هآرتس - مقال - 25/4/2012 الوهم المصري التركي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – مقال – 25/4/2012 الوهم المصري التركي

0 176

بقلم: تسفي برئيل

كانت اسرائيل تظن وهماً أن العلاقات مع مصر وتركيا ستبقى ثابتة مستقرة ما بقيت تشتري الغاز من مصر وتبيع تركيا المعدات العسكرية ونسيت الكرامة الوطنية لهاتين الدولتين.

       حوّل الاعتقاد الاسرائيلي العام الغاز من عنصر بلا رائحة  ولا لون الى رمز – ودعامة من دعائم النهضة الجديدة. فالغاز الاسرائيلي رمز الاستقلال، “استقلال الطاقة”، كما عبر رئيس الحكومة عن ذلك تعبيرا رياضيا. ولم يكن للغاز قط مكانة أعظم من مكانته الآن. وقد حظي الغاز هذا الاسبوع بدور تاريخي آخر، فقد اعتبر آخر حارس يحفظ السلام مع مصر. وقد أصبح أنبوب الغاز الذي كان يمنحنا الى ما قبل سنة كهرباء أرخص وأغنى أصحاب مشروعه، أصبح رمزا لاجراء تاريخي يثير الحماسة وآخر دعامة تُدعم بها اتفاقات كامب ديفيد. لكن هذا الرمز هدد هذا الاسبوع بأن يتبخر كعادة الاشياء المصنوعة من الغاز.

          ان تعجل عرض قرار الشركة المصرية على الغاء اتفاق الغاز على أنه “شأن تجاري” لا سياسي هو أفضل برهان على أن الحديث عن شأن سياسي سافر. لأن أنبوب الغاز قد أصبح رمزا في مصر ايضا كما هو في اسرائيل، فهو رمز تطبيع بغيض مع دولة محتلة، ورمز فساد سلطة مبارك الذي حصل ولداه بحسب الشبهات على رسوم تبلغ 2.5 – 5 في المائة من مقدار صفقة المليارات، ورمز عن اهمال مصالح الجمهور المصري الذي يدفع عن الغاز الذي يستهلكه ثمنا أعلى من ثمنه في اسرائيل. وهكذا تبنت ثورة شعبية لتغيير الحكم في مصر أنبوب الغاز ليصبح رمزا لعار وطني. تخشى اسرائيل من أنه لن يكون سلام بغير غاز مصري؛ ويقولون في مصر انه اذا وجد الغاز لاسرائيل فلن توجد الكرامة الوطنية.

          يُذكرنا “مقياس الغاز” بقدر كبير بالمقياس الذي استخدمته اسرائيل لتقيس مبلغ دفء علاقاتها مع تركيا. فما ظلت تركيا تجري شراءا عسكريا كانت اسرائيل تعتقد أنه لا يوجد شيء يستطيع أن يشوش على علاقاتها بـ “أختها” التركية. وقد وقع الغضب العام في تركيا على اسرائيل جراء قضية القافلة البحرية والغضب على سياستها في غزة على أذن اسرائيلية صماء بازاء كتاب الابتياع السمين للجيش التركي.

          تحولت اسرائيل عما كانت عليه بازاء مصر وتركيا. فقد قدرت وما تزال تُقدر ان هاتين الدولتين متعلقتان كثيرا بالاختراعات الاسرائيلية أو بالايرادات من الغاز وبقدرة اسرائيل في الأساس على صوغ سياسة الولايات المتحدة نحوهما الى حد أنهما توافقان على تجاهل سياستها في المناطق والتخلي عن كرامتهما واغلاق فمهما.

          فضلت اسرائيل ان تنسى ان علاقاتها مع تركيا قامت بجانب المصالح الاستراتيجية على تقدير لجوهر دولة اسرائيل، وأيدتها العلاقات التي نشأت بين الجمهورين الاسرائيلي والتركي. ولم تقم علاقات مصر مع اسرائيل على النفط أو الغاز بل بدأت تتطور فقط بعد ان أعادت مصر لنفسها، بحسب تصورها، كرامتها بحرب يوم الغفران. لكن مصر وتركيا ايضا لم تتخليا قط – لا مقابل الغاز ولا مقابل المعدات العسكرية – عن طموحهما الى اقناع اسرائيل بادارة سياستها بصورة تُمكّنهما من الحفاظ على علاقاتهما معها من غير ان تضر هذه العلاقات بعلاقاتهما مع مواطنيهما ومع دول المنطقة. واسرائيل التي رأت هذه العلاقات شهادة إحلال لاستمرار سياستها في المناطق، عاشت في وهم ان مقياس المال سيجيب عن كل شيء.

          ان هذا الوهم أخذ يقلص قاعدة العلاقات الى اشياء معدنية والى سوائل مشتعلة والى مركبات بصرية طمست الى درجة العمى على الحاجة الى قلب الترتيب ببناء علاقات صلبة على أساس سياسة حكيمة من اجل خدمة الاتفاقات التجارية لا العكس. وعندما صحت اسرائيل من مخدرها تبين لها متأخرة بالطبع، ان الأوغاد غيروا قواعد اللعب، وأصبح لتركيا فجأة “كرامة”، ومواقف مبدئية من مسألة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني ولها سياسة مستقلة، وأن مصر لا تخشى الغاء معاهدة. والحقيقة انه لم يتم نُكث أي قاعدة من قواعد اللعب، لكن اسرائيل هي التي لاعبت نفسها.

          من حسن الحظ ان السياسة – بخلاف الحكمة – مسألة يمكن التراجع عنها. فاذا كانت اسرائيل خشيت هذا الاسبوع خطر تبخر اتفاق السلام مع مصر كالغاز، واذا كانت أحشاؤها تتقلب بسبب العلاقات المتحجرة مع تركيا، فانها تستطيع ويجب عليها ان تغير تصورها العام الذي يقول ان الاستقلال وحرية الاحتلال هما مفهومان متطابقان، لكن ليس الحظ هو الذي يعوزنا هنا بل الحكمة هي التي غابت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.