هآرتس: ترامب ابقى مجال المفاوضات مع ايران، لكن في إسرائيل يقدرون ان الهجوم حتمي
هآرتس 23/1/2026، عاموس هرئيل: ترامب ابقى مجال المفاوضات مع ايران، لكن في إسرائيل يقدرون ان الهجوم حتمي
الجيش الإسرائيلي اكمل في الأيام الأخيرة معظم استعداده لهجوم امريكي محتمل في ايران في المستقبل القريب. القوات الجوية وقيادة الجبهة الداخلية ووحدات الاستخبارات ومنظومات أخرى في حالة تاهب قصوى، ولكن ما زال يوجد الكثير من الغموض. في إسرائيل تشير التقديرات الى ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدف الى توجيه ضربة جوية واسعة النطاق في ايران، على امل ان تؤدي الى سلسلة احداث تنتهي بسقوط النظام.
هذا هو السياق الذي يفسر استمرار الجهود الامريكية لتركيز القوات في منطقة الخليج الفارسي، لكن على المستوى المهني على الأقل ما زال هناك غموض حول طبيعة قراره النهائي (يحتمل ان يكون ترامب قد كشف عن مزيد من التفاصيل في محادثاته مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو). أيضا من غير الواضح ماذا سيكون دور إسرائيل في هذه المواجهة، وكيف يعتقد ترامب بانه سينجح في احداث تغيير في النظام في طهران – هدف صعب جدا تحقيقه في عملية جوية قصيرة.
يجب ان تكون نقطة البداية المفترضة في كل ما يتعلق بترامب هي ان تحركاته يصعب التنبؤ بها، وتتميز بالاندفاع وقد تشمل مثلما حدث قبل ساعات من الهجوم الإسرائيلي ضد ايران في حزيران 2025، خطوات متعمدة من الخداع والتضليل. أمس في مؤتمر دافوس قال ترامب ان “ايران تريد الحوار، ونحن سنتحاور”. مع ذلك، يتولد الانطباع بان النظام في طهران قد تحدى الرئيس الأمريكي، سواء من خلال المذابح واسعة النطاق التي نفذها ضد المتظاهرين أو من خلال التهديدات الصريحة لحياته، وان ترامب سيجد صعوبة في كبح جماحه لفترة طويلة.
في وسائل الاعلام الامريكية نشر في الأيام الأخيرة عن نقل قوات بحرية مهمة، من بينها حاملة الطائرات لينكولن، الى منطقة الخليج، وعن وصول طائرات قتالية الى قواعد في الشرق الأوسط، وعن ارسال طائرات تزويد بالوقود من أمريكا الى أوروبا، اكثر قربا الى الخليج. ترامب، كما نشر، طلب من المخططين العسكريين لديه “خيارات حاسمة” امام ايران، في حين انه يتبادل التهديدات مع شخصيات إيرانية رفيعة المستوى. في إسرائيل تم رفع في هذه الاثناء الجاهزية، في حين ان رئيس الأركان ايال زمير زار اول امس قاعدة سلاح الجو نفاتيم في النقب، التي استوعبت في هذا الأسبوع ثلاث طائرات اف35 (ادير) جديدة. زمير اعلن بان الجيش الإسرائيلي مستعد لكل السيناريوهات، ولتطبيق التجربة العملياتية التي راكمها في المعركة السابقة مع ايران.
حسب التصريحات العلنية لترامب وتعليقات الصحافة الامريكية، فانه اذا ما تقرر شن الهجوم فانه سيكون قصير نسبيا وسينفذ في معظمه من الجو، الى جانب هجمات الكترونية محتملة و”عمليات تاثير” تهدف الى تقويض معنويات النظام. وقد يشمل ذلك سلسلة اغتيالات (ترامب يهدد بصراحة بالمس بالمرشد الروحي علي خامنئي)، وهجمات على قواعد وقيادات القوات التي يستخدمها النظام لقمع المظاهرات: الباسيج وحرس الثورة الإيراني. ويمكن لإسرائيل ان تساعد في التغطية على هذه الهجمات، وهي لا تخفي الرغبة في الحاق الضرر مجددا بخطوط انتاج الصواريخ البالستية الإيرانية، التي استانفت نشاطها الكثيف في الأشهر الأخيرة.
شخصيات إسرائيلية رفيعة، بما في ذلك نتنياهو، تقلل من التصريحات العلنية بشان التوتر، وذلك بناء على أوامر مباشرة من رئيس الحكومة. في الوقت الحالي لا تشكل إسرائيل أي تهديد يذكر على ايران، خلافا لما كانت عليه الحال في الأشهر التي سبقت الهجوم السابق. في المقابل، هدد متحدثون إيرانيون بمهاجمة إسرائيل وحلفاء آخرين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بغض النظر عن التورط المباشر في الخطوات الامريكية.
من المنظار الإسرائيلي تبرز ثلاثة أسئلة رئيسية، على فرض ان ترامب حقا مصمم على الهجوم، وهي هل إسرائيل ستشارك من خلال تقديم معلومات استخبارية أو حتى شن هجوم مباشر خلال الضربة الأولى الامريكية؟ كيف سيكون رد فعل ايران على إسرائيل اذا كانت هذه الخطوة أمريكية بحتة؟ والسؤال الأكثر غموضا هو ما الذي تستطيع أمريكا فعله من اجل اسقاط النظام بالفعل، وهو الهدف الظاهر لتهديدات ترامب؟. من المرجح ان يكون مخططو البنتاغون قد أشاروا بالفعل الى هذه الصعوبة لترامب، لكن مشكوك فيه ان الرئيس يستمع اليهم.
لقد اندلعت احدث الاحتجاجات في ايران في نهاية كانون الأول الماضي، وبسرعة تحولت من مظاهرات ضد غلاء المعيشة الى حركة واسعة النطاق تطالب بتغيير فوري للنظام. ولكن النظام باستخدام اشد أنواع العنف في تاريخه، قام بقمع الاحتجاجات خلال أسبوعين فقط، ولا تعتبر تقديرات عدد الضحايا دقيقة تماما، لكن التقدير الأقل الذي تم نشره يتحدث عن 5 آلاف قتيل واكثر.
لا احد يعرف على وجه الدقة مدى فعالية التحركات الهجومية، خاصة ان ترامب يفضل بوضوح الحلول السريعة والنهائية على معارك طويلة. في حزيران عندما هاجمت الولايات المتحدة منشأة فوردو النووية في اعقاب الهجوم الإسرائيلي قال ترامب انه دمر المشروع النووي الإيراني بشكل كامل. هذا كان كذب، لكن كان يصعب دحض أقواله تماما. اما اسقاط أي نظام فهو شيء مختلف، كما يعرف نتنياهو، الذي فشل فشلا ذريعا في اسقاط حكومة حماس في قطاع غزة. هنا يصعب اكثر خلق واقع بديل.
يقود ترامب في نفس الوقت تحركات معقدة واحيانا متناقضة في ساحات مختلفة (ايران، غزة، غرينلاند، أوكرانيا، الصين وتايوان). وفي الخفاء يخوض صراع على مكانة الولايات المتحدة في التنافس القوي على النفوذ ومصادر الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. امس ظهر انه كبح جماح تهديداته بشان غرينلاند، وهو مستعد لتسوية تعطيه فقط جزء مما يريد. هل سيدفعه تنازله هناك الى اتخاذ موقف حازم ومهدد اكثر تجاه النظام في ايران، الذي يدعو ترامب علنا الى اسقاطه؟ أو ان قناة المحادثات بين المبعوث ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ستفضي الى اتفاق نووي جديد توافق فيه ايران على كبح طموحاتها على المدى البعيد؟.
حسابات نتنياهو تجمع إضافة الى الذرائع الأمنية بين الاعتبارات السياسية وسعيه الشخصي للبقاء في الحكم ولاشهر كثيرة. لقد ظهرت تحركات نتنياهو في المنطقة وكانها لعبة بوكر تنطوي على أموال طائلة ومحفوفة باخطار عالية. وقد يؤثر تجدد الحملة في ايران على المزاج العام وتوقيت الانتخابات القادمة والقضايا التي ستكون في مركزها.
ما يجب ان ياخذه رئيس الحكومة في الحسبان، اذا قرر التدخل، هو التهديد للجبهة الداخلية. في حزيران الماضي دافعت عن إسرائيل منظومة اعتراض متعددة الطبقات، التي شملت عدد متنوع من البطاريات الإسرائيلية والأمريكية. ولكن من الجدير تذكر أيضا ان نهاية الحرب الأخيرة كانت بائسة جدا. الإيرانيون، من خلال اليأس، أوقفوا توجيه ضرباتهم لمواقع عسكرية أو استراتيجية بعد ان فشل معظم هذه الهجمات. وبدلا من ذلك اطلقوا الصواريخ على مراكز المدن الكبرى على أمل اسقاط اكبر عدد من الضحايا.
عدد القتلى الإسرائيليين، 30 إسرائيلي، كان اقل بكثير من اكثر التوقعات تفاؤلا للمؤسسة الأمنية، ولكن الاضرار كانت جسيمة وواضحة. وقد برزت التداعيات النفسية لتلك التجربة في الأسابيع الأخيرة، مع ازدياد القلق الشعبي من تجدد اطلاق النار. هذا هو السياق الذي ادعى فيه النظام، بدون أي أساس، بانه انتصر بالفعل في الجولة الأخيرة ضد إسرائيل وأنها هي التي طلبت وقف اطلاق النار في حزيران.



