هآرتس: حان الوقت للتحقيق في ارتكاب الجيش الاسرائيلي المذابح الفظيعة في قطاع غزة
هآرتس 21/1/2026، اوري بار يوسف: حان الوقت للتحقيق في ارتكاب الجيش الاسرائيلي المذابح الفظيعة في قطاع غزة
في المقال الذي نشره في هذا الاسبوع يغيل ليفي (“هآرتس”، 18/1)، اشار الى القضية الاكثر ايلاما في حرب 7 تشرين الاول – وهي خطاب الانتقام كدافع لالحاق الاذى بالابرياء في غزة. وتطرق ليفي الى مقاتلي سلاح البر وعرض دافعين في هذا الخطاب: الاول هو الاهمية الدينية للتيار الحريدي، والثاني هو الحق في التفاخر باستخدام القوة الزائدة على يد من يسميهم “مقاتلو الياقات الزرقاء”.
في الواقع كانت هناك فئة ثالثة، كبيرة ومهمة، التي انخرطت بقدر غير مسبوق من العنف في تاريخ حروب اسرائيل، وكانت مسؤولة عن الجزء الاكبر من الاصابات في صفوف المدنيين اثناء الحرب. هؤلاء هم ابناء وبنات وحدات النخبة، لا سيما وحدة الاستخبارات ووحدة العمليات وطواقم الطائرات. ما زال من السابق لاوانه تحديد اذا كانوا تاثروا من خطاب الانتقام وكيف، لكن من الواضح ان هذه الفئة اظهرت مستوى مرتفع من التوافق خلال فترة الحرب، وهو الامر غير المسبوق في تاريخ الجيش الاسرائيلي، وبالتاكيد في سلاح الجو.
من اجل وضع الامور في نصابها، هاكم احداث مهمة من الماضي:
في 9 تشرين الاول 1973، في احد اصعب ايام حرب اكتوبر، قرر وزير الدفاع في حينه موشيه ديان ورئيس الاركان في حينه دافيد اليعيزر استثمار معظم الموارد لحسم الحرب في هضبة الجولان، وكان العامل الحاسم في هذا القرار هو قصف اهداف عسكرية رئيسية في دمشق. ولكن رئيسة الوزراء في حينه غولدا مئير التي خشيت من الحاق الاذى بالمدنيين، وافقت على ذلك بعد ضغوط كبيرة، وعندما عرفت عن وجود اصابات في اوساط المدنيين استخدمت الفيتو ضد أي هجمات مشابهة في المستقبل.
في حرب لبنان الاولى ظهرت مخاوف احداث في نفس اليوم بشان اصابة مدنيين ودمار لا حاجة اليه اثناء غارات لسلاح الجو. هذا الامر كانت له تداعيات كبيرة على رغبة طواقم الطائرات في مواصلة مهاجمة اهداف مشابهة. وعندما عرف قائد سلاح الجو دافيد عبري عن ذلك اصدر امر يقضي بانه في أي موقف تخشى فيه طواقم الطائرات وقوع خسائر فادحة في صفوف المدنيين فانه يجب عليهم الاتصال به مباشرة، وهو الذي سيتخذ القرار وليس هي.
لم تكن الحال هكذا في هذه الحرب. فحتى الان قتل حوالي 70 ألف شخص في غزة واصيب حوالي 170 الف شخص، معظمهم من المدنيين وبسبب القصف الجوي.
لقد كشفت التحقيقات التي اجريت في الاشهر الاولى للحرب بان عملية اتخاذ القرار بشان الهجوم كانت تعتمد على انظمة الذكاء الصناعي التي تحدد الاشخاص كهدف للتصفية، والمنشآت كهدف للاصابة وكفرصة لاستهدافها. وكان ضباط الاستخبارات يعطون الموافقة النهائية على تجريم الهدف. ولكن من الواضح ان هذه العملية كانت شبه آلية، وفي العادة تمنح في غضون ثوان، وحتى عندما لم يكن هناك بحسب البيانات الصادرة عن الانظمة أي يقين حول التشخيص الصحيح للاهداف، وحتى عندما وصل عدد الضحايا الابرياء (الضرر الجانبي) 10 أو 15 شخص واحيانا 100 شخص.
يصعب تحديد عدد العسكريين المشاركين في هذه العملية، بدءا ببناء وتشغيل المنظومات التي تسجل البيانات وتحدد الاهداف ومرورا بمن يوافقون على الهجوم وانتهاء بمن يطلقون النار. ولكن حتى التقديرات المتحفظة تشير الى مئات الاشخاص الذين تسببوا بشكل ما بالحاق الضرر بعشرات آلاف الابرياء وتسببوا في تدمير مدني غير مسبوق.
هنا يطرح السؤال الذي لن تحاول أي لجنة تحقيق، رسمية أو غيرها، الاجابة عليه، وهو كيف يعقل انه حتى ضمن هذه المجموعة الكبيرة، التي تربى ابناءها وبناتها على الاغلب في عائلات ميسورة وتلقوا تعليم ليبرالي علماني، لم ينهض أي احد حسب معرفتنا ورفض الامتثال للامر. لا يمكن الادعاء بانهم لم يكونوا يعرفون عن الامر. ومع ان وسائل الاعلام الاسرائيلية فرضت رقابة طوعية بدرجة كبيرة على الماساة المستمرة، الا انه يمكن لاي شخص مشاهدة القنوات الاجنبية ومعرفة ما يحدث في غزة. في حالات نادرة مثل حالة محمد أبو القمصان، الذي خرج من اجل استصدار شهادة ميلاد التوأم الذي انجبته زوجته قبل اربعة ايام، الذي وجد عند عودته بان الثلاثة قتلوا في غارة جوية، وحتى ان موقع “واي نت” الاخباري نشر النبأ.
قد تتعدد تفسيرات الطاعة الجماعية. فمذبحة 7 اكتوبر وخطاب الانتقام في اعقابها يعتبران نقطة انطلاق جيدة. ولكن بالنظر الى خلفية المجموعة التي شغلت هذا النظام، فان هذه غير كافية. بعض هذه التفسيرات هي بيئية مثل غياب التواصل المباشر مع هدف الهجوم وتوزيع المسؤولية بين عناصر كثيرة، الامر الذي يضعف الشعور بالمسؤولية الشخصية والميل الى الاعتماد على التكنولوجيا كحل للمعضلة الاخلاقية والمصطلحات المهنية التي تخمد المشاعر الفطرية. وتتعلق تفسيرات اخرى بنظام التعليم الذي لا يعلم الناس طرح الاسئلة الصعبة، والاحتلال المستمر الذي يطمس هوية الفلسطينيين كبشر، والطريقة التي تناولت فيها وسائل الاعلام الحرب. يضاف الى ذلك بعض عناصر الثقافة العالمية بشكل عام، والثقافة الاسرائيلية بشكل خاص، التي تعزز نزعة التوافق والطاعة.
لكن كل ذلك غير كاف. فبعد حرب الايام الستة التي كانت مبررة من كل الجهات والتي حافظ فيها الجيش الاسرائيلي بدرجة كبيرة على الاخلاق القتالية، نشأ خطاب “المحاربين”، أما الان فان الواقع مختلف. الفراغ الاخلاقي الذي خلفته هذه الحرب الفظيعة يحتاج الى اجابة. لقد حان الوقت للتحدث عن ذلك.



