Take a fresh look at your lifestyle.

 هآرتس – عن أي انعطافة “حذوة فرس” يتحدث باور ..!!

0 129

هآرتس – بقلم  عومري بوهم – 18/10/2021

” ليس اليسار المتطرف هو الذي وصل بخط منحني الى يمين متطرف مثلما يقول البروفيسور باور، بل إن اليسار المعتدل هو الذي وصل بخط مستقيم الى يمين متطرف “.

لقد سررت من نشر مقال البروفيسور يهودا باور (“يسار متطرف يتحول الى يمين متطرف”، “هآرتس”، 7/10). اهمية هذا المقال تنبع من حقيقة أنه بدلا من مواصلة الجدال حول موضوع تعريف اللاسامية، قام باور باستدعاء النقاش في مسألة المواطنة في دولة يهودية ديمقراطية. وفي امكانية سياسة ثنائية القومية. شبح اليسار الاسرائيلي لن يبعث الى الحياة قبل اجراء نقاش جدي حول هذين الموضوعين.

حسب باور، فكرة الدولة اليهودية الديمقراطية لا يوجد فيها أي تناقض لأنه لا يوجد “تناقض مبدئي” بين اعتبارها دولة تعكس “هوية شعب معين” وبين مباديء الديمقراطية، مثل المساواة. هو ذكر فرنسا التي هي بلا شك دولة ديمقراطية وفي نفس الوقت هي “دولة الشعب الفرنسي”. وواصل قائلا، مثلما أن فكرة الدولة الالمانية الديمقراطية أو الدولة الايطالية الديمقراطية لا يوجد فيها أي تناقض، فانه لا يوجد أي تناقض بين كون اسرائيل دولة ديمقراطية وبين كونها الدولة القومية للشعب اليهودي. 

هذا ادعاء معروف. افضل المفكرين في اسرائيل يصممون على الدفاع عنه. القاضي اهارون براك اعتبره اساس لقوانين الاساس عندما تحدث عن “جميعة” يهودية ديمقراطية بدلا من التناقض (“حرية الانسان في دولة يهودية وديمقراطية”، “هآرتس”، 15/2/2018). ايضا البروفيسور موشيه هلبرطال، الذي قال إن الديمقراطية لا ترتبط بحيادية قومية. لذلك لا يوجد أي فرق بين اسرائيل وبين “الدول القومية الاوروبية”، (“هل يمكن أن تكون هناك دولة يهودية وديمقراطية؟”، “هآرتس”، 27/4/2013).

على هذه القاعدة يبني باور في مقاله فرضية “حذوة الفرس”: يساريون يشككون في فكرة اليهودي الديمقراطي وينفون فعليا وجود شعب يهودي أو حقه في السيادة، وهو حق تمتلكه الشعوب الاخرى. هكذا، في حركة “حذوة الفرس” يتحد اليسار “المتطرف” مع اليمين اللاسامي.

اليسار في اسرائيل لن يكون له مستقبل اذا لم يتنازل عن هذه الفرضية. ادعاء أنه لا يوجد أي تناقض مبدئي بين بنية الدول القومية الاوروبية وبين امكانية تحقيق المساواة الديمقراطية الصحيحة، لكن التشابه بين مفهوم المواطنة في اوروبا وبين مفهوم المواطنة في اسرائيل هو غير حقيقي. ايطاليا، المانيا وفرنسا هي دول القومية الايطالية، الالمانية والفرنسية. اسرائيل، كما هو معروف، ليست دولة اسرائيلية، بل يهودية. خلافا لايطاليا التي تعبر عن سيادة الشعب الايطالي فان اسرائيل تعبر عن سيادة الشعب اليهودي وليس الاسرائيلي. في حين أن الاقليات اليهودية أو الاسلامية في ايطاليا، من خلال المواطنة، هي من ابناء الشعب الايطالي صاحب السيادة (فقط العنصريون أو اللاساميون الايطاليون ينكرون ذلك)، فان الفلسطينيين في اسرائيل لا يعتبرون جزءا من الشعب صاحب السيادة. هذا هو السبب الذي من اجله، خلافا للاقليات في اوروبا، فان الفلسطينيين في اسرائيل لا يعتبرون مواطنين متساوين. 

محاولة الحفاظ على المساواة بواسطة “جميعة” من اجل التغلب على التمييز البنيوي المدمج حكم عليها بالفشل. سبب ذلك يكمن في افتراض اساسي في الديمقراطية وهو أن القوة مفسدة. فالافراد والمجموعات والطبقات صاحبة القوة الزائدة بالضرورة ستستغل قوتها من اجل تعميق عدم المساواة وسلب السيادة من أيدي المواطنين. فصل السلطات والفصل بين الدين والدولة، مثلما يقتضي الدستور، والحفاظ على مبدأ الحيادية، كل ذلك استهدف منع المجموعات القوية (لنقل، اليهود) من تحويل الدولة من كيان عام (جمهورية) الى كيان خاص.

لذلك، الفكرة التي بحسبها (في عالم معدل) يمكن اقامة دولة يهودية، فيها اليهود سيعطون الفلسطينيين مساواة في الحقوق، هي الفكرة لا تعمل ولو حتى نظريا. لو أن هذه الفكرة كانت قابلة للصمود وسليمة لكان يمكننا التنازل عن الديمقراطية من البداية وتحويل السلطة الى زعيم حكيم ومتنور، يضمن الدفاع عن حقوقنا جميعا. هذه الفكرة معروفة على الاقل منذ جمهورية افلاطون، لكنها ليست فكرة ديمقراطية. لا يوجد أي سبب للافتراض بأن الشعب اليهودي المتنور سيعطي الفلسطينيين مساواة في الحقوق في دولته الخاصة. في دولة ديمقراطية، الشعب صاحب السيادة يعطي الحقوق لنفسه. لذلك، مهم جدا الحفاظ على المبدأ الذي يقول: حتى الدول القومية تعود بشكل متساو لجميع مواطنيها.

حتى في اوروبا تعمل احزاب تريد اضعاف مبدأ المواطنة وتعزيز المبدأ القومي – العرقي. هذه الاحزاب توجد على هامش اليمين غير الشرعي، وهي تميل وبحق، هذا نقوله بألم، الى استخدام نموذج اسرائيل من اجل تبرير فكرة الديمقراطية العرقية. حزب اليمين في المانيا إي.اف.دي مثلا، يريد تحويل المانيا الى ما اعتاد اليسار في اسرائيل على اعتباره أمر مفهوم ضمنا، وهو دولة ديمقراطية ومسيحية. ومثلما في اسرائيل، “صفر مسيحية” لا تعكس أي انتماء ديني، بل تاريخي وعرقي وثقافي – الماني حقيقي، استهدف استبدال المواطنة البحتة كاساس للانتماء للدولة الالمانية.

هذه الاحزاب تعتبر احزاب خطيرة وبحق. اذا نجحت فان المسلمين واليهود في اوروبا سيجدون انفسهم في مكانة تشبه مكانة الفلسطينيين في اسرائيل، مواطنون لكن من الدرجة الثانية. هنا تكمن الاهمية الحقيقية لادعاء انعطافة “حذوة الفرس” لباور، التي هي بانعكاس فرويدي تكشف وضع اليسار الاسرائيلي. وهو اليسار الذي لم يوافق على عرب في الكيبوتس وقام بتهويد الجليل واقام المستوطنات؛ نفس اليسار الذي فعل كل ذلك بمصادقة محكمة يهودية – ديمقراطية، التي صادقت ايضا على هدم بيوت الفلسطينيين لغرض الردع والاعتقال الاداري بالجملة؛ نفس اليسار الذي يجلس الآن في الائتلاف مع مؤيدي الابرتهايد والترحيل من اجل انقاذ سلطة القانون التي تسمح بهذا التصنيف، ولم يبق له غير التحذير من مبدأ المواطنة واعتباره “يسار متطرف” لـ “اسرائيليين سابقين”، الذين في حركة “حذوة فرس” يتحولون الى “يمين متطرف”. الحقيقة معاكسة. اليسار الاسرائيلي الذي يسمى معتدل وصل الى اليمين المتطرف في خط مباشر كليا. 

ازمة سياسية حقيقية تحدث عندما “القديم يموت والجديد لم يولد بعد”، قال انطونيو غرامشي. مثقفو “الهيمنة”، قال، يزيدون من حدة الازمة عن طريق أنهم بدلا من ايجاد مباديء جديدة هم يثبتون الحنين الى الماضي. اسرائيل توجد في ازمة من النوع الذي وصفه غرامشي منذ زمن. الشعارات المعروفة مثل “يهودية – ديمقراطية” و”دولتان” سرعان ما تحولت الى شعارات فارغة. هذا لا يعني أنه توجد لدينا حلول سحرية بديلة. الخوف من افكار مساواة مدنية في دولة ثنائية القومية هو خوف ليس بدون اساس، ومخاوف مشابهة معروفة ايضا من اماكن اخرى. في جنوب افريقيا، مثلا، كان البيض على قناعة بأن السود سيقومون بذبحهم عند انتهاء نظام الابرتهايد. وخوف ساد ايضا في دول الجنوب عند انتهاء الحرب الاهلية في الولايات المتحدة.

في هاتين الحالتين كانت وما زالت مشكلات. ولكن نبوءات المذابح الفظيعة تبين أنها خاطئة. سياسة فيدرالية ثنائية القومية هي في هذه الاثناء البديل الديمقراطي الوحيد لفكرة دولتين من جهة، و”تقليص النزاع” الذي هو ليس سوى فكرة “الابرتهايد المتنور” في رزمة جميلة، من جهة اخرى. سيكون من الغباء رفضها باعتبارها “هستيريا فكرية”، والعزف على وتر الكارثة (حل “الابادة الجماعية” و”المساواة في المقابر”)، بدلا من مناقشتها بطريقة جدية. ليس من السهل اعادة صياغة مباديء اليسار في اسرائيل، لكن يمكن ويجب البدء بفعل ذلك.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.