هآرتس: على ترامب ان يختار بين هجوم في ايران واتفاق يمكنه أن يقوي النظام
هآرتس 6/2/2026، عاموس هرئيل: على ترامب ان يختار بين هجوم في ايران واتفاق يمكنه أن يقوي النظام
لقد وصلت الازمة الحادة بين الولايات المتحدة وايران الى شفا الانهيار في الفترة الأخيرة. ففي مساء يوم الأربعاء اعلن الامريكيون عن الغاء اللقاء المخطط له بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وبين ممثلين عن ايران في سلطنة عمان، وبعد ساعتين فقط تراجعوا عن ذلك. وحتى مساء أمس كان اللقاء ما زال قائما، لكن فرصة التوصل الى اتفاق شامل بين الطرفين تبدو ضئيلة. وهذا يعود الى الاختلاف في المواقف بينهما وتصميم النظام في طهران الذي يبدو انه لا يعطي أي أهمية كافية للحشد العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة.
لقد اختارت الولايات المتحدة في الوقت الحالي تجاهل استفزازات ايران الأخيرة في الخليج الفارسي وبحر العرب، التي شملت مؤخرا اطلاق المسيرات على السفن التي توجد في المنطقة، ومحاولة فرض فحص على ناقلة نفط في مضيق هرمز. أيضا ترامب استجاب لطلب ايران، نقل اللقاء بين الممثلين من تركيا الى سلطنة عمان وتقليص عدد الدول المشاركة في المحادثات. يبدو ان الرئيس ما زال يريد إعطاء وقت للمحادثات مع إبقاء “الاسطول الجميل”، كما يصفه، على مسافة قصيرة نسبيا من شواطيء ايران.
الخطوات الأخيرة لترامب يمكن ان تعكس، كما قلنا في السابق، محاولة تضليل قبل الهجوم الأمريكي، لكن من المرجح ان الرئيس الأمريكي يستنفد الخيارات الأخرى قبل اللجوء الى الهجوم العسكري. ويبدو ان حماسه للخيار العسكري غير كبير، ويتبين ذلك من تصريحاته وتأجيله في اللحظة الأخيرة للهجوم الذي كان من المقرر شنه في 14 كانون الثاني الماضي، والتباطؤ منذ ذلك الحين. مع ذلك، قد يدفع التباين في مواقف الطرفين ترامب في نهاية المطاف الى اتخاذ قرار الهجوم.
الطلبات العلنية في واشنطن من طهران تركز على وقف البرنامج النووي، وتشمل اخراج اليورانيوم المخصب من ايران، وحظر كامل لأي تخصيب في المستقبل في أراضيها (صفر تخصيب). مع ذلك، أرسلت الولايات المتحدة رسائل متضاربة في الفترة الأخيرة حول استعدادها لفرض اتفاقات على الإيرانيين في قضايا أخرى تعتبرها إسرائيل قضايا حاسمة. الأولى، تقييد برنامج انتاج الصواريخ البالستية بعيدة المدى على نطاق واسع. الثانية، تقليص أو وقف الدعم الذي تقدمه ايران للتنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة في ارجاء الشرق الأوسط.
الامريكيون يسعون بوضوح الى التوصل الى اتفاق شامل يهدف بالدرجة الأولى الى علاج الملف النووي. اما ايران فيبدو انها تحاول كسب الوقت، وتامل في تخفيف العقوبات التي أدت الى انهيار اقتصادها بشكل كبير، ودفعت الجمهور الى الخروج الى الشوارع في نهاية كانون الأول للاحتجاجات، التي بدأت بالاشتكاء من ارتفاع تكاليف المعيشة وانتهت بمذبحة شنتها السلطات (مع معرفة ان أجهزة المخابرات الغربية لا تتفق مع التقدير الذي نشرته مصادر في إسرائيل والذي يفيد بان النظام في ايران قتل تقريبا 30 ألف متظاهر. وحسب تقدير الأجهزة فان العدد يتراوح بين 10 – 15 ألف).
هنا تكمن المفارقة، أو على الأقل الفجوة بين موقف أمريكا المتبلور وموقف إسرائيل، وبالتاكيد بين أمل الاحتجاجات في ايران. الاهتمام المتجدد لترامب فيما يحدث في ايران ثار فقط في اعقاب اندلاع الاحتجاجات. فبعد الحرب بين إسرائيل وايران في شهر حزيران الماضي (التي تضمنت مشهد ختامي امريكي، قصف منشأة فوردو تحت الأرض)، فقد ترامب الاهتمام فيما يحدث هناك، واكتفى بإعلان مضلل عن النجاح في تدمير البرنامج النووي. ولم يتطرق الى الموضوع مجددا ألا نادرا. والان يتركز النقاش على مطالبته باتفاق جديد يتضمن تنازلات إيرانية، لا سيما في المجال النووي. ولا يقتصر الامر على ان هذا الحل لا يخدم قضية المحتجين الذين يطالبون بتغيير النظام، بل هو في الواقع يقوي النظام في ايران لانه سيتضمن رفع العقوبات بطريقة ستضخ مليارات الدولارات للخزينة الإيرانية.
ترامب، الذي وعد المتظاهرين قبل اكثر من أسبوعين بأن “المساعدة قادمة”، يشاهد في الوقت الحالي انحسار تام للاحتجاجات تحت وطأة النظام في طهران. بالنسبة لمعارضي النظام فسيذكرون ترامب بأنه تخلى عنهم، وهذه خيانة اخطر من التهمة التي توجه للرئيس السابق براك أوباما، وهي انه تخلى عن المشاركين في “الثورة الخضراء” الفاشلة في ايران في العام 2009.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لا يخفي الرغبة في اسقاط النظام في ايران. هذا ما يدعو اليه منذ عقود، وربما هذا أيضا جزء من الرواية التي يمكن أن يذهب معها الى الانتخابات القادمة: لقد تفاجأنا في 7 أكتوبر (لان احد ما نسي ان يوقظه)، لكن منذ ذلك الحين نحن غيرنا وجه الشرق الأوسط، بما في ذلك اسهامنا في انهيار العدو الأخطر لنا. لكن في هذه الاثناء يبدو أن ترامب لا يسعى الى ذلك، بل هو يسعى الى اتفاق نووي. إضافة الى ذلك خوف نتنياهو يتمثل في انه اذا تم التوقيع على اتفاق مقيد فانه في نهاية المطاف الرئيس سيفقد الاهتمام بتنفيذه، وأن التزام الإدارات الامريكية القادمة سيكون اقل من ذلك.
إسرائيل الرسمية تتحدث على غير العادة علنا عن الازمة في ايران. مع ذلك فانه من الواضح ان التطور الذي تامل به الحكومة – الى درجة كبيرة كبار المسؤولين الأمنيين – ليس اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وايران، بل ضربة عسكرية أمريكية، رغم عجز إسرائيل نفسها عن شرح كيف سيؤدي هذا في نهاية المطاف الى عودة الجمهور الى الشوارع وسقوط النظام. ويتم استغلال الوقت المنقضي في هذه الاثناء لتعزيز استعدادات إسرائيل لحرب محتملة بعد ان تفاجأت من تصاعد الاحتجاجات في ايران في كانون الثاني تماما.
في صياغة أي اتفاق يعتمد الكثير على خبرة واضعيه، وهذا يعتبر نقطة ضعف جوهرية في الإدارة المالية. فترامب يتمتع بنفوذ اكبر بكثير من سلفه في البيت الأبيض، جو بايدن. فعندما يهدد الدول تأخذ في الحسبان بانه يفكر في تنفيذ تهديده. ولكن الإدارة تواجه صعوبة في تزويد صفوفها بالخبراء والدبلوماسيين والجنرالات أصحاب الخبرة، بسبب سلوك الرئيس. ويتضح هذا أيضا في طريقة تعامل الأمريكيين مع الاتفاق في قطاع غزة. خطة ترامب التي تتكون من عشرين نقطة مليئة بالثغرات، وهناك قاسم مشترك آخر بين الساحتين – فيهما حكومة إسرائيل تتمنى بالفعل فشل الجهود الدبلوماسية الامريكية على أمل استئناف القتال.
مراقبة دقيقة
خلال زيارة في هذا الأسبوع الى مقر التنسيق الذي أقامه الامريكيون لقطاع غزة في المنطقة الصناعية في كريات غات، تمت مشاهدة في كل غرفة لقاءات ملصقات عليها خطة ترامب في القطاع. ورغم الاستضافة الإسرائيلية واستجابة 28 دولة من ارجاء العالم لدعوة ترامب، الا أن المقر يظهر ويدار كأنه منطقة أمريكية بامتياز بكل خصائصها. فهو يمتلك كل ما يمتاز فيه الامريكيون، وفرة الأموال والقوة العاملة والتكنولوجيا والبيانات.
الجيش الأمريكي انحاز تماما للرؤية التي يرسمها ترامب ومستشاريه ستيف ويتكوف وجارد كوشنر للقطاع. هي رؤية تتطلع الى قطاع غزة جديد معاد تاهيله، تقام فيه بلدات جديدة بهدف إيواء اكثر من 2 مليون فلسطيني في المستقبل، في عملية قد تستمر لعقود. وتجري الان مناقشة كل جانب من جوانب الخطة بأقصى درجات الجدية، وتتم صياغتها في سلسلة طويلة من النقاشات والاستعدادات، رغم ان لا أحد لديه حتى الان أي فكرة عن كيفية التغلب على العقبات الحالية.
في الخطة الامريكية ينقص مكون مهم وهو كيف يفصلون بين حماس والسكان الفلسطينيين؟. في هذه الاثناء معظم السكان يتركزون في النصف الغربي الخاضع لسيطرة حماس. وفي نفس الوقت توجه الاستعدادات لنشاطات إعادة الاعمار والانتشار المستقبلي لقوة دولية من اجل تحقيق الاستقرار، نحو المناطق التي ما زالت تحت سيطرة إسرائيل.
مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook



