ترجمات عبرية

هآرتس: للحفاظ على صورة الإنسان حتى عندما يغلي الدم

هآرتس 11-10-2023، بقلم ميخائيل سفارد: للحفاظ على صورة الإنسان حتى عندما يغلي الدم

نفذت حماس يوم السبت جريمة حرب مثيرة للاشمئزاز ولا تغتفر. العيون تشاهد والقلب لا يصدق بأن بني البشر يمكنهم القيام بوحشية كهذه. مذبحة لا يمكن استيعابها نفذت بمئات المدنيين في بيوتهم وفي موقع احتفال واختطاف مدنيين وأولاد وشيوخ والتنكيل النفسي السادي بعائلات اختفى أعزاؤها. الحقيقة أن الأمر يتعلق بجريمة ضد الإنسانية، جريمة ضد كل شيء إنساني. كل واحد منا يعرف شخصاً ممن قتلوا أو ممن تم اختطافهم أو ممن تضررت عائلاتهم. عشرات آلاف الإسرائيليين سيعيشون في السنوات القادمة وهم يحملون في أنفسهم أضراراً شديدة، بعضهم سيحملون صدمة المعركة، وبعضهم سيحملون آثار ما بعد الصدمة. الفظائع لا تستوعب، وإذا كان هناك محتوى يعبر عن فقدان الشخصية الإنسانية فإن أفلام الفيديو التي تتدفق من غلاف غزة تعبر عن ذلك بقوة.

لكن قوانين الحرب لم تعدّ فقط لأوضاع يكون فيها الدم بارداً، ولأوضاع ليس فيها غضب مبرر وتوق للانتقام المفهوم. قوانين الحرب هي تنازل من قبل الإنسانية عن فكرة الحظر المطلق لاستخدام القوة، تنازل عن رؤية سلمية مقابل تبني مقاربة تحدد قواعد إنسانية أساسية وقيوداً على المس بالمدنيين. ولكن في الأيام التي مرت منذ المذبحة في غلاف غزة، تزداد وتتراكم تصريحات من رؤساء الدول، التي تدل على أن إسرائيل تتبنى بشكل رسمي سياسة حربية أساسها خرق قوانين الحرب بحجم واسع أمام ملايين السكان في غزة. لدولة إسرائيل حق الدفاع عن نفسها وعن مواطنيها. فقد هوجمت بوحشية، وهي ملزمة بفعل المطلوب لإعادة الأمن، لكن بحدود القانون الدولي.

وزير الدفاع، يوآف غالانت، أعلن: “سنفرض حصاراً تاماً على مدينة غزة، لا كهرباء ولا غذاء ولا مياه ولا وقود. كل شيء سيغلق”. أقواله هذه والنغمة التي قيلت بها تفترض أن وزير الدفاع يعطي تعليمات للجيش الإسرائيلي بتبني أسلوب القتال الذي يشمل تجويع سكان القطاع وتعطيشهم. لا يوجد سياق فيه مثل هذه العملية يمكن أن تكون قانونية أو أخلاقية. وحتى الحصار الذي هو استراتيجية عسكرية قد تكون قانونية في ظروف معينة، لا يشمل منع وسائل الحياة عن المواطنين الموجودين في المنطقة المحاصرة، ويقتضي السماح لهم بالخروج منها.

المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، دانييل هاجري، اقتبس وهو يتحدث عن مئات الأطنان من القنابل التي ألقيت على غزة لأن “التركيز هو إلحاق الضرر وليس الدقة”. القتال، بالأساس في منطقة مدنية، يستوجب -حسب القانون الدولي- اتخاذ أساليب حذرة تمنع المس بالمدنيين والأهداف المدنية بقدر الإمكان. وإذا كان التركيز، كما يتبين من أقوال هاجري، هو إلحاق أكبر قدر من الأضرار، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة، فمن الواضح أن الأوامر التي أعطيت لا تلبي واجب اتباع أساليب الحذر. سيتم التعبير عن الفرق بمئات المدنيين القتلى في القطاع، نساء وأطفالاً وشيوخاً، الذين هم غير مشاركين في القتال ويعيشون تحت سلطة حماس الدكتاتورية.

وكالة التنسيق الإنساني للأمم المتحدة نشرت أمس بأن 130 ألف غزي تم اقتلاعهم من بيوتهم وأن 400 ألف يعيشون في مناطق لا توجد فيها مياه بسبب ضرب البنى التحتية. خلال يوم أو يومين، فإن مليون شخص قد يجدون أنفسهم في الوضع نفسه. من الصعب عليّ تخيل ما الذي سيحدث في غزة إذا استمرت القيادة الإسرائيلية في قرار تجاهل المحظورات المحددة في قوانين الحرب. ولكن جرائم الحرب لا ترتكب فقط على يد من يحمل الكلاشينكوف على تندر تويوتا، بل ترتكب أيضاً من غرفة العمليات في الكرياه (مقر وزارة الدفاع) أو من كرسي الطيار في الطائرة أو في المروحية القتالية. تعتبر الوحشية في نظرنا مختلفة عندما لا ينظر من يرتكبها في عيون ضحيته. ولكن ألم فقدان الأب والأم والابن والأخ والأخت والزوج والزوجة لا يختلف.

في السابق ادعت منظمات مثل “نحطم الصمت” بأن أوامر إطلاق النار وسياسة إطلاق النار في غزة هي أوامر متساهلة وتسمح بإلحاق الضرر الكبير بالمدنيين (بالمناسبة، أنا أعمل مستشاراً قانونياً في هذه المنظمة). “نحطم الصمت” لم تنسب للجيش نية المس بالمدنيين، بل الإهمال والتفضيل المطلق لأمن القوات المحاربة على المدنيين في مناطق القتال. هذه ادعاءات تم نفيها بالكامل، ومن طرحوها اتهموا بكراهية إسرائيل وبالخيانة. الانطباع الآن هو أن ما تم نفيه في السابق أصبح سياسة رسمية.

من غير السهل على الإسرائيليين التفكير بحقوق سكان غزة في الأسبوع الذي ارتكبت فيه حماس جرائم لا يمكن استيعابها وفي الوقت الذي ما زال فيه المجتمع في حالة حداد وبكاء. ولكن كارثة غزة لا تنتظر أيام الحداد السبعة. لذلك، يجب القول إن دولة إسرائيل تحاصر ملايين الأشخاص في حصار وحشي منذ 15 سنة، وبدعم من الغرب كله. هذا أمر لا يمكن استيعابه وهو غير إنساني. ولا يوجد أي حل للنزاع الدامي لا يشمل في النهاية احترام حقوق جميع بني البشر، في غزة وفي “سديروت”، والعيش بأمان وكرامة. يبدأ هذا باحترام القواعد الأساسية لقوانين الحرب، التي استهدفت تقليص المس بالمدنيين.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى