هآرتس: ترامب جيد لتركيا وليس لاسرائيل

هآرتس 3/2/2026، اسحق بريك: ترامب جيد لتركيا وليس لاسرائيل
خطوات الرئيس الامريكي دونالد ترامب تضعف اسرائيل وستؤدي الى عزلتها في الشرق الاوسط، الامر الذي يشكل خطر وجودي – امني واقتصادي – لدولة اسرائيل. ومن خلال تحليل التداعيات الاستراتيجية لسياسة ادارة ترامب بشان مكانة اسرائيل تتضح لدينا صورة تحول جذري: فبينما سعت الولايات المتحدة في السابق الى تشكيل تحالف اقليمي حول اسرائيل (مثل اتفاقات ابراهيم)، هي الان تدعم محور تركي – سني مهيمن، يدفع اسرائيل الى الهامش. هكذا يجري الامر:
- تعزيز مكانة تركيا كـ “مقاول تنفيذي” للولايات المتحدة. سياسة ترامب “امريكا اولا” تهدف الى تقليص التدخل العسكري المباشر في الشرق الاوسط. ومن اجل ملء الفراغ فان ترامب يتوجه الى تركيا برئاسة اردوغان، التي هي قوة اقليمية مؤثرة (عضوة في الناتو وتملك ثاني اكبر جيش في الحلف). كيف يؤثر ذلك على اسرائيل؟ ترامب يعتبر اردوغان صديق وشريك استراتيجي، ويعطي الدعم الامريكي، بما في ذلك استثمار مليارات الدولارات، في الامن وفي التكنولوجيا المتقدمة، في تركيا، اردوغان الموارد المطلوبة لتوسيع نفوذه في سوريا، العراق ولبنان، وهي مناطق توجد لاسرائيل فيها مصالح امنية حيوية.
- بلورة المحور التركي – السعودي – الباكستاني وعزل اسرائيل امنيا. من التحركات الاكثر اقلاقا انضمام تركيا الظاهر للاتفاق الامني بين السعودية وباكستان (في ايلول 2025). ولكن الباكستان هي دولة نووية. ان اجتماع القدرة النووية الباكستانية والثروة السعودية والقوة العسكرية والتكنولوجية التركية، تخلق “محور اسلامي ضخم”. هذا محور يعمل بالتنسيق مع واشنطن وبدون اشراك اسرائيل. فكلما عززت السعودية علاقاتها الامنية مع تركيا (بدعم من ترامب) تضاءل المحفز لتطبيع علاقاتها مع اسرائيل. حيث ستحصل على “مظلة امنية” اقليمية بديلة لا تلزمها بدفع ثمن سياسي امام العالم الاسلامي.
- ضرر كبير لاقتصاد اسرائيل (من ناحية الطاقة). لقد امضت اسرائيل عقد من الزمن في ترسيخ مكانتها كـ “جسر للطاقة” بين الخليج واوروبا (عبر اليونان وقبرص). تهدد سياسة ترامب التي تشجع على الاستثمار في البنى التحتية التركية بتهميش دور اسرائيل، اذ يعتبر الممر التركي – استثمارات سعودية في انابيب الغاز عبر سوريا الى تركيا ومنها الى اوروبا – البديل الارخص والاقصر من المسار الاسرائيلي.
هذا السيناريو ايضا يمكن ان يؤدي الى انهيار مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الاوسط واوروبا (آي.ام.إي.سي). فقد يتم استبدال هذا المشروع الذي تم تعليق آمال كبيرة عليه في اسرائيل بمسارات تتجاوز اسرائيل، الامر الذي سيقوض الانجازات الجيواقتصادية لاتفاقات ابراهيم.
- التراجع في المساعدات الخارجية الامريكية. لقد اوضح ترامب بالفعل لبنيامين نتنياهو بانه لا ينوي تجديد المساعدات الخارجية الامريكية في نهاية العقد الحالي (الذي حصلت فيه اسرائيل على 38 مليار دولار حسب قرار من ادارة براك اوباما). من غير المعقول ان يقدم نتنياهو هذا القرار للراي العام على انه قراره. بدلا من التسليم بهذا المصير، الذي قد يشكل كارثة على قدرة اسرائيل على تعزيز دفاعاتها، فان عليه النضال بكل قوته لالغائه. في ظل العجز الكبير في الميزانية الذي خلفته الحرب، وفي ظل غياب المساعدات الامريكية، فانه لا توجد فرصة لاعادة تاهيل الجيش وجعله يقف على قدميه.
- الخطاب المناهض لاسرائيل وتقليص هامش المناورة. اردوغان لا يخفي رغبته في القضاء على دولة اسرائيل أو عزلها تماما على الاقل. عندما يعزز ترامب نفوذ اردوغان اقتصاديا وسياسيا فانه يعطيه الضوء الاخضر لمواصلة نهجه المعادي لاسرائيل بدون دفع ثمن لذلك.
حتى انهيار ايران (نتيجة ضغوط ترامب) لا يعزز بالضرورة من قوة اسرائيل، بل يشكل حافز لتعزيز قدرة تركيا على الردع. تركيا تطمح الى الهيمنة، وهي تفعل ذلك بتتبنى فكر حركة الاخوان المسلمين المعادي لاسرائيل بصورة جوهرية.
الخلاصة هي ان اجتماع مصالح ترامب (الانسحاب ونقل المسؤولية) مع طموحات اردوغان الى الهيمنة، يخلق واقع استراتيجي جديد. اسرائيل تجد نفسها في مواجهة محور سني قوي، مدعوم بالسلاح النووي الباكستاني والاموال السعودية. هذا المحور يسد طريقها الى اسواق آسيا وافريقيا ويجعل دورها كمحور للطاقة بدون جدوى.
بكلمات بسيطة اخرى، في حين ان ترامب قد يرى في تعزيز تركيا خطوة نحو الاستقرار الاقليمي، الا انه بالنسبة لاسرائيل هذه عملية عزل جيوسياسية، حيث يفضل حلفاؤها السابقون (السعودية والولايات المتحدة) المحور التركي على الشراكة مع اسرائيل.



