هآرتس: مرحلة خفض التوقعات، ايران لا تستسلم والجمهور لا يخرج الى الشوارع
هآرتس 13/3/2026، عاموس هرئيل: مرحلة خفض التوقعات، ايران لا تستسلم والجمهور لا يخرج الى الشوارع
حسب الخطة الاصلية، مثلما كشف وزير الدفاع يسرائيل كاتس في هذا الأسبوع، كانت النية هي مهاجمة ايران في حزيران. بعد الحرب الأولى التي استمرت 12 يوم مع ايران في حزيران الماضي، تفاخر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بنجاحه في إزالة تهديدات وجودية مباشرة – تدمير إسرائيل بواسطة السلاح النووي، والتدمير بواسطة 20 ألف صاروخ بالستي. وأوضح نتنياهو في حينه “لقد حققنا نصر تاريخي سيستمر لاجيال”. واعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن القضاء الكامل على المشروع النووي الإيراني.
في الواقع كان الخبراء في الدولتين على دراية تامة بذلك. وأوضحوا في حينه بان هذا الكلام لا أساس له من الصحة، وقد تسبب المس بالمشروع النووي، لا سيما القصف الأمريكي للمنشأة تحت الأرض في فوردو، واغتيال إسرائيل لكبار مسؤولي المشروع، بضرر كبير لإيران. ولكن هناك قضية شائكة أخرى تتمثل بكمية الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، التي وزعتها ايران على ثلاثة مواقع محصنة. والعجز عن تدميرها ابقى ايران على مسافة غير بعيدة عن انتاج سلاح نووي بدائي. مع ذلك، بعد أسابيع قليلة على انتهاء القتال، تبين ان ايران قد استانفت برنامج الصواريخ البالستية وزادت من وتيرة انتاجها. ونتيجة لذلك فهي ستمتلك في غضون سنتين تقريبا آلاف الصواريخ التي يمكنها ضرب إسرائيل.
لقد بدأ الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي الاستعداد لهجوم مماثل. لم يظهر ترامب سوى اهتمام محدود بالامر الى حين اندلاع الاحتجاجات في ايران في بداية كانون الثاني الماضي. وبعد نجاحه في فرض تغيير الحكم في فنزويلا زاد اهتمام الرئيس الأمريكي بالامر. وكان من وراء ذلك الرغبة في السيطرة على أجزاء رئيسية من سوق النفط العالمية وترسيخ مكانة بارزة في التنافس على النفوذ مع الصين. لقد وعد ترامب المتظاهرين في ايران بان “المساعدة قادمة”، لكنه واجه صعوبة في الوفاء بوعده في الوقت المحدد. في الواقع تمت إبادة وذبح المتظاهرين بالآلاف على أيدي زعران النظام في الشوارع. وحتى عندما اقتنع الرئيس بالتحرك في 14 كانون الثاني، قام بتاجيل الهجوم بستة أسابيع من اجل تنفيذ خطة طموحة اكثر.
مع ذلك، يبدو انه رغم التنسيق غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتقدم الكبير الذي احرزه جيش الدولتين في تحديد الأهداف ومهاجمتها، الا أن الخطة لم تكن قد اكتملت بعد. فقد انطلقت الدولتان مع الادراك بان بعض اهداف العملية ستكون صعبة على التحقق، وانهما ستحتاجان الى بضعة اشهر أخرى من الاستعداد الدقيق حسب الجدول الزمني الأصلي.
على وجه الخصوص استند أمل اسقاط النظام الى تفكير متفائل جدا: اذ كان الاعتقاد ان الضرر الذي سيلحق بأجهزة القمع في الجمهورية الإسلامية (الباسيج، الامن الداخلي، الشرطة والحرص الثوري) سيكون كبير جدا الى درجة ان الجمهور في ايران سيخرج مرة أخرى الى الشوارع لاعطاء صرح النظام المتداعي الدفعة الأخيرة والضرورية لسقوطه. وبدلا من ذلك يهدد النظام باطلاق النار على الفور على أي متظاهر يشارك في الاحتجاج. وبعد أسبوعين على اندلاع الحرب لم يتم استئناف الاحتجاج بعد (حتى مساء أمس).
كان الامل الذي تبدد معلق على الاكراد. فمنذ ستينيات القرن الماضي يتم نشر تقارير عن علاقات وثيقة بين الاستخبارات الإسرائيلية والأقليات التي تنتشر في ايران، العراق، تركيا وسوريا. لطالما ادعى الإيرانيون، حتى في السنوات الأخيرة، فان كردستان العراق على الحدود الشمالية الغربية لإيران، تستخدم كقاعدة متقدمة للعمليات الإسرائيلية.
قبل أسبوع تقريبا ظهرت في قنوات التلفزيون في إسرائيل نظرية مؤامرة حول معجزة كان من المفروض ان تحدث في القريب: نزول شركاؤنا الاكراد الشجعان من الجبال واشعال شوارع المدينة بالنار وتحفيز المتظاهرين على اقتحام النظام مرة أخرى. البعض تحدثوا عن مناورات تشبه مناورات جيمس بوند، من شانها ان تفاجيء السلطات الإيرانية. في غضون ذلك لم يتحقق أي شيء من ذلك. ويبدو ان خلافات شديدة تتصاعد، وبشكل ملحوظ، بين أجهزة المخابرات. بالمقارنة مع حرب الـ 12 يوم نحن لا نسمع أي شيء عن إنجازات أجهزة الاستخبارات ونجاحها. حاليا يقتصر الامر على استعراض القوة الجوية والاستخبارات العسكرية في الدولتين.
يتمتع الرئيس ترامب بشكل عام بحس سليم – مهما كان تعريفه – في التعامل مع المنظمات الإرهابية والطغاة، الذين حسب رايه، يهددون مصالح الولايات المتحدة والسلام العالمي (موقفه من روسيا والصين سلبي جدا بالطبع). بالمقارنة مع اسلافه جو بايدن وبراك أوباما، يبدو ان ترامب مصمم اكثر على اظهار القوة العسكرية لبلاده وعدم التردد في استخدام القوة ضد من هم أضعف منه. وحسب وجهة النظر الإسرائيلية ينعكس هذا إيجابا في موقفه من ايران، حماس وحزب الله. لكن الحرب الجديدة تظهر أيضا عيوبها. فقد ذكرت وسائل الاعلام الامريكية بان ترامب تجاهل قبل شن الهجوم التحذيرات من ان الهجوم لن يؤدي الى تغيير النظام (الامر الذي لم يتم الإعلان عنه كهدف رسمي للحرب). وعند اندلاع الحرب بدأ في اطلاق تصريحات لانهائية، ويناقض نفسه ويحدث فوضى عارمة، ويثقل على كاهل فريقه المقرب من المستشارين باعباء العمل في محاولة التوسط في عدة نزاعات دولية في نفس الوقت، والمكافحة لفهم التفاصيل، ويفتقرون أحيانا للمعرفة والخبرة المطلوبة لاقتراح حل.
اما بالنسبة للحرب نفسها فيمكن ملاحظة نمط متكرر، مشترك بين الطرفين الإسرائيلي والامريكي. تبدأ الحملة بمفاجأة بفضل تخطيط واعداد محكم، يحث تدرك الجيوش الغربية تفوقها التكنولوجي والقوة الجوية وجمع المعلومات الاستخبارية، لكن سرعان ما يتبين ان للعدو خطط أيضا. فينجح في توسيع نطاق الحملة وجعلها اكثر ضراوة. وتواجه إسرائيل والولايات المتحدة صعوبة في انهائها في وقت معقول. والنتيجة هي صراع طويل الأمد وتفاقم الاضرار على الجبهة الداخلية في إسرائيل وفي دول الخليج في مواجهة خصم قوي نسبيا (ايران) وخصم آخر اقل ضعفا مما اعتقدوا في البداية (حزب الله).
ترامب سيقرر كيف ومتى سينهي الحملة في ايران. ولكن لبنان قد يبقى جبهة مفتوحة، حيث يتحدى حزب الله إسرائيل من جديد بعد سنة وثلاثة اشهر من الامتناع عن ذلك، منذ وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024. الحرب الجديدة ستكلف الاقتصاد عشرات مليارات الدولارات. ونتنياهو يمرر الميزانية بسرعة، بينما يرضي شركاءه الحريديين ويستجيب لابتزازهم ويعلن عن زيارة كبيرة لميزانية الدفاع التي يقول الجيش الإسرائيلي بطبيعة الحال بانها غير كافية.
لقد تم تعلق الإجراءات القانونية في قضية رئيس الحكومة. ويكرس ترامب كل جهوده لمحاولة الغاء محاكمته. في غضون ذلك يعودون المواطنين في إسرائيل على واقع التهديد المستمر للجبهة الداخلية، الذي يوصف بانه قدر مصيري. ويوصف كل من يتجرأ على طرح الأسئلة بانه يساري ضعيف ومرتبك ولا يعرف خطورة الموقف وندرة الفرصة التاريخية.
حرب الناقلات 2
كان اغلاق مضيق هرمز والتقارير الواردة عن زرع الغام يمكن أن تعيق حركة السفن والناقلات فيه، الحدث الأبرز في الحملة في هذا الأسبوع. ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد وأعربت إدارة ترامب عن القلق الكبير من ان يؤدي ارتفاع الأسعار على المستهلك الأمريكي الى مزيد من تراجع الدعم الشعبي للحرب وتشويه شعبية الرئيس. ويمكن للحوثيين في اليمن، الذين لم يدخلوا الى المعركة بعد، تعطيل حركة الملاحة في ممر آخر للملاحة عبر مضيق باب المندب.
وصرح البروفيسور شاؤول حوريف، مدير معهد السياسة والاستراتيجية البحرية، لـ “هآرتس” بان تحركات ايران تعتبر عودة الى “حرب الناقلات” التي شنتها في الخليج الفارسي ضد الولايات المتحدة في نهاية الحرب بين ايران والعراق في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ووفقا له فقد أدى هذا الاجراء بالفعل الى زيادة رسوم التامين على ناقلات النفط التي تريد الإبحار عبر مصر بـ 12 ضعف. وكان لذلك نفس الأثر على أسعار النفط. “لقد ادركوا ان هذه قدرة غير متكافئة. ويمكن للطرف الضعيف استغلالها ضد نقاط ضعف الغرب”. مسؤول امني إسرائيلي اعترف أمس بان “الإنجازات العملياتية ضد الصواريخ والسلاح النووي لا تشير في هذه المرحلة الى اقتراب انهاء الحرب وقال ان هذا الامر يعتمد كليا على انطباع ترامب. واقترح خفض التوقعات بشان فرصة اسقاط النظام في ايران والتركيز على ما وصفه بأنه اكثر قابلية للتحقق – اتفاق يمكنه حل مشكلة الـ 440 كغم يورانيوم وفرض قيود صارمة. يواجه الإيرانيون قيود صارمة في السعي الى الحصول على السلاح النووي. “في غضون ذلك واجهنا ازمة طاقة، وواجهنا مشكلة مع لبنان. لقد نشات هنا معضلة تحتاج الى حل، وللأسف، فان الامل باسقاط النظام لا يؤدي سوى الى حرف الانتباه عن القضايا الأكثر الحاحا على جدول اعمال الحرب”. الشخص الذي كان من شانه ان يساعد نتنياهو على حل هذه المعضلة هو الوزير السابق رون ديرمر، احد معاونيه الذي عاد الى نشاطه الكثيف خلال الحرب بعد اشهر قليلة على استقالته.



