداد لا نذكرها منذ زمن بعيد في المكان، في خليط من نشطاء الحركات السياسية الى جانب عائلات القتلى. يخيل أن غضب الجماهير لم يكن فقط بسبب قرار الحكم بل وايضا في ضوء ما يجري في ساحة الانتخابات للرئاسة والمنافسة المرتقبة بين “خلفاء مبارك” وبين “الاخوان المسلمين” الذين بمفاهيم عديدة سرقوا الثورة من رجال الميدان.

شكاوى الجمهور تركزت ليس فقط على عقوبة المؤبد لمبارك والعدلي، بل وبقدر اكبر على تبرئة كبار وزارة الداخلية. يدور الحديث عن بعض قادة أجهزة الامن الذين عملوا بالقوة لقمع المظاهرات في المدن المصرية. لشدة العجب مع أن الرئيس ووزير الداخلية الاسبق اتهموا بالمشاركة في قتل نحو 850 شخصا، فالناس الذين نفذوا ظاهرا أوامرهم برئوا من التهمة. أم أحد القتلى، خالد سعيد، قالت أمس لموقع انترنت صحيفة “الاهرام” انها توقعت أن يكون هذا قرار المحكمة وشرحت انه بعيد عن أن يكون مرضيا. وعلى حد قولها، اذا انتخب أحمد شفيق رئيسا فسيطلق سراح مبارك لكبر سنه وبدعوى حالته الصحية المتدهورة وبعد ذلك سيفرج عن العدلي. “ثمة حاجة الى ثورة جديدة، اكبر من الاولى”، اضافت، “علينا أن نقرر من معنا ومن ضدنا. محظور أن نعطي الثقة لشخص أو حركة ما، على رأسهم المجلس العسكري الاعلى والاخوان المسلمين”.

في هذه المرحلة من الصعب القول اي تأثير سيكون لـ “محاكمة القرن”في مصر على الحملة الانتخابية للرئاسة: هل مرسي سيعرف كيف يستخلص الربح الاقصى من مظاهرات أمس، أم أن شفيق سيلوح بقرار الحكم كي يدعي بان مصر القديمة قد انقضت الى الابد. في كل الاحوال، فان إدانة مبارك تشدد أكثر فأكثر كم هو الشرق الاوسط القديم قد مات: ابن علي الذي فر من تونس، القذافي الذي اعدمه الليبيون، صالح الذي اضطر للتخلي عن كرسيه في اليمن والان ايضا مبارك الذي سيتلقى ابتداء من اليوم ملابس السجين والرقم التسلسلي. يمكن فقط أن نتخيل الافكار التي مرت أمس على رأس الرئيس السوري بشار الاسد حين جلس لمشاهدة قرار الحكم على زميله السابق، السجين الاكثر شهرة في مصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.