ترجمات عبرية

هآرتس – كيف ساهمت موسكو وكييف في رسم خريطة اقتصادية جديدة للشرق الأوسط؟

هآرتس 12/4/2022 – بقلم: تسفي برئيل

اتفاقات التعاون الاقتصادي، واتفاقات التجارة التي وقعت الشهر الماضي بين إسرائيل والإمارات، والاعتراف المتبادل برخص السواقة ومنح تأشيرات دخول لثلاثة أشهر لمواطني الإمارات، كل ذلك يمكن أن يعطي فرع السياحة في إسرائيل زخماً مهماً. والانضمام المتوقع في حزيران لشركة الطيران الضخمة “الإمارات” لمنظومة الطيران إلى إسرائيل ومنها، واهتمام مستثمرين من الإمارات بإقامة ثلاثة فنادق في إسرائيل، قد يسهم في ترميم هذا الفرع.

سيُفتح أمام السياح الأثرياء الآن هدف جديد ومثير للاستطلاع، خاصة في ضوء أن لبنان، الذي كان هدفاً تقليدياً جذب الملايين من الخليج في فترة الصيف القائظ خلال سنين، اختفى من خارطة السياحة في الشرق الأوسط وفي العالم. وكلاء السفر ورجال أعمال من إسرائيل سيسعدون بالتأكيد عند قراءة البيانات التي نشرت الأسبوع الماضي في أبو ظبي، والتي تقول إن سياحاً من دول الخليج يتوقع أن ينفقوا أموالاً كثيرة في رحلاتهم القادمة تعويضاً عن فترة الإغلاق.

ويتوقع أيضاً ارتفاع معدل السياحة الخارجة من أبو ظبي، كما أن السياحة الداخلة المتوقعة تعرض رسماً بيانياً في حالة ارتفاع مثير للانطباع. في حين أن فرع السياحة العالمي تعرض لخسارة بمبلغ سبعة مليارات دولار بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، تحظى الإمارات بوجود الأوليغاركيين الروس، الذين يرسون اليخوت والطائرات الخاصة لهم في موانئ ومطارات دبي، ويحركون فرع العقارات في المنطقة، الذي تعرض في السنتين الأخيرتين إلى ضربة شديدة بسبب كورونا.

منذ بداية السنة، يبلغ وكلاء العقارات في أبو ظبي عن قفزة في عدد الصفقات، ويقولون إن أكثر من 60 في المئة من إجمالي الصفقات نفذها مشترون ومستثمرون غير محليين. هذه الزيادة الاقتصادية، التي تزيد تزامناً مع ارتفاع أسعار النفط والعقوبات على روسيا، قد تكون لها تداعيات سياسية مهمة.

       السياحة في تركيا ومصر تنهار

في تركيا القصة مختلفة في جوهرها؛ ليس بسبب ارتفاع التضخم أكثر من 60 في المئة في آذار، بل ثمة توقع بأن ترميم فرع السياحة يظهر إشارات على الانهيار. حسب البيانات التي نشرتها جمعية “مدراء أصحاب الفنادق في تركيا”، فإن فرع السياحة في الدولة قد يتعرض لخسائر تبلغ 50 في المئة من المداخيل مقارنة مع العام 2021، الذي لم يكن فاخراً بشكل خاص. بمفاهيم مالية، يتوقع أن يحصل فرع السياحة في تركيا على مداخيل بـ 15 مليار دولار مقابل 34 مليار دولار في السنة الماضية. وسبب ذلك أن جزءاً كبيراً من السياح الذين وصلوا إلى تركيا جاءوا من أوكرانيا (2 مليون)، وروسيا (4.7 مليون)، وهؤلاء لا يتوقع أن يذهبوا إلى رحلة في هذه السنة.

ثمة وضع مشابه يميز السياحة في مصر. فالسياحة هناك بدأت تنتعش في السنة الماضية، سواء بسبب اضمحلال كورونا أو لفتح الأجواء من روسيا في تموز الماضي. بعد أن قرر مشغلو الخدمات السياحية في الدولة إعادة تجنيد آلاف العمال عقب إلغاء حجوزات كثيرة وتوقع انخفاض جديد في المداخيل، نراهم الآن يعيدون تقييم نهجهم.

ليست السياحة وحدها هي التي تضررت في مصر، فميزانية الدولة تمر الآن في عملية إصلاح من أجل ملاءمتها مع حجم الأضرار المتوقعة للدولة في مجال الطاقة والغذاء. على سبيل المثال، أمرت الحكومة منتجين محليين للقمح ببيع جزء من محاصيلهم للحكومة بأسعار تحددها. الحكومة في مصر تعرض في الحقيقة أسعاراً مرتفعة نسبياً، لكنها بعيدة عن أسعار القمح العالمية. من سيبيعون 90 في المئة من محاصيلهم للحكومة، ستعرض عليهم الأسمدة بالمجان. وفي المقابل، تهدد بغرامات مرتفعة تصل إلى 6500 – 32 ألف دولار وسجن لمدة تصل إلى سنتين، التي ستفرض على من لا يوفر الحصة المطلوبة.

الحكومة في مصر فرضت سلسلة أحكام أخرى، منها تجميد توظيف موظفين جدد في الوزارات الحكومية، وفرض قيود على تصدير الحديد والإسمنت، وتجميد مشاريع جديدة، باستثناء مشاريع حيوية تستلزم مصادقة الوزير المسؤول. قطاع غزة الذي يستورد نصف كمية احتياجاته في فرع البناء من مصر يعاني هو الآخر من هذه القيود التي تفرض على تصدير مواد البناء. وأسهم ارتفاع أسعار مواد البناء مؤخراً في إبطاء خطة إعمار القطاع.

العاصفة التي أحدثتها الحرب تؤثر على كل الشرق الأوسط. لقد هبت لمساعدة مصر في بداية هذا الشهر ثلاث دول خليجية وهي قطر والسعودية والإمارات، التي اقترحت عليها رزمة من الاستثمارات والإيداعات بمبلغ يصل إلى 15 مليار دولار. جزء من هذه الأموال ستودع في البنوك المصرية كضمانات، وجزء في استثمارات مباشرة ستنضم إلى استثمارات سابقة لها في اقتصاد مصر. التجند القطري مهم بشكل خاص بسبب النزاع العميق والطويل الذي تطور بين الدولتين في أعقاب الانتقاد الشديد الذي وجهته قناة “الجزيرة” للرئيس عبد الفتاح السيسي ودعم الدوحة للإخوان المسلمين وتحالفها مع تركيا.

مصر لم تسارع إلى الانضمام للمصالحة التي تم التوصل إليها في السنة الماضية بين السعودية والإمارات، التي أنهت الحصار الذي فرضته هذه الدول مع مصر على قطر في 2017. ولكن خلال بضعة أشهر تعانق حكام مصر وقطر، وظاهرياً على الأقل عادت العلاقات لتكون طبيعية، بتطبيع تم تعزيزه بشكل جيد بأموال قطر.

أما تركيا فباتت تحظى بشبكة علاقات جديدة مع الإمارات بعد استضاف حاكم الدولة محمد بن زايد، الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وتعهد باستثمار 10 ملايين دولار في اقتصاد تركيا. في موازاة ذلك، تعمل تركيا على إيجاد مسارات إلى الخزينة السعودية التي ما زالت تظهر البرود تجاه أنقرة.

هذه الحركات المالية تتأثر بالأساس من قطبين قويين يلزمان دول النفط بفحص سياستها في المنطقة وفي العالم، الأول في طهران، التي يتوقع أن تعود إلى سوق النفط العالمية وتتحول إلى ساحة استثمارات دولية وتؤثر على الاستثمارات في السعودية ودول الخليج. الثاني بعيد قليلاً، لكن له تداعيات لا تقل عن الأول، وهو في الخط الحدودي بين روسيا وأوكرانيا.

إذا كانت عودة إيران تهدد مستوى الأسعار الذي تعودت عليه دول الخليج، فإن الحرب في أوكرانيا، التي رفعت أسعار النفط والغاز والقمح في العالم بشكل دراماتيكي، تعطي هذه الدول سلسلة من الإيرادات غير المتوقعة ومكانة سياسية تحولها إلى دول مطلوب ودها، سواء من قبل أمريكا أو دول أوروبية. يبدو أنه كلما استمرت الحرب وتعمقت العقوبات على روسيا، واصلت دول الخليج التمتع بمكانة دولية مستقلة، مكانة لن تلزمها بالتأرجح بين موسكو وواشنطن من أجل تحقيق أهدافها السياسية.

عاصفة الغبار السياسي والاقتصادي التي تثيرها الحرب في أوكرانيا ما زالت في أوجها. وهي لا تضر فقط مداخيل دول الشرق الأوسط وتهدد بتدهور قطاعات كاملة إلى تحت خط الفقر، بل وتعزز أسس كتل سياسية إقليمية، المعتمدة على دول النفط التي تم زجها إلى الزاوية من قبل الإدارة الأمريكية. عندما تعرض السعودية والإمارات وقطر مساعدات على مصر وتركيا والأردن ودول أخرى من أجل التغلب على ما تسببه الحرب، فليس التضامن العربي وعمل الخير سيكون وحده ما يوجهها. وبهذا، هي ترسم خارطة قوى جديدة في الشرق الأوسط حسب المسار الذي ولد في موسكو وكييف.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى