ترجمات عبرية

هآرتس– ديمتري شومسكي – هل يريد لبيد تغيير الاتجاه مثل هرتسل؟ 

هآرتس – بقلم  ديمتري شومسكي – 15/8/2021

” مثلما فهم هرتسل أن سلوك الشعب اليهودي ساهم في كراهية اليهود، يجب علينا أن نفهم بأن الاحتلال يساهم في انتقاد اسرائيل “.

       الخطاب الذي القاه وزير الخارجية ورئيس حزب يوجد مستقبل، يئير لبيد، ورئيس حزب يوجد مستقبل، في المؤتمر العالمي لمحاربة اللاسامية في الشهر الماضي، وفي المقال الذي نشره بعد ذلك في هذه الصحيفة (“هآرتس”، 23/7)، اعترض على مفهوم التفرد التاريخي لمعاداة السامية. وقد قال إن معاداة السامية هي مظهر واضح للعنصرية أينما وجدت، وبالتالي يمكن ويجب مقارنتها مع مظاهر العنصرية الاخرى. 

       هذا الادعاء محق ودقيق. ولكن رغم ذلك، من المهم التأكيد على أنه في كل ما يتعلق باللاسامية الحديثة التي نمت في وسط اوروبا في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، على الاقل في جانب تاريخي جوهري واحد كان الحديث حقا يدور عن ظاهرة فريدة في نوعها. اللاسامية الحديثة ولدت لدى الشعب الذي تهاجمه حركة سياسية وطنية وهي الصهيونية السياسية، التي يبدو أنها تتفق بشكل متناقض مع بعض التشخيصات التي قام بها مهاجمو الشعب، بل أعادت صياغتها كأساس بناء للتصحيح الوطني الداخلي.

       اللاسامية الحديثة اتهمت اليهود، بعد التحرر الذاتي، بالسعي الى الاستمتاع بكل العوالم. فمن جهة هم حصلوا على المساواة المدنية على اساس شخصي. ومن جهة اخرى هم يعملون في دول توطنهم كمجموعة منفصلة من اجل مصالح جماعية خاصة بهم. لذلك، هم يشكلون، مثلما جاء في الشعار السامي سيء الصيت، “أمة داخل أمة” أو “دولة داخل دولة”. 

       مؤسس الصهيونية السياسية، ثيودور هرتسل، أدان بشدة مجرد الكراهية الشديدة للاسامية تجاه اليهود، لكنه تطرق بكل الجدية الى ذاك الادعاء. نعم، اعترف هرتسل بأن اليهود الحديثين يندمجون في الدول التي يعيشون فيها بصورة معيبة بدرجة معينة كمجموعة لها خصائص اجتماعية – ثقافية وطبقية متميزة وليس كأفراد، سواء لأنه يتم اقصاءهم من ناحية اجتماعية وسياسية أو لأنهم هم انفسهم غير متحمسين للتنازل عن هويتهم الجماعية المميزة. لذلك، هم يجذبون اليهم بشكل دائم نار كراهية الآخر، المختلف والاستثنائي.

       اليهود، مثلما يتضح من تحليل هرتسل للمسألة اليهودية الحديثة فيما يتعلق بحجج معاداة السامية، هم نوع من “شعب – ليس – شعب”. هم ايضا في الداخل وفي الخارج. هم ايضا جزء من المجتمع غير اليهودي الذي يعيشون فيه، وايضا أساس مختلف عنه. من اجل اصلاح هذا الشذوذ في طريقة وجودهم الاجتماعي – القومي يجب، حسب هرتسل، اقامة الدولة اليهودية. في هذه الدولة سيصبح اليهود شعب مثل الشعوب الاخرى، وبالتالي سيندمجون في العالم الحديث كأمة من الأمم.

       الآن بعد خمسة اجيال على ظهور الصهيونية السياسية، وبعد ثلاثة اجيال على اقامة دولة اسرائيل، فان حلم التطبيع القومي – السياسي للشعب اليهودي، مثلما توقع ذلك هرتسل بنظرته الروحية، يظهر بعيد جدا عن الواقع. الشذوذ القومي – الاجتماعي لليهود كـ “شعب – ليس – شعب”، الذي اعتبره هرتسل عامل ساهم بشكل كبير في زيادة حدة اللاسامية، الذي هو نفسه أراد تغييره في اطار الدولة اليهودية، تم استبداله خلال خمسين سنة باستثناء قومي – سياسي لاسرائيل كـ “دولة – ليست – دولة”. من جهة، اسرائيل هي دولة عادية ومعيارية تماما. ومن جهة اخرى، منذ الانتصار الباهر الذي حققته في حرب الايام الستة فان اسرائيل تتصرف في الفضاء الذي يقع بين البحر والنهر كحركة قومية فوضوية في اساسها، تقوم بتوطين مواطنيها خارج حدودها الدولية الشرعية التي تواصل كما يبدو النضال على سيادتها وكأن الدولة ما زالت لم تقم والاستقلال لم يتحقق.

       اضافة الى ذلك، الشذوذ غير العادي لدولة اسرائيل في اوساط المجتمع الدولي يجد تعبيره ايضا في مجال الاخلاق السياسية، حيث أن اسرائيل هي في الواقع دولة ديمقراطية تنبض بالحياة وتعمل بشكل جيد. وفي بعض الاحيان بصورة نموذجية. ولكنها ايضا الدولة الديمقراطية الوحيدة في العالم التي لديها نظام عسكري له خصائص استعمارية ينفي الحقوق المدنية والوطنية لشعب بأكمله.

       الاختلاف والشذوذ، كتب لبيد في مقاله وبحق، لا يبرران كراهية ساحقة مثل الكراهية التي نراها في عدد من المظاهرات المناهضة لاسرائيل في ارجاء العالم. ولكن اذا كان هرتسل في تعامله مع معاداة السامية الحديثة قد اكتفى بهذا الادعاء الذي يهدف الى درء الكراهية دون الوقوف على العوامل التي ساعدتها، فمن المحتمل أن مقال “دولة اليهود” لم يكن ليكتب، والمؤتمر الصهيوني الاول لم يكن ليعقد. 

       مثلما اشار هرتسل وبحق الى أن معاداة السامية الحديثة قد نشأت من خلل سياسي وحقيقي في عملية اندماج اليهود في المجتمع الاوروبي، وهو العيب الذي يحتاج الى علاج مستعجل، فانه يجب على اسرائيل ووزير خارجيتها الاعتراف وبجرأة بالانتقاد الشديد لاسرائيل في ايامنا، التي ليست لاسامية وحتى تلك اللاسامية – يرتبط بحقيقة لا يمكن انكارها وهي أن اسرائيل الحديثة هي كيان سياسي استثنائي وغير عادي. وهي في نفس الوقت دولة مؤسسات وحركة استيطانية وطنية في نفس الوقت، ديمقراطية غربية متقدمة ونظام عسكري يقيد ويقمع حرية شعب آخر.

       بعد مرور 125 سنة على نشر “الدولة اليهودية” فان الحل المنطقي الوحيد لـ “مسألة اسرائيل” في ايامنا يواصل كونه نفس الحل الذي طرحه في حينه هرتسل من اجل “مسألة اليهود”، التطبيع القومي للشعب اليهودي في اطار دولة قومية حديثة لها حدود معترف بها، وفيها مساواة كاملة لمواطنيها وتعيش من خلال الاحترام المتبادل في عائلة الشعوب. 

       ولكن الطريقة العملية الوحيدة لتجسيد هذا الحل الآن هو انهاء سلطة الاستعباد الوطني للفلسطينيين وتقسيم البلاد الى دولتين لشعبين. هنا تكمن المشكلة. ففي الشهر الماضي في مؤتمر مجلس وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي قال لبيد إنه “لا توجد في هذه الاثناء أي امكانية لتطبيق حل الدولتين”. 

       هل لبيد واع الى أن هذه المقولة تعني بالفعل التنازل عن استكمال حلم التطبيع القومي للشعب اليهودي بروح الصهيونية السياسية لهرتسل؟ هل هو راض عن هذا التنازل أم أن هناك احتمالية لأن يغير التوجه، أن لا يقر بأن رؤية الدولة اليهودية كدولة قومية طبيعية ليست مسألة اليسار أو اليمين، لكن هي أولا وقبل كل شيء تتعلق بالوسط العقلاني والمتزن، “نفس الوسط” الذي من اجل تسويق فكرته دخل لبيد الى السياسة؟ ربما لبيد، الصحافي السابق والذي هو من سلالة يهود النمسا والمجر، يريد أن يدخل التاريخ اليهودي كمن أكمل، أو على الاقل سعى الى اكمال، تحقيق حلم صحافي يهودي من النمسا – المجر إبن القرن التاسع عشر؟. 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى