هآرتس - مقال - 15/3/2012 وضع الاسد صعب ولكن مستقر - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – مقال – 15/3/2012 وضع الاسد صعب ولكن مستقر

0 401

بقلم: تسفي بارئيل

سوريا دخلت الان في سنة ثانية من الثورة، فيما ان نظام الاسد متشقق، ولكنه ليس متحطما. بعيد عن ذلك. طالما هذان الخللان، ايران وروسيا، يقفان الى جانبه، وطالما العائلة تسيطر على الجيش والجيش يدعم العائلة، فانه حتى لو انصرف الاسد بشكل شخصي، فان النظام سيبقى على حاله.

          “رغم أن الظروف عندنا أصعب بكثير مما في معظم الدول العربية، الا ان سوريا مستقرة. لماذا؟ لان عليك أن تكون متصل جدا بثقة الناس. هذا هو لب الموضوع. عندما تكون فجوة بين سياستك وبين مصالح وثقة المواطنين ينشأ فراغ يخلق اضطرابات. المواطنون لا يعيشون فقط على المصالح، بل لديهم ايضا معتقدات، ولا سيما في مناطق جد ايديولوجية”. عندما بسط بشار الاسد بتوسع فكره في مقابلة مع “وول ستريت جورنال” في كانون الثاني 2011، كان الرئيس التونسي قد أصبح لاجئا في السعودية، مر 11 يوما آخر قبل ان يعلن مبارك اعتزاله، والقذافي كان يدير حربا شديدة ضد معارضيه – وفي سوريا ساد هدوء نسبي. جزيرة استقرار، أتاحت للاسد التنبؤ بان سوريا ستبقى بلا اهتزاز. بعد شهر ونصف من نشر المقابلة، في 15 اذار، اشتعل الانفجار الكبير في مدينة درعا، في جنوب الدولة وفي مدينة الحسكة في الشمال، انفجار شكل بداية سنة الثورة السورية.

          المقدرون والمحللون تنبأوا بان سوريا تسير في طريق مصر، تونس وليبيا وان أيام الاسد معدودة. كما كانت أيضا توقعات اكثر دقة، ادعت بانه في غضون أسابيع أو في غضون شهرين في الحد الاقصى سيسقط. التوقعات، كما هو معروف، انهارت. الاسد لا يزال يحكم في الدولة، ومعظم جيشه معه؛ النخبة التي تقود ترص الصفوف حوله؛ عدد الفارين، الذي يقدر بـ 30 – 40 ألف جندي، بينهم جنرالات قليلون وعشرات الضباط الصغار لا يهدد القوات النظامية لسوريا؛ والاسناد السياسي الذي يحظى به الاسد من روسيا، الصين وايران، يصد في هذه الاثناء مبادرة الهجوم العسكري الخارجية على نظامه.

          ما نجحت المواقع الافتراضية – الفيس بوك، اليو تيوب والمدونات – في احداثه في مصر وفي تونس، لا يحصل حاليا في سوريا. المعلومات تتدفق الى الخارج بوفرة: أفلام قصيرة يظهر فيها اطفال مذبوحون، جثث نكل بها جنود الجيش السوري، تقارير عن أعمال اغتصاب وحشية واحراق منازل ومتاجر، تصل في الزمن الحقيقي الى كل العالم. ولكن هذه المعلومات لا تنجح في أن تنتزع اكثر من بيانات الشجب، الانتقاد اللاذع وبضع مؤتمرات لاصدقاء المعارضة.

          لماذا تختلف سوريا عن ليبيا؟ لماذا ليست الدول الغربية ومعظم الدول العربية غير مستعدة لان تخرج في هجوم ضد النظام؟ الفارق الاساس يكمن في وضع سوريا الاستراتيجي كحليفة لايران وروسيا. مصادر الادارة الامريكية شرحت قبل بضعة اسابيع لـ “هآرتس” بان التخوف الاساس من هجوم في سوريا هو من رد ايراني في الخليج الفارسي. “يكفي ان تفتح ايران النار على أهداف في البحرين او الخليج كي تثير أزمة دولية وتصرف المعركة من سوريا الى الخليج”، يقول دبلوماسي امريكي يعمل في الشرق الاوسط منذ سنوات عديدة.

          ليس مهددا بقدر أقل هو انعدام اليقين الذي يلف رد فعل روسيا. روسيا تشعر انها خدعت في حالة ليبيا. وذلك لانه في البداية قرر مجلس الامن اقامة منطقة حظر جوي بدعوى انسانية، يرمي ظاهرا الى مساعدة اللاجئين الليبيين في الحصول على مأوى. ولكن هذا القرار ترجمته على الفور قوات الناتو كتسويغ للشروع في هجوم واسع، تضمن أيضا قصف من الجو واستخدام الصواريخ الجوالة. روسيا حيدت عمليا من المعركة في ليبيا وفقدت الفرصة للارتباط بالنظام الجديد. دروس ليبيا وضعت روسيا في رأس المعارضين لعملية عسكرية في سوريا. هذا الموقف ترافق ومظاهرة علنية لمساعدة لوجستية للاسد، من خلال ارسال السفن الى ميناء طرطوس في سوريا، حيث تحتفظ روسيا بقاعدة بحرية، والتصريحات الكفاحية التي بموجبها لن تسمح بهجوم عسكري على سوريا.

          يكفي هذان التهديدان، الايراني والروسي، كي تفهم دول الناتو ودول الاتحاد الاوروبي على حد سواء بانه مقارنة بالقذافي، الذي لم يكن له أي اسناد استراتيجي من قوة عظمى، فان الاسد، الضعيف من ناحية عسكرية، عديم المقدرات الطبيعية التي تستحق القتال من أجلها، ودولته تقف على شفا الافلاس – من شأنه أن يكون الرفاص الذي يحدث حربا اقليمية.

          ولكن ليس فقط السند الاستراتيجي له هو الذي منع سقوطه. فحتى الاسناد الذي منحته الدول العربية للغرب للهجوم على القذافي تمنعه الان. كان هذا قرار الجامعة العربية بالتوجه الى مجلس الامن لفرض مناطق حظر طيران في ليبيا، هو الذي هيأ الطريق للهجوم. ولكن في الحالة السورية، أبدت معظم الدول العربية ترددا متواصلا. الامين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، تبنى في البداية موقف الاسد في أنه يقاتل ضد عصابات مسلحة هدفها اسقاط الحكم. مرت اشهر عديدة الى أن اقتنعت معظم الدول العربية بان الحديث يدور عن مذبحة ممنهجة، وحتى تشرين الثاني 2011، بعد تسعة اشهر تقريبا من بدء الاحتجاج في سوريا، قرر وزراء خارجية الجامعة العربية تعليق عضوية سوريا في المنظمة وفرض عقوبات عليها. اليوم ايضا، حين تتعاظم حجوم المذبحة كل يوم، فان فقط السعودية، قطر والكويت تطالب بارسال قوات اجنبية أو عربية الى سوريا.

          فلماذا في ليبيا أيدت عملية عسكرية بينما بالنسبة لسوريا تتردد. يبدو ان السبب في ذلك هو درس الثورات مثلما يفهم في قسم من الدول العربية. بينما مصر لا تزال تبحث عن طريقها نحو المرحلة الديمقراطية التالية، ومستقبلها يوجد في يد الاخوان المسلمين؛ وعندما تكون ليبيا ممزقة بين اقاليمها الشرقية والغربية وبين عصابات تحاول السيطرة على اجزاء من المدن؛ وعندما تنفجر في اليمن عبوات جانبية والحرب ضد القاعدة ينفذها الامريكيون، فليس ملحا للدول العربية اعطاء تسويغ لاسقاط نظام آخر بديله ليس معروفا.

          هنا يكمن عائق عميق يميز بين ليبيا وسوريا. في ليبيا تبلورت منذ المراحل الاولى للثورة معارضة قوية، مع قيادة وجيش. تفكك الجيش الليبي كان سريعا، وخليط من الاتفاق بين المواطنين، المقاتلين ومجموعة من الزعماء، سمح للدول العربية وللغرب بان تحدد بديلا حقيقيا للحكم.

          اما المعارضة السورية فلا تزال بعيدة عن النموذج الليبي. الجيش السوري الحر، الذي يحتفظ بكتائب في كل المدن الكبرى لسوريا، ليس مسلحا مثل المعارضة الليبية: عدد دباباته قليل، واساس سلاحه الرشاشات، البنادق وقاذفات القنابل. ومع أنه يتلقى مساعدات مالية من السعودية وقطر الا انه يجد صعوبة في الحصول على السلاح ونقله الى داخل الدولة. والاهم من ذلك فان ليس كل الفارين والمسلحين انضموا الى صفوفه. بعض الفارين انضموا الى الجنرال مصطفى الشيخ، الذي أقام مجلسا عسكريا خاصا به وينفذ اعمال مستقلة. هاتان القوتان العسكريتان (اللتين انضمت اليهما ميليشيات قبلية) ليسا بتنسيق مع المعارضة المدنية، المجلس الوطني السوري، الذي يتخذ من خارج الدولة مقرا له، والذي في داخل صفوفه ايضا لا يسود الانسجام.

          النتيجة هي أنه مقارنة مع ليبيا، مصر وحتى اليمن الذي وضع بديلا سلطويا معروفا، ليس في سوريا هيئة او شخص يمكنهما أن يعتبرا بديلا. النتيجة هي انه حتى لو وافقت الدول العربية على استدعاء قوات الغرب للهجوم في سوريا، وحتى لو تلقت الدول الغربية الدعوة واسقطت الاسد، فستكون حاجة الى تعيين حكومة مؤقتة: وذلك، حيث لا يوجد لاي جهة فكرة اذا كانت هذه ستكون عملية مشابهة للعراق أو شبه افغانستان، النموذجين اللذين لا تتحمس أي دولة لرؤيتهما.

          سوريا دخلت الان في سنة ثانية من الثورة، فيما ان نظام الاسد متشقق، ولكنه ليس متحطما. بعيد عن ذلك. طالما هذان الخللان، ايران وروسيا، يقفان الى جانبه، وطالما العائلة تسيطر على الجيش والجيش يدعم العائلة، فانه حتى لو انصرف الاسد بشكل شخصي، فان النظام سيبقى على حاله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.