ترجمات عبرية

هآرتس : تسخين علاقات تركيا والسعودية: النزاعات تحني رأسها في حضرة المصالح

تسفي برئيل

هآرتس 2022-05-0 – بقلم: تسفي برئيل

هل الملك سلمان، ملك السعودية، هو الذي قام بدعوة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لزيارة رسمية في بلاده أم أن أردوغان هو الذي قام بدعوة نفسه؟. يبدو أن هذا السؤال شغل في هذا الأسبوع من يستخدمون الشبكات الاجتماعية في السعودية اكثر من الزيارة نفسها التي استغرقت يومين والتي قام بها الرئيس التركي في يوم الخميس الماضي في مدينة جدة.
يتعلق الفرق بين الأمرين بقضية شرف ومكانة الدولتين. لأنه إذا كان أردوغان قد بادر الى الزيارة فإن الأمر يتعلق بالذهاب لدفع غرامة، لكن إذا كانت المملكة هي التي بادرت الى الزيارة فإن الأمر يتعلق بدولتين متساويتين في المكانة، تبلغان عن إنهاء متبادل للنزاع بينهما والذي استمر مدة اربع سنوات.
خرجت السعودية أخيرا ببيان رسمي جاء فيه بأن الملك هو الذي قام بدعوة أردوغان، وبذلك وضع حدا للتحليلات. كما يبدو، لأنه في الاستقبال في مطار جدة لم يكن محمد بن سلمان هو الذي انتظر أردوغان، بل حاكم مكة خالد الفيصل. الفيصل هو أمير مقدر يشغل، ضمن أمور أخرى، منصب مستشار الملك سلمان، وهو كان الوسيط السعودي الذي أجرى في 2018 المفاوضات التي استهدفت إنهاء قضية قتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي بهدوء واتفاق. المفاوضات فشلت عندما رفض أردوغان الاقتراحات المقدمة. الاحتضان المتبادل الذي قام به في الأسبوع الماضي مع الفيصل وبعد ذلك مع ابن سلمان دفن نهائيا الخاشقجي.
يوجد ثمن للمصالحة بين السعودية وتركيا. تركيا وافقت على أن تنقل للسعودية استمرار إدارة محاكمة المشبوهين الـ 26 المتورطين في قتل الخاشقجي، وبهذا إسدال الستار فعليا على القضية. ولا يقل عن ذلك أهمية تغريدة أردوغان في تويتر التي تقول، “تركيا تعارض أي شكل من أشكال الإرهاب، نحن نولي أهمية للتعاون مع دول المنطقة ضد الإرهاب”. هذا ليس تصريحا عاديا من نوع التصريحات التي يسمعها الزعماء بين حين وآخر بشكل عرضي. هو موجه بشكل جيد ضد الإخوان المسلمين الذين تعتبرهم السعودية منظمة إرهابية. وعند عودته الى تركيا أمر أردوغان بإغلاق قناة تلفزيون “المكملون” للإخوان المسلمين وأوضح لزعمائهم الذين يتمتعون برعاية الدولة بأن “الظروف السياسية تغيرت”، أي أنه يمكنهم مواصلة أن يكونوا ضيوفا في تركيا، لكن عدم مواصلة العمل في نشاطات سياسية واستخدام وسائل إعلامهم لهذا الغرض.
بهذا فإن أردوغان استجاب ليس فقط لطلب السعودية، بل أيضا لطلب مصر التي طالبته بتسليم كبار قادة المنظمة كأحد الشروط لاستئناف العلاقات. وفي موازاة ذلك، من اجل إرضاء إسرائيل، نشر بأن أردوغان أوضح أيضا لـ”حماس” بأنه لن يسمح بمكوث رجال عز الدين القسام في تركيا. وحسب مصادر فلسطينية فإن تركيا طردت في السابق بضع عشرات من نشطاء “حماس” من أراضيها.
حتى قضية الخاشقجي سادت بين تركيا والسعودية علاقات سليمة وحتى وثيقة. وعندما تم تعيين سلمان ملك في 2015 كان أردوغان من بين أول من قاموا بتهنئته وحتى أنه حضر حفل تتويجه. بعد سنة، وقع اتفاق تعاون استراتيجي بين الدولتين الذي في إطاره أقيم مركز مشترك للتعاون السياسي والاقتصادي. هذا كان إنجازا مهما بصورة خاصة لأردوغان إزاء العداء الشديد والقطيعة في العلاقات التي سادت بين مصر، حليفة السعودية، وبين تركيا التي اعتبرت السيسي ليس اكثر من جنرال سيطر في 2011 على السلطة بانقلاب عسكري غير شرعي.
لكن منذ ذلك الحين، هبت في دول الخليج الصحراوية عدة عواصف رملية غطت تركيا وحولتها الى دولة غير مرغوب فيها ومعادية ومهددة وخطيرة، مثلما اعتبرها زعماء السعودية واتحاد الإمارات ومصر. عندما بادرت الرياض هي وأبو ظبي والبحرين ومصر الى فرض المقاطعة الاقتصادية الشديدة على قطر في 2017 كانت تركيا هي التي سارعت الى إنقاذ قطر من العزلة. قافلة تموين جوية تركية أرسلت عبر إيران الى الدوحة، عاصمة قطر، وأدانت تركيا بشدة المقاطعة وأنشأت قاعدة عسكرية في قطر. وبعد ذلك التعاون مع قطر في الحرب في ليبيا ضد الجنرال الانفصالي خليفة حفتر. وعندما وقفت تركيا وقطر الى جانب الحكومة المعترف بها في ليبيا فإن السعودية والإمارات ومصر دعمت وساعدت عسكريا حفتر. وفي 2018 انفجرت قضية الخاشقجي الذي تم تقطيع جسده بالمنشار على يد عملاء لابن سلمان في القنصلية السعودية في إسطنبول. ومنذ ذلك الحين تبين أنه لا توجد أي إمكانية للمصالحة بين الدولتين.
توجد ميزة ثابتة للنزاعات بين الدول وهي أن قوتها وسخونتها تتلاشى عندما تنشأ مصلحة قوية اكبر من التي أبقتها على قيد الحياة. هكذا، حركة الطرد المركزي التي أبعدت السعودية عن تركيا هي أيضا التي في النهاية قاربت بينهما. في الوقت الذي تتحول فيه السعودية الى دولة منبوذة في الإدارة الأميركية وفي الدول الأوروبية بسبب قتل الخاشقجي فإن تركيا أصبحت تهديدا استراتيجيا للناتو بسبب صفقة شراء الصواريخ المضادة للطائرات الروسية من نوع “اس 400”. حتى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، صديق ومنقذ أردوغان، اضطر في 2020 الى فرض عقوبات على تركيا وطردها من مشروع التطوير والبيع لطائرات “إف 35” وفرض قيودا على رؤساء الصناعات العسكرية فيها. هذا في الوقت الذي بدأت فيه أنقرة في نفس الوقت مسار تدهورها الاقتصادي الذي وصل الى حضيض غير مسبوق في السنة الماضية بمساعدة كبيرة من “كورونا”. انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة أوقع بشرى قاسية على قصر أردوغان الرئاسي الفاخر. بايدن لم يخف الاشمئزاز من الرئيس التركي، ومرت عدة اشهر قبل موافقته على إجراء مكالمة هاتفية معه. أردوغان كان يمكنه فقط تعزية نفسه بأن مكالمة كهذه لم تحدث حتى الآن بين بايدن وابن سلمان.
لكن بالتحديد سياسة بايدن في الشرق الأوسط، التي رفعت علم حقوق الإنسان الى جانب التطلع الى الانسحاب من المنطقة الغارقة في النزاعات والدموية التي أضرت بالولايات المتحدة وهزت مكانتها، هي أيضا التي وضعت صمغا جديدا بين دول عدوة. اتحاد الإمارات كانت الأولى (باستثناء قطر) في اختراق سور العزلة لتركيا عندما استأنفت معها العلاقات الدبلوماسية وأخرجت من جيبها 10 مليارات دولار كاستثمارات موعودة في تركيا إضافة الى 5 مليارات دولار في صفقة لتبادل العملة. في المقابل، تركيا تجري اتصالات على مستوى عال مع مصر بهدف استئناف العلاقات الدبلوماسية وإنهاء النزاع، مثلها أيضا مع إسرائيل التي فيها يتوقع أن تجرى هذا الشهر زيارة أولى لوزير الخارجية التركي مولود تشاوتشولو، والآن، تجري الزيارة الرسمية لأردوغان في السعودية.

هدية ثمينة
بدأت عملية نسج العلاقات قبل الحرب في أوكرانيا، وجاءت نتيجة سياسة تركيا لفتح طرق الاستثمار والتمويل الإقليمية كأساس لحل الأزمة الاقتصادية العميقة، التي خفضت 40% قيمة الليرة التركية وأوصلت التضخم الى 61% تقريبا. يبدو أن النجوم انتظمت جيدا أيضا لصالح السعودية، التي اعترفت بأن علاقاتها العكرة مع الولايات المتحدة تلزمها بالبحث عن بدائل وتشكيل تحالفات إقليمية جديدة.
ليس فقط تركيا هي التي انتقلت من قائمة الدول المرفوضة الى قائمة الدول التي تستحق إعادة الفحص، بل أيضا مع إيران تجري الرياض مفاوضات استمرت عدة أسابيع بهدف التوصل الى تفاهمات تسوي وتستأنف العلاقات بينهما التي قطعت في 2016. السعودية، بصورة تقليدية، تفضل العمل داخل كتل أو تحالفات تستطيع توجيهها كما تشاء، من خلال الاعتماد في الماضي على قوتها الاقتصادية وعلى القاعدة الصلبة التي بنتها خلال عشرات السنين في واشنطن. هكذا أنشأت التحالف العربي للحرب في اليمن وكتلة الدول المناهضة لإيران. ولكن بعد أن توقفت واشنطن عن أن تكون الركيزة القوية والسوط المخلص الذي ساعد المملكة وإزاء احتمالية أن تعود إيران الى الساحة الدولية، بدأت السعودية في فحص خيارات جديدة مثل التعاون مع روسيا والصين وبناء كتلة مع تركيا، وربما بعد ذلك مع إيران أيضا.
تركيا أردوغان في المقابل تصرفت بشكل عام كعازف منفرد. أردوغان استخف بتهديدات الاتحاد الأوروبي عندما طلب منه تحسين وضع حقوق الإنسان؛ واستكمل صفقة شراء الصواريخ الروسية خلافا لطلب ترامب؛ وارسل سفن تنقيب الى مناطق في البحر المتوسط، التي تدعي فيها اليونان وقبرص ملكيتها لها؛ وساعد أذربيجان في حربها ضد أرمينيا في ناغورنو كارباخ، وبهذا صعد الى مسار التصادم مع روسيا. باختصار، تركيا تتصرف كدولة عظمى لا تحتاج الى شراكة، في حين أن السعودية تنشغل في إنشاء دعامات لمكانتها. استئناف العلاقات مع دول الخليج لا يناقض رؤية تركيا الاستراتيجية. شعار “تركيا أولا” سيواصل كونه المبدأ الذي سيوجهها.
الحرب في أوكرانيا منحت تركيا والسعودية ودول النفط الأخرى هدية ثمينة، ليس فقط أن أسعار النفط والغاز أثرت خزائنها بصورة دراماتيكية وغير متوقعة، بل هذه الدول تحولت الى عامل حيوي تستند إليه سياسة العقوبات المفروضة على روسيا. فجأة الرئيس بايدن يحاول التحدث مع ابن سلمان لإقناعه بزيادة إنتاج النفط وبذلك خفض سعره العالمي. وهذه المرة ابن سلمان نفسه، المنبوذ، يرفض الرد على المكالمة. أيضا تركيا، التي في الواقع هي ليست منتجة نفط أو غاز، تجد نفسها مطلوبة لأنه رغم أنها عضو في “الناتو” وملزمة بالسياسة المناهضة لروسيا لهذا الحلف، فهي ترفض في هذه الأثناء الانضمام للعقوبات التي فرضت على روسيا. ومن اجل أن تضمن تمسكها بسياسة بايدن المناهضة لروسيا يبدو أنه حتى قضية شراء الصواريخ الروسية لم تعد تشكل عائقا أمام ترميم منظومة العلاقات مع البيت الأبيض.
تركيا تريد أن تشتري من أميركا 40 طائرة “إف 15” و80 منظومة تطوير للطائرات القديمة بمبلغ 6 مليارات دولار. قبل الحرب في أوكرانيا تم إبلاغ تركيا بأن هذا الطلب يتوقع أن يتم وضعه في تجميد عميق. ولكن مؤخرا طلب وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، تسريع المصادقة على الصفقة، وأعضاء كونغرس ديمقراطيون، الذين اكدوا في السابق على أنهم سيعارضون بيع الطائرات، يسمعون نغمة جديدة. ومثلما أوضح رئيس لجنة الخدمات المسلحة في الكونغرس، الديمقراطي آدم سميث، “نحن نحتاج الى العلاقات مع تركيا. يجب علينا العثور على طرق لإعادة بنائها من جديد”. بناء علاقات، مثل أي بناء آخر، لا يتم بالمجان. وكما قلنا، النزاعات دائما تحني رأسها أمام المصالح.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى