ترجمات عبرية

هآرتس: في نظر مصر، المعركة على اعمار غزة هي جزء من معركة أكبر بكثير

هآرتس 5/12/2025، تسفي برئيلفي نظر مصر، المعركة على اعمار غزة هي جزء من معركة أكبر بكثير

في شهر تشرين الأول الماضي، بعد قمة السلام والتوقيع على خطة العشرين نقطة للرئيس ترامب، أعلنت مصر انها تنوي في تشرين الثاني تنظيم مؤتمر آخر. وقالت انه لهذا السبب سيتم استدعاء دول ومانحين من كل ارجاء العالم لتدشين المرحلة القادة في خطة ترامب: مرحلة إعادة اعمار غزة. لقد مر شهر تشرين الثاني والقمة لم يتم عقدها بعد. في هذا الأسبوع اعلن وزير الخارجية المصري النشيط، بدر عبد العاطي، بان مصر بدأت بمشاورات كثيفة مع الإدارة الامريكية من اجل تحديد “لجنة إعادة الاعمار والتعافي” لغزة في الشهر الحالي. على رأسها، تأمل القاهرة، سيقف رئيس مصر عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

مثلما في لبنان، الذي بدأت فيه في يوم الأربعاء محادثات حول تعاون اقتصادي يستهدف إعادة اعمار جنوب لبنان بعملية “بانية للامن”، التي ستبعد حزب الله – هكذا أيضا بداية إعادة اعمار قطاع غزة تعتبر خطوة ضرورية من اجل اثبات جدوى خطة ترامب وإمكانية تطبيق كل مراحلها، بما في ذلك تحييد حماس ومنعها من السيطرة على غزة.

مصر هي من رواد تنظيم مؤتمرات إعادة الاعمار في قطاع غزة. في العام 2009، بعد عملية “الرصاص المصبوب” دعت الى مؤتمر قمة كهذا، لكنه كان مخيب للامال بعد ان تعهدت الدول المانحة بمبلغ 1.3 مليار دولار فقط. وبعد خمس سنوات، في 2014، في اعقاب عملية “الجرف الصامد” فتح المزيد من الصناديق وبلغت الالتزامات حوالي 5.4 مليار دولار، لكن نصف هذا المبلغ فقط وصل الى وجهته. مرت سبع سنوات، وجاءت فترة ما بعد عملية “حارس الاسوار”. في ذلك الوقت لم تنظم القاهرة مؤتمر للمانحين، لكنها قررت تحمل بعض العبء بنفسها، حيث استثمرت حوالي نصف مليار دولار في إعادة تاهيل البنى التحتية في القطاع، خاصة الطرق وانارة الشوارع.

في نظر مصر إعادة تاهيل القطاع ليست فقط عمل خيري استهدف مساعدة مليوني مواطن، بل هي جزء لا يتجزأ من نظرية امنها القومي، التي حسب رؤيتها ما زالت مهددة باقتحام مئات آلاف الغزيين لحدودها.

ان غضبها من القرار احادي الجانب الذي اتخذته إسرائيل، فتح معبر رفح هذا الأسبوع في اتجاه واحد، ولو من اجل تسهيل نقل المرضى والجرحى، يشير الى ان الخوف ما زال موجود. إضافة الى ذلك فان مصر التي لعبت دور محوري كوسيط في صفقات احتجاز الرهائن، تعتمد على خريطة طريق استراتيجية يكون لها بموجبها التاثير الرئيسي، ليس فقط على جهود إعادة الاعمار التي ستجلب عشرات الشركات المصرية الى غزة، بل بشكل رئيسي تشكيل الهيكل السياسي الذي سيحكم القطاع.

السعودية واتحاد الامارات وقطر يتوقع ان تكون الممولة الرئيسية لجهود إعادة الاعمار. ولكن القاهرة تتوقع تحويل غزة الى محمية مصرية بدون تحمل مسؤولية ادارتها المباشرة. مثلا، هي لا تتحدث عن ارسال جنودها الى القوة متعددة الجنسيات التي سيتم انشاءها ذات يوم، بل عن تدريب وتثقيف ضباط الشرطة الفلسطينية. أيضا “الخطة المصرية” التي وضعتها وقدمتها في شهر آذار الماضي، التي جاءت على خطة التهجير الجماعي التي خطط لها ترامب ونتنياهو، لا تتحدث عن نية مصر تحمل مسؤولية إدارة القطاع، بل تقدم إعادة الاعمار كحل سيبقي سكان غزة في أماكنهم.

مصر، الى جانب الولايات المتحدة وقطر وتركيا، هي من الدول الضامنة لتنفيذ وقف اطلاق النار، ولكن تجدر الإشارة الى أن الرئيس المصري لم يقم بزيارة البيت الأبيض منذ نيسان 2017، ورفض دعوة تلقاها من ترامب لزيارة البيت الأبيض في شباط الماضي، موضحا ان ذلك لن يحدث “طالما ان خطة تهجير سكان غزة مطروحة”.

أيضا لم تتم دعوة السيسي لحضور زيارة ترامب في الرياض في شهر أيار الماضي. إضافة الى ذلك ساهمت تلميحات ترامب حول “إعادة النظر” في مسالة المساعدات الخارجية الامريكية، بما في ذلك حجم المساعدات لمصر، في توتر العلاقات بين السيسي وواشنطن. الرئيس المصري لا يمكنه الا ان يشعر بالارتياح لان ترامب، خلافا لجو بايدن، لم يهدد بقطع هذه المساعدات بسبب الانتهاك الممنهج لحقوق الانسان في مصر.

القاهرة لا تتفق مع ترامب بشان موقفه من سوريا ورئيسها احمد الشرع. لقد استقبل السيسي نظيره السوري عند زيارته في القاهرة، لكنه لم يقم بزيارة دمشق (الجديدة) حتى الآن. يبدو ان العلاقة بينهما متبادلة. في تشرين الأول، في خطاب القاه في الرياض خلال مؤتمر “مستقبل مبادرة الاستثمارات في 2025” سخر الشرع من مصر عندما قال ان “العلاقات الممتازة تربط سوريا اليوم بتركيا والسعودية وقطر والامارات. هذه دول ناجحة مع كل الاحترام للدول الأخرى. ان دول مثل مصر والعراق حققت بالفعل نجاحات، لكنها لم تبذل جهود كبيرة لمواكبة التطور التكنولوجي في العالم”.

على هذه الاقوال رد الصحافي المصري احمد موسى بتغريدة في شبكة “اكس”: “الرئيس السوري لا يعرف حجم التطور غير المسبوق في مصر، ربما بسبب السنوات التي قضاها في الكهوف حين قاد مليشيا إرهابية، ولم يستوعب حجم التطور الثقافي في دولتي. ولكن يبدو انه حتى بعد سنة على توليه رئاسة سوريا، فان أقواله تكشف انه ما زال حبيس تلك الكهوف والازقة”.

ليس فقط ان سياسة السيسي تجاه سوريا لا تتوافق مع سياسة ترامب، بل انها تثير غضب حلفائه الإقليميين، بما في ذلك السعودية والامارات وقطر وتركيا. فهذه الدول احتضنت نظام الشرع وقدمت له الدعم الاقتصادي والأمني ووفرت له غطاء سياسي يدعمه دوليا. لكن هذا ليس الدعم الوحيد الذي تقدمه. إضافة الى ذلك هذه الدول تشكل درع اقتصادي أساسي لمصر، التي تستفيد من استثمارات مباشرة بمليارات الدولارات، ومثال على ذلك رأس الحكمة السياحي الذي تقوده أبو ظبي، والذي يتوقع ان يدر على مصر 35 مليار دولار. ومن الأمثلة الأخرى الودائع الضخمة للسعودية وقطر التي انقذت الجنيه المصري.

مع ذلك وفي نفس الوقت بالضبط، تصنف الدول الداعمة أيضا ضمن “الدول المشتبه فيها” التي سياستها من شانها ان تمس بمكانة مصر الإقليمية. مثلا، حتى بعد ان قدمت تركيا يد العون لمصر وارسلت سفينة غاز طبيعي سائل لمساعدتها على التغلب على نقص الغاز، لم تظهر القاهرة أي تحمس لـ “تطوع” تركيا بارسال جنود الى القوة متعددة الجنسيات في قطاع غزة. الخوف هو من ان هذه الخطوة ستلحق الضرر بخطط مصر للحفاظ على احتكارها للنفوذ في القطاع.

دولة الامارات، المستثمر الأكبر هذه السنة في مصر، التي في شهر أيلول وقعت على اتفاق آخر للاستثمارات في عقار سياحي بمبلغ 18.5 مليار دولار (بشراكة سعودية)، هي أيضا غير معفية من الاشتباه. السبب الرئيسي هو تاييدها لاثيوبيا التي بنت “سد النهضة” على النيل، الذي تعتبره مصر تهديد حقيقي لامنها القومي. دعم آخر مصدره أبو ظبي ويقلق مصر هو دعم ميليشيا الانفصاليين القاتلة في السودان، القاهرة تؤيد النظام العسكري في السودان.

هناك أيضا قطر التي وقعت في الشهر الماضي على اتفاق مع مصر لتطوير مشروع سياحي ضخم على ساحل البحر الأبيض المتوسط بمبلغ 30 مليار دولار. الدوحة هي ركيزة اقتصدية أخرى اكتسبت زخم كبير مقابل موافقة مصر على استئناف العلاقات معها في 2021، بعد اربع سنوات من الحصار والمقاطعة التي فرضتها عليها السعودية ودولة الامارات. وكانت مصر، بالمناسبة، هي آخر دولة من بين الدول الثلاث التي رفعت العقوبات. ورغم ذلك ورغم وجود حوالي 300 ألف مصري يعملون في قطر الا ان القاهرة تفحص بحذر مشاركة قطر في برنامج إعادة اعمار قطاع غزة.

ولكن في هذا الوقت الخطة كلها يبدو أنها غير مضمونة. ففي ظل غياب قوة متعددة الجنسيات، فان ميزانية إعادة الاعمار تبقى مجرد مفهوم نظري، وهيكل الإدارة المدنية الفلسطيني ما زال ينتظر اشغاله، وكذلك أيضا تشكيل “مجلس السلام”.

في هذه الاثناء حوالي مليوني مواطن يتوزعون بين غرب القطاع الذي تسيطر عليه حماس وفصائل أخرى وبين شرق القطاع الذي تسيطر عليه إسرائيل. في رفح، التي يفترض ان تكون اول فضاء معيشة بديل آمن، تدور رحى حرب، و”الخط الأصفر” هو ساحة قتل.

هناك أوساط في مصر تحاول اقناع الناس بان ما يبدو كأنه جامد هو “وضع مؤقت ضروري من اجل الانتظام”، وأن “الكثير من النشاط يجري خلف الكواليس، الذي يتناول استكمال الخطة”، هذا حسب مصدر مصري غير حكومي مقرب من المشهد السياسي في مصر. مع ذلك، هو مثل وزير خارجية مصر، لا يملك أي إجابة واضحة على أسئلة محددة مثل أي الدول ستشارك في المؤتمر، ما هو حجم الأموال التي تتوقع مصر جمعها، من سيحدد الأولويات، من هي الشركات والدول التي ستنفذ العمل. مع ذلك، يقول نفس المصدر المصري: “كل شيء هو قيد النقاش وسيتم بالتنسيق مع صانعي القرار”. في الواقع، “صانعي القرار” هم فعليا جهة واحدة وهي الرئيس ترامب. وفي المنافسة على قلبه وعلى قراره فان اعتبارات وخطط مصر ليست بالضرورة ستكون على راس قائمة الأولويات.

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى