هآرتس – ذي ماركر – بقلم تسفي برئيل – في سوريا يمكن العيش حتى بدون استيراد
هآرتس/ ذي ماركر – بقلم تسفي برئيل – 26/9/2019
كيف يمكن لمواطن سوري أن يشتري لنفسه سيارة مستعملة؟ الجواب هو أنه لا يستطيع. حتى لو كان له مكان عمل معقول يكسب فيه 65 – 70 دولار في الشهر، هو سيحتاج على الاقل الى 500 راتب شهري حتى يضع يده على سيارة “كايا” موديل 2009 التي ستكلفه 16 ألف دولار. واذا رغب بسيارة جديدة سيضطر الى توفير ثمنها الذي سيكون ما يعادل ألف راتب شهري.
تجار السيارات في دمشق يقولون إن سوق السيارات ميتة تقريبا. قبل الحرب بلغ بيع السيارات المستعملة نحو ألف سيارة في اليوم. الآن يتم بيع 200 سيارة في اليوم بصعوبة. في ساحات السيارات التي امتلأت ذات يوم بعشرات السيارات، يقف الآن عدد قليل والسعر يرتفع الى عنان السماء. آلاف السيارات التي تم تدميرها في سنوات الحرب الثمانية خلقت طلب كبير، لكن الحكومة قيدت جدا استيراد السيارات الجديدة ومنعت تماما دخول سيارات مستعملة كجزء من سياسة التوفير في العملة الاجنبية، وقررت عدم استيراد منتجات يمكن انتاجها في الدولة.
سوريا منحت ترخيص لثماني شركات لتجميع السيارات في سوريا وقررت أنها هي فقط يحق لها تسهيلات في مخصصات الدولارات لشراء قطع غيارها. ولكن ثلاث شركات فقط نشطة من الثمانية. وحتى هذه وجدت لنفسها مسار التفافي سهل. هي تستورد سيارات مستعملة تنقصها الاطارات أو اجزاء بسيطة تقوم بتركيبها في مشاغل صغيرة – بفضلها يمكنهم الحصول على المخصصات الحكومية. تجار السيارات يعتمدون الآن بالاساس على تهريب السيارات من لبنان أو من المناطق “المحررة” مثل الاقاليم الكردية في شمال الدولة التي فيها اسعار السيارات منخفضة الى النصف عن سعرها في المناطق التي يسيطر عليها النظام. لوحات السيارات يتم تبديلها، وارقام المحركات والهيكل الاساسي يتم محوها، ويتم حفر ارقام جديدة بدلا منها. وعلى المقاعد يوضع النايلون والقليل من الدهان، وهكذا يمكن بيع هذه السيارات مرة اخرى وكأنها جديدة تقريبا شريطة أن يوجد زبائن.
ليس فقط السيارات هي التي توفرها الاقاليم الكردية للمواطنين السوريين. حسب تقرير نشره مؤخرا المركز السوري لحقوق الانسان فان سوريا تشتري ايضا النفط والغاز من الحقول التي توجد تحت سيطرة الاكراد. الاكراد الذين يسيطرون على 11 حقل نفط من بين 20 حقل، ينتجون 14 ألف برميل نفط يوميا تقريبا، التي يقومون ببيعها للنظامبـ 30 دولار للبرميل، نصف السعر في السوق الحرة. عمليا، هم يبيعون لسوريا نفطها، بالضبط مثلما اعتاد داعش على بيع نفس النفط للحكومة عندما سيطر على هذه المحافظات. الدخل المقدر للمحافظات الكردية فقط من النفط هو نحو 12 مليون دولار في الشهر، حيث أنه في هذه الاثناء تتجاهل الادارة الامريكية هذا البيع الذي يخالف العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا. هذه المحافظات هي ايضا مسار تهريب عشرات المنتوجات التي يمنع استيرادها للدولة. في الشهر الماضي قلصت الحكومة ربع قائمة المنتجات المسموح استيرادها والتي شملت 41 منتج اساسي، ويبدو أنها تنوي قريبا توسيع قائمة الحظر، حيث أنه حسب تقارير البنك المركزي ليس لدى الدولة ما يكفي من الدولارات لدفعها حتى مقابل الاستيراد الضروري.
النقص في المواد الاساسية يخلق بشكل طبيعي سوق سوداء نشطة تعتمد على التهريب، والتي منها تخسر الدولة عشرات ملايين الدولارات من ضرائب الجمارك وضريبة الدخل. بسبب الاشراف الشديد الذي تستخدمه الحكومة على تجار المواد الغذائية وجهودها لمراقبة الاسعار الثابتة والمنخفضة، بحيث تحد من ارتفاع الاسعار، يفضل المزارعون بيع منتوجاتهم للدول المجاورة مثل العراق والاردن التي فيها يمكنهم الحصول على عائد أعلى بكثير من السوق المحلية. سلطات الرقابة تعمل على الاقل حسب تقارير الحكومة، ضد من يرفعون الاسعار، وهم يقتحمون المخازن ويدخلون الى المحلات التجارية لفحص الاسعار والمخزون ويقدمون دعاوى قانونية كثيرة ضد من يخرقون الانظمة. ولكن هذا جهد سيزيفي لا يستطيع اجتثاث التهريب والتلاعب بالاسعار الذي يقوم به التجار.
النتيجة هي أن المواطنين يدفعون مقابل استهلاكهم اعلى بكثير مما كانوا يدفعونه مقابل نفس البضائع في الاردن أو لبنان. ايضا في هذا المجال مثلما في تجارة السيارات، من يعيش في مناطق لا تخضع مباشرة للنظام، يحظى بمستوى معيشة اعلى بسبب القوة الشرائية لليرة السورية في هذه المحافظات. هذا التطور يؤدي الى هجرة داخلية اقتصادية الى المحافظات المحررة التي تطورت سوية مع هجرة جماهيرية احدثتها المعارك والوضع الامني.
كما يبدو، الحديث يدور عن وضع مؤقت يمكن ان يتغير الى الافضل عند انتهاء الحرب وعودة النظام للسيطرة على جميع محافظات الدولة. ولكن لهذا الوضع المؤقت الذي استمر لسنوات لا يوجد في هذه الاثناء أفق للانتهاء. ليس فقط أن المعارك لم تنته بعد، ايضا الجهود السياسية التي تقودها روسيا من اجل التوصل الى حل سياسي متفق عليه تجد صعوبة في بلورة خطة عمل متفق عليها.
العملية الاولى التي تسعى لها روسيا هي الاتفاق على تشكيل لجنة اعادة صياغة الدستور الذي سيشكل قاعدة لاجراء انتخابات وتشكيل نظام ثابت ومتفق عليه. حتى الآن تم التوصل الى اتفاق على اسماء الـ 150 عضو في لجنة صياغة الدستور. ولكن الطريق لتغيير الدستور وتشكيل نظام متفق عليه ما زالت طويلة جدا. التقدير المتفائل يتحدث عن اشهر قبل أن تستطيع سوريا العودة الى أداء اداري وسياسي والتقدير الحقيقي يقول إنه ستمر على الاقل سنتنين قبل أن يكون بالامكان البدء في الحديث عن اعادة تأهيل الدولة. حتى ذلك الوقت يبدو أن التهريب سيستمر في أن يكون هو القاعدة الاقتصادية الثابتة الوحيدة التي ستستند عليها السوق.



