هآرتس : فقط “مقاطعة مشروطة” لاسرائيل ستؤدي الى التغيير

بقلم: دانييل بلتمان، هآرتس 6/7/2018
“هذه ليست الطريق”، قال احاد هعام في مقال نشره في “همليتس” في العام 1889، وقد وجه فيه انتقاد لـ “الصهيونية العملية”. وقد كتب فيه “كل اعتقاد أو موقف تطبقه يقوم بالضرورة على ثلاث جمل هي أ- تحقيق هدف معروف هو حاجة تمس قلوبنا. ب- نشاطات معروفة هي الوسائل لتحقيق ذلك الهدف. ج– هذه الاعمال ليست اكبر من قوانا، وتعبها ليس اكثر من اهمية الهدف نفسه في نظرنا. اقوال هذا المفكر الصهيوني يجب أن تقف امام عيون كل من يحاول العمل من اجل أن تكون هنا اسرائيل اخرى.
حرج متباكي وضعف قوة حزين يظهر من النقاش المتواصل الذي يجري على صفحات “هآرتس” حول ما يجب على اليسار أن يفعله في الوضع الراهن. كتاب مختلفون يقدمون اقتراحات مختلفة، كل شخص حسب موقفه واعتقاده السياسي. هناك من يدعون الى البراغماتية: يجب على اليسار أن يخرج فقاعة تطهره وأن يجلس تحت اجنحة احزاب (المعسكر الصهيوني، يوجد مستقبل) القادرة على الحلول محل الحكم الفاشي الآخذ في التعزز في اسرائيل (اميلي مواتي، 28/6 وتسفيا غرينفيلد 28/5 وعوزي برعام 29/5). وهناك من يدعون الى الاستيقاظ من السذاجة ويتبنون حلم الضم والابرتهايد (ايتان كابل، 25/5)، أو يعتبرون اليسار لطخة (نحمان شاي في مقابلة مع “مصدر اول”، 25/5). وهناك من يصرون على التمسك بالقيم الاخلاقية للتيار العام (دولتان لشعبين، دولة الرفاه، سلطة القانون)، ويأملون توسيع الصفوف في اطار اللعبة السياسية المقبولة. هم يعتقدون أنه اذا توقف اليسار عن الاعتذار ورفع رايته عاليا فسيأتي الربيع الاسرائيلي الجديد (تمار زندبرغ، 22/6). وهناك من هم مكبلون بالتزامات سياسية متعددة الصفات والمصالح، ويواصلون دفع ضريبة كلامية للاطار الذي أكل عليه الدهر وشرب، الذي يلتزمون به (ايمن عودة، 18/4). كل هذه الثرثرة ليست اكثر من نقاش عبثي يجري فوق “التايتانيك” الاسرائيلية.
اضافة الى ذلك، تعمل في اسرائيل منظمات تحارب بأسنانها من اجل ايجاد بديل للخطاب والاستخدام السائد: التعايش بين اليهود والعرب، تعليم انساني، حقوق انسان في المناطق، كشف مظالم الاحتلال، تقديم مساعدة قانونية للفلسطينيين وما أشبه.
في المجرة النصية لليسار تدور ايضا منظمات كتاب ومثقفون واكاديميون يعتقدون أنه يمكنهم بلورة صيغة مدهشة تقنع مئات الآلاف في رؤية الضوء التدفق نحوه في يوم الناخب وهم يحملون البطاقة الصحيحة في ايديهم. ولكن استطلاعات الانتخابات المتصلبة والثابتة تدل على واقع أن النهاية لا يرونها: الخليط الحالي الذي يميز احزاب السلطة – دمج بين الزعرنة والجهل والفساد والتطرف الديني والاندماجية والعنصرية والانتهازية – ستواصل الحكم سواء مع بنيامين نتنياهو أو بدونه. اذا قمنا بتبني افكار احاد هعام فيمكننا القول إن كل هذا النشاط لكل جهات اليسار المذكورة اعلاه يتم باستقامة وبشكل صريح ومن خلال رغبة شديدة في الوصول الى هدف ملائم. علامة استفهام كبيرة بقيت بشأن الافتراضين الاخيرين له: هل النشاطات التي يتم القيام بها هي حقا الوسيلة للوصول الى الهدف. وهل الهدف الذي تم وضعه ليس اكبر من قوة الذين يحاولون تحقيقه؟.
يجب علينا اليوم القول بشجاعة إن البحث المتواصل منذ سنوات طويلة عن شيء ما يؤدي الى “الانفجار الكبير” الذي سيحرف اسرائيل نحو مسار آخر، هو نعمة عبثية. العمل البطولي الذي يدعو الى احترام آلاف نشطاء منظمات السلام وحقوق الانسان ينجح ربما في الحفاظ على جزر صغيرة من العقلانية في فضاء الحياة الاسرائيلية، لكنه لا يغير الواقع من جذوره.
يجب علينا التعلم قليلا من دروس النضال ضد الابرتهايد في جنوب افريقيا. قليلون يتذكرون أن حركة المقاطعة هناك بدأت في الاصل بانتظام داخلي للمؤتمر الوطني الافريقي في 1952. نموذجه كان حركة المقاطعة لـ “حزب المؤتمر” في الهند في الثلاثينيات، والذي دعا الى مقاطعة من قبل مستهلكين التي مست بمصالح بريطانيا الاقتصادية. مثلا احتكار انتاج الملح. أي انه حتى قبل أن تكون مقاطعة خارجية، انتظمت مقاطعة داخلية في جنوب افريقيا من قبل معارضي النظام. المعادل الاسرائيلي يمكن أن يكون مثلا دعوة واضحة لكل من يعتبر نفسه منتميا لمعسكر “السلام والديمقراطية” أن ينفصل عن كل علاقة مع النشاط الاقتصادي والاكاديمي والاجتماعي والثقافي الذي يجري في المستوطنات أو مع مجموعات ومنظمات تشجع استمرار الاحتلال، العنصرية والكراهية العرقية. مطلوب مقولة كاسحة وواضحة بأن عمل كهذا هو نضال شعبي مشروع من اجل انهاء الاحتلال، مرحلة اولية وضرورية لتغيير اوسع.
إن الوعي للواقع في جنوب افريقيا بدأ بالتسلل الى الغرب، وخاصة الى الولايات المتحدة، بعد أن ادرك مستخدمو حقوق الانسان بأن هناك علاقة بين مقاطعة الحافلات في مونتغمري وألاباما – الذي بدأ في كانون الاول 1955 في اعقاب نشاط روزا باركس – وبين المذبحة في شارفيل في جنوب افريقيا في 21 آذار 1960 التي قتل فيها رجال الشرطة 69 متظاهر أسود. الجمهور الليبرالي في العالم لم ينجح بعد في القيام بالربط بين النضالات التي يخوضونها ضد كراهية الاجانب واللاسامية والعنصرية في بلادهم. وبين، على سبيل المثال، جريمة الحرب التي نفذتها اسرائيل عندما قتلت اكثر من 120 مواطن فلسطيني في قطاع غزة.
المهمة الكبيرة لليسار في اسرائيل هي أن يخلق الربط المطلوب هذا. هذا يمكن أن يكون عملية حذرة، بروح توجيهات احاد هعام. أولا، يجب أن يخلق في اسرائيل “حلف اقليات” يشبه الحلف الذي نجح في أن يخلق في حينه براك اوباما في الولايات المتحدة، الذي جلب له الانتصار في السباق نحو الرئاسة. في الولايات المتحدة ضم هذا الحلف افارقة امريكيين، هسبان، نساء وبيض ليبراليين. في اسرائيل القاعدة يجب أن تكون ليبراليين ورجال يساريين يهود وعرب. اليسار الاسرائيلي يجب أن يدرك أن الاحتمال الوحيد – الضئيل اصلا – لتغيير الاتجاه الذي تسير اليه اسرائيلي، يكمن في خلق تحالف سياسي كامل وشامل مع الاقلية العربية. بعد ذلك يجب محاولة ضم مجموعات مقصاة اخرى الى حلف الاقليات هذا.
مجموعات واحزاب معسكر “السلام والديمقراطية” في اسرائيل يجب عليها اقامة علاقة مع منظمات موازية في اوروبا والولايات المتحدة، من اجل الوصول عن طريقها الى فنانين وفرق رياضية ومنظمات تعليمية وثقافة واكاديميا وما أشبه، وشرح أنه يجب البدء باتباع سياسة “مقاطعة مشروطة” لاسرائيل. مثلا، هل تريدون حدث رياضي أو استعراض روك في القدس؟ يجب عليكم حجز عدد من التذاكر لسكان شرقي القدس وسكان المناطق. والسماح لهم بحضور الحفل. هل تريدون أن تكونوا مدعوين لمؤتمر علمي دولي؟ اعطوا تسهيلات لاعطاء تصاريح خروج للباحثين من الجامعات الفلسطينية في المناطق واسمحوا بالحرية الاكاديمية في هذه الجامعات، التي هي الآن يتم انتهاكها بقسوة من قبل الجيش الاسرائيلي والشباك. هل تريدون اورفزيون؟ اظهروا انكم تقومون بنشاطات من اجل التسهيل في الحصار على غزة ومنح مساعدات انسانية للسكان المحبوسين في الغيتو الفظيع هذا وإلا لن نأتي اليكم.
هذه مهمة غير سهلة لأنها بحاجة الى اقتحام طريق لم تشق بعد: من جهة يجب أن لا تكونوا متماهين مع حركة المقاطعة الـ بي.دي.اس، تماهي يتوقع أن يؤدي الى اغلاق قنوات الاتصال. مثلا مع منظمات يهودية تجد صعوبة في قبول فكرة مقاطعة كاسحة لاسرائيل؛ ومن جهة اخرى اقناع منظمات في العالم بأنه فقط سياسة “مقاطعة مشروطة” يمكنها أن تؤدي بالمجتمع الاسرائيلي الى استيعاب ثمن الاحتلال واستخلاص الدروس المطلوبة.
التأثير المتراكم لالغاء احداث مثل المباراة مع الارجنتين سيتم الشعور بها فورا. من ادرك ذلك افضل من الجميع هو نتنياهو الذي ادرك على الفور معنى الالغاء والخطر الذي يكمن لنا. الانسحاب السريع من نية اقامة الاورفزيون في القدس هو تعبير على ذلك. يجب على اليسار الاسرائيلي أن يجد مطرقة الاقناع التي من خلالها يمكنه أن يضرب على الحديد الساخن، والعمل بروح أمل احاد هعام: “ليس بالقوة، بل بالروح. وعندها سيأتي يوم ستكون فيه ايضا أيدينا قوية”.



