القدس

هآرتس: جمعية إلعاد وسرقة أراضي المقدسيين 

هآرتس 28/8/2022، بقلم: نير حسون وياعيل فريدستون 

في هذا الصيف ظهر في مركز القدس جاذب سياحي جديد وهو “مزرعة في الوادي”. “المزرعة في الوادي تعرض تجربة زراعية فريدة من نوعها، تشعرنا بمهنة الزراعة اليدوية القديمة، طبقاً لفصول السنة”، هكذا يعد الموقع الذي يشغل المزرعة – جمعية “العاد”. كان النجاح فورياً. فقد وصل إلى المزرعة آلاف الطلاب والجنود والمتطوعين في الأشهر الأخيرة، وفي العطلة الكبيرة وصلت النشاطات إلى الذروة مع قدوم مئات العائلات إلى المزرعة في جولات وورشات عمل لعصر العنب وقطف الزيتون وأعمال إعداد الحجارة. في المساء، جرت في المكان عروض، وقبل الأعياد سيتجدد أيضاً التعاون مع نادي “هزافا” الذي سيجلب المغنيين عبري ليدار ويوفال ديان إلى المكان. 

النشاطات في المزرعة جزء من جهود شاملة لجمعية “العاد” لتوسيع نطاق نشاطاتها من سلوان غرباً. منذ سنوات، يعمل فوق المزرعة مرفق للمناسبات الخاصة للجمعية التي تشغل منشأة تخييم غير بعيد من هناك، من الجهة الأخرى للوادي حصلت الجمعية على مسؤولية عن مقبرة قديمة، ويقوم عمالها بأعمال ترميم شاملة فيها، يمر الوادي بعملية شد وجذب. فأعضاء “العاد” أقاموا مدرجات حجرية جديدة وبنوا جدراناً وشقوا مسارات.

لم يكن من الممكن القيام بهذه النشاطات الحثيثة دون دعم كثيف من نحو عشر سلطات ووزارات مختلفة، التي قامت أحياناً بمط حدود الإدارة السليمة لمساعدة الجمعية في وادي “بن هينوم”. القيم على أملاك الغائبين وضع يده على الأرض، وسمحت سلطة الطبيعة والبيئة للجمعية بالعمل باسمها، واستخدمت بلدية القدس أوامر التخضير، وغضت سلطة الآثار النظر عن حفريات أثرية بدون رقابة، وترسل وزارة التعليم الطلاب ويرسل الجيش الجنود، ووزارة القدس والتراث تمول سفريات بالمجان إلى المزرعة ذهاباً وإياباً، وسلطة تطوير القدس تمول مشاريع مختلفة، وشركة “كديشا” تسمح بالعمل في المقبرة وما شابه. هكذا، تضافرت جهود السلطات لمساعدة جمعية “العاد“.

 في ظل كورونا

وادي “بن هينوم” هو واد عميق بين حي أبو طور وجبل صهيون. الخط الأخضر الذي قسم القدس حتى العام 1997 يخترق الوادي من الوسط. حتى السنوات الأخيرة، كان الوادي منطقة مفتوحة ومهملة، لكن الجزء الأكبر كان عبارة عن حقول زيتون تعهدتها عائلات فلسطينية من قرية سلوان المجاورة. وقالت “العاد” وسلطة الطبيعة والحدائق إن المنطقة كانت مهملة ومليئة بمخلفات البناء، وأن سكان القدس لم يحضروا إلى المكان. نعامي زوسمان، وهي من سكان أبو طور وناشطة ضد جمعية “العاد”، تتذكر وادياً مختلفاً: “في المنطقة، التي يعدّ مطور الجزء الغربي منها، كنا نتنزه ونجري حفلات عيد الميلاد للأولاد. الجزء الشرقي منها كان أقل سياحية، لكن كانت فيه عظمة قديمة وهالة برية. كان الفلسطينيون يتجولون هناك بالخيول، وكان من الجميل مشاهدتهم“.

منذ سنوات كثيرة وجمعية “العاد” توسع حدود نشاطاتها في المنطقة، وتسارعت في السنتين الأخيرتين العملية، وبدأ مشهد الوادي يتغير. قالت زوسمان إن الجمعية استغلت إغلاقات كورونا للدخول إلى المنطقة بدون معارضة السكان الفلسطينيين. أثمرت الجهود، وتغيرت طبيعة المنطقة بصورة كبيرة. أحيطت حقول الزيتون بأسوار ومدرجات حجرية جديدة، ووضعت في المكان لافتات وأعلام “العاد” وسلطة الطبيعة، وبدأت مجموعات من المتطوعين والعمال يصلون إلى المكان يومياً. زاد التوتر في المنطقة واندلعت عدة شجارات عنيفة بين العمال والسكان الفلسطينيين. وتدخلت الشرطة وأبعدت الفلسطينيين. كل ذلك لم يكن ليحدث بدون مساعدة كثيفة من الدولة على مختلف هيئاتها.

 في 5 كانون الثاني 2021 اكتشف أبناء عائلة سومرين من قرية سلوان بأن أعضاء الجمعية دخلوا إلى حقل الزيتون الذي يعتنون به في وادي بن هينوم، وبدأوا بالعمل فيه. تطورت في المكان مواجهة تم في نهايتها إبعاد أبناء العائلة من قبل الشرطة. بعد ثلاثة أسابيع، تم تسجيل الأرض في الطابو باسم القيم على أملاك الغائبين. القيم هو هيئة تابعة لوزارة المالية، يعمل بحسب قانون أملاك الغائبين الذي سُنّ في 1950 لوضع اليد على الممتلكات التي تركها الفلسطينيون وراءهم في 1948.

 في حالة وادي بن هينوم، تذكر القيم وضع اليد على قطعتي أرض بعد نحو سبعين سنة على كونها، كما يبدو، كانت أملاك غائبين وبتوقيت يريح أعمال “العاد” للبدء في المكان. فعلياً، سجلت الأرض على اسم القيم بعد ثلاثة أسابيع على بدء العمل في المكان. ولكن القيم صادق لسلطة الطبيعة والحدائق العمل في هذه القطع قبل سنتين. نفت وزارة المالية أن القيم تلقى أي طلب من “العاد” أو من أي هيئة أخرى لوضع اليد على الأرض.

 قدم أبناء عائلة سومرين دعوى بواسطة المحامي مهند جبارة في محكمة الصلح، وهي دعوى ما زالت قيد البحث. في رد الدولة، قيل إن الأمر يتعلق بممتلكات لأشخاص يعتبرون غائبين، لذلك فإن عبء الإثبات ملقى على عاتق المدعين. قال المحامي جبارة إنه حتى لو تعلق الأمر بأملاك غائبين، وهو ادعاء يعارضه بشدة، فعلى القيم أن يعمل حسب القانون ويطلب إخلاء الأرض بواسطة التنفيذ، لا أن يغزو هذه الأراضي بدون مصادقة من الذين يمتلكونها.

 تحيز سياسي

 الهيئة الحكومية الأهم في المنطقة هي سلطة الطبيعة والحدائق، فمعظم منطقة الوادي مشمولة في الحديقة الوطنية التي تحيط بأسوار القدس. في آب 2020 وقعت سلطة الطبيعة والحدائق مع جمعية “العاد” على اتفاق لمشروع مشترك. وهذا الاتفاق أعطى تفويضاً لـ”العاد” بالعمل باسم سلطة الطبيعة والحدائق في وادي “بن هينوم”. ولأن الأمر يتعلق بـ “مشروع مشترك”، فلم يتم طرح عطاء. هناك تعاون دائم بين “العاد” وسلطة الطبيعة والحدائق منذ سنوات كثيرة. الجمعية تدير الحديقة الوطنية في مدينة داود باسم سلطة الطبيعة والحدائق. وعندما وجهت منظمات يسارية انتقاداً لهذا التعاون، ادعت سلطة الطبيعة والحدائق وجمعية “العاد” بأن للجمعية عقارات كثيرة في مدينة داود، لذلك من المنطقي أن يتم اختيارها لإدارة الحديقة الوطنية. ولكن لا يوجد للجمعية عقارات في وادي “بن هينوم”. “كان الادعاء أن لهم حقوقاً ملكية في مدينة داود. ولكن أي أفضلية توجد لل”إلعاد” في وادي “بن هينوم” عن الجهات الأخرى؟ هذا غير واضح”، قال مصدر رفيع في وزارة حماية البيئة.

 رغم أن العقد مدته خمس سنوات، إلا أنه بعد سنة وشهرين على التوقيع تم التوقيع على اتفاق آخر يطيل التعاون حتى العام 2030. تعتقد وزارة حماية البيئة التي تشرف على سلطة الطبيعة والحدائق، أن سبب ذلك هو رغبة مدير عام سلطة الطبيعة والحدائق السابق، شاؤول غولدشتاين، ورئيس مجلس “يشع” السابق ومن اعتبر مقرباً من “العاد”، الرغبة في ضمان صفة حصرية للجمعية على المشروع في “بن هينوم” حتى نهاية العقد. في الوقت نفسه، كما كشف المراسل ميرون ربابورت، فقد مدد غولدشتاين التعاون الشامل بين سلطة الطبيعة والحدائق وبين “إلعاد” لعشر سنوات أخرى. أدت هذه النشاطات إلى استياء وزيرة حماية البيئة تمار زيندبرغ التي قالت بأن غولدشتاين فعل ذلك خلافاً لموقفها وخلافاً للإدارة السليمة.

 الوزيرة زيندبرغ هاجمت غولدشتاين بشدة في هذا السياق: “في فترة ولايته، مرت سلطة الطبيعة والحدائق بعملية خطيرة من التسييس، لا سيما في مجالات شرقي القدس. ذروة هذه العملية كانت عندما استغل غولدشتاين الأسابيع الأخيرة في منصبه للتوقيع سراً على تمديد الاتفاقات مع “العاد” والامتناع عن إدارة وتشغيل مناطق واسعة في شرقي القدس لعقد قادم بصورة تتجاوز الإجراء الذي كان متبعاً في السابق وخلافاً للإدارة السليمة، رغم أن الاتفاقات كانت سارية المفعول لسنوات قادمة”. وقد أكدت زيندبرغ أنه “فعل ذلك بدون إبلاغ الوزيرة المسؤولة عنه بهذه الاتفاقات، الأمر الذي يثير الشكوك بأن هذا الأمر لم يتم بسذاجة، حيث كان يدرك أن هذه النشاطات مناقضة لموقف الوزيرة، لتستطيع “العاد” إبعاد السكان ومحاباة نشاطات مهنية لأسباب سياسية“.

 مخالفات بناء

 في الجانب الآخر للوادي، احتاجت الجمعية إلى مساعدة سلطة أخرى وهي بلدية القدس، للعمل في المنطقة. في هذه الحالة، وقع رئيس البلدية على “أوامر تخضير”. أمر التخضير هو وسيلة قانونية تمكن البلدية من السيطرة على منطقة مهملة في المدينة من أجل تطويرها. ويم إصدار أمر التخضير لمناطق صغيرة داخل حدود البلدية لتمكينها من تنفيذ أعمال حدائق مؤقتة. في حالة وادي “بن هينوم”، صدرت الأوامر لمنطقة بمساحة 200 دونم، يبدو أنها أوامر زراعة الحدائق الأوسع التي تصدرتها إسرائيل. والبلدية لم تنفذ بنفسها هذه الأعمال، بل أعطتها لسلطة الطبيعة والحدائق التي بدورها أعطتها لجمعية “العاد”. في الأسبوع الماضي، رفضت القاضية في محكمة القدس، رفكا فريدمان فيلدمان، التماساً قدمه السكان وصادقت على إجراء البلدية.

 في السنوات الأخيرة، بدأت مجموعات مختلفة تصل إلى المكان، من بينها التي تبدو مثل “شبيبة التلال”. في إحدى الحالات في أيار الماضي، هاجم شباب يهود جاءوا إلى المنطقة رياض سومرين وابنه ليث عندما كانا في طريق العودة إلى البيت. كلاهما أصيب واحتاج إلى علاج طويل. لم يتم اعتقال أحد منهما رغم أن العائلة سلمت للشرطة فيلماً تظهر فيه مجموعة المهاجمين. في الفيلم أيضاً عرف بعض اليهود عن أنفسهم بكلمات “نحن من مدينة داود”. زئيف هكوهين، مدير لواء القدس في سلطة الطبيعة والحدائق، كتب في رسالة رد على شكوى منظمة الآثار “عيمق شفيه” بأن المعتدين لم يكونوا مرتبطين بسلطة الطبيعة والحدائق أو “العاد”، وأنهم زاروا المكان بشكل مستقل“.

 تضم المنطقة التي تم وضع اليد عليها استناداً إلى أوامر التخضير، مقبرة سامبوسكي، وهي مقبرة يهودية قديمة استخدمت لدفن الفقراء الذين لم يكن لديهم المال لوضع الشواهد على القبور. حصلت جمعية “العاد” على إذن من شركة “كديشا” السفاردية التي تدير المقبرة لإدارة أعمال لترميم المقبرة. تم حرث الأرض ووضع شواهد حجرية صغيرة لتحديد القبور. ولكن، حسب أقوال من ينتقدون الجمعية، لا يدور الحديث عن ترميم حقيقي، بل عن إقامة مقبرة فاخرة.

 وخلال الأعمال في المقبرة، تم الحفر بمعدات ثقيلة، رغم أن الأمر يتعلق بموقع أثرى معلن عنه في قلب الحوض التاريخي في القدس. تمت الأعمال بدون رقابة من سلطة الآثار. توجه عدة جهات، منها سكان فلسطينيون و”عميق شفيه”، للسلطة وجرى الرد عليهم بأن هذه الأعمال معروفة ومصادق عليها. في إطار هذه الأعمال، أقامت الجمعية أيضاً أساسات لبوابة كهربائية قد تقطع طريق الوصول إلى الحي الذي يعيش فيه مئات الفلسطينيين.

 في سنوات التوتر، أجريت أعمال بناء واسعة في المزرعة والمقبرة تشمل إقامة الجدران والمباني وشق الطرق وبناء مدرجات حجرية. وهي أعمال تمت بدون رخص من بلدية القدس، التي من ناحيتها لم تكلف نفسها عناء الرقابة على البناء هناك. نائب رئيس بلدية القدس، يوسي حفيليو، كتب في رسالة أرسلها إلى المديرة العامة لسلطة الطبيعة والحدائق، رعيه شوريك، بأن الأعمال في المقبرة تحتاج إلى رخصة بناء، التي لم يتم إصدارها، وأن الأمر يتعلق بأعمال غير قانونية. وفي الرسالة التي أرسلها زئيف هكوهين، مدير لواء القدس في سلطة الطبيعة والحدائق، اعترف بأنه كان هناك على الأقل حالة واحدة من مخالفات البناء التي طلب فيها من الجمعية هدم جدران أقيمت. في هذه الرسالة، اعترف أيضاً بأن “العاد” أغلقت المزرعة أمام الجمهور في الأوقات التي كان يتعين أن تكون مفتوحة فيها.

 “قتلت وورثت أيضاً“

 تشعر جهات سياحية في المدينة بأن توسع “العاد” جاء على حساب مواقع سياحية أخرى في القدس. “القدس مدينة فقيرة جداً، وهيئات سياحية كثيرة تعتمد على الميزانيات التي تأتي من الدولة. ولكن جزءاً كبيراً من الميزانيات يصل إلى “العاد” بكل الطرق والبنود، سواء عبر وزارة السياحة وسلطة تطوير القدس، ووزارة القدس والتراث، والجيش الإسرائيلي الذي يحضر مجموعات لجولات منظمة. عملياً، يحددون أجندة السياحة، ويدخلون إلى مجالات لا علاقة لهم فيها بتطوير حوض البلدة القديمة، مثل جولات تذوق في سوق “محنيه يهودا”، أو “بيت هغاي” الذي هو قاعة أفراح”، قال مصدر مطلع على فرع السياحة في المدينة، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه. حسب قول هذا المصدر، النتيجة هي سيطرة “العاد” على أجزاء كبيرة من فرع السياحة وإبعاد مشغلين صغار.

 أحد الأرقام القياسية لمساعدة الجمعية هو الرحلات المجانية، التي أطلقتها وزارة القدس للوصول إلى حائط المبكى في 2013. كانت نقطة الانطلاق من مبنى المحطة الأولى غربي المدينة. والرحلات المكوكية تسير عبر وادي “بن هينوم” وسلوان إلى مدينة داود وباب المغاربة بسرعة ونجاعة. في فترة كورونا تم وقف الرحلات المكوكية. وقبل نحو أسبوعين، أعلنت وزارة القدس والتراث عن استئناف هذه الرحلات المكوكية – مع إضافة محطة جديدة، وهي “المزرعة الزراعية” في وادي “بن هينوم”. هكذا تحصل “العاد” على زوار كثر يأتون إلى موقعين من مواقعها. الجمعية هي من الجمعيات الثرية في البلاد، وتمول نصف تكلفة الرحلات المكوكية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى