هآرتس – بقلم  نير حسون - آثار الصدى لاحداث العنف في العاصمة ،  ستبقى ملموسة لزمن طويل آخر - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم  نير حسون – آثار الصدى لاحداث العنف في العاصمة ،  ستبقى ملموسة لزمن طويل آخر

0 73

هآرتس – بقلم  نير حسون – 18/5/2021

” لقد تبين أن الشرطة في اسرائيل غير مهنية. وتبين مرة اخرى أن المسجد الاقصى هو مادة متفجرة تحتاج الى حذر زائد. ولكن ما زال يوجد أمل في التعايش بين اليهود والعرب “.

ميدان الجيش الاسرائيلي يوجد قرب الزاوية الشمالية الغربية من اسوار البلدة القديمة في القدس. من يأتي الى الميدان من مركز المدينة يتجه نحو اليمين اذا اراد أن يصل الى باب الخليل. ونحو اليسار اذا كان هدفه باب العامود. في يوم الاثنين، قبل اسبوع تقريبا (اسبوع فقط!)، قرر رئيس الحكومة في اللحظة الاخيرة أن يتم تغيير مسار “مسيرة الاعلام” حيث لا تمر من باب العامود والحي الاسلامي، بل من باب الخليل. الشرطة استعدت بسرعة لهذا التغيير وقامت باغلاق الميدان بواسطة شاحنات وحواجز طيارة وعدد من رجال الشرطة الذين قاموا بتحويل المشاركين في المسيرة الى باب الخليل والحي اليهودي. في الساعة السادسة مساء، في الفترة التي كان فيها مئات المشاركين في المسيرة يرقصون في الميدان سمعت صافرة الانذار الاولى من جولة اللكمات الحالية مع غزة. شرطيان تأهبا بسرعة وقاموا بالطلب من الجمهور الركض نحو الملجأ الذي يوجد في ميدان البلدية المجاور. معظم المشاركين في المسيرة لم يتمكنوا من ايجاد ملجأ قبل أن يسمعوا من بعيد صوت الانفجار بسبب سقوط الصاروخ في ممر القدس. بيت تضرر ولكن لم يصب أي أحد. موجة من الغضب والاهانة اصابت جمهور المشاركين في المسيرة. بضع عشرات بدأوا يهتفون “الموت للعرب”، وركضوا نحو الحواجز. وقد تم صدهم بسهولة من قبل رجال الشرطة.

موجات غضب مثل هذه، والتي اثارت موجات العنصرية والعنف، تكررت مرة تلو الاخرى في الاسبوع الماضي في الشوارع في اسرائيل. شبان، عرب ويهود وعرب من مواطني اسرائيل، شعروا بالاهانة والغضب التي لا يمكن السيطرة عليها امام ما اعتبر بالنسبة لهم اهانة قومية وحاجة قوية للدفاع عن كرامتهم وكرامة شعبهم. الاسباب تتغير، المس بالمصلين في المسجد الاقصى واطلاق الصواريخ نحو عسقلان أو احراق سيارة في مدينة مختلطة. هذا الغضب المقدس جعلهم يخرجون الى الشوارع من اجل البحث عن ممثلي القطاع المسيء، على الاغلب ضحايا عاجزين أو ممتلكات. هذا الغضب نما في اصيص خصب جدا للتعليم السيء ونظام رفاه منهار وجزر من عدم السيطرة في البؤر الاستيطانية على التلال في الضفة وفي الساحات الخلفية للبلدات العربية. وقد تم ري هذا الاصيص بالتحريض من قبل وسائل الاعلام والشبكات الاجتماعية والسياسيين الشعبويين عديمي المسؤولية.

حتى كتابة هذه السطور، نهاية عملية “حارس الاسوار” لا تلوح في الافق بعد. آثار الصدى التي اصدرتها الهجمات العنيفة في شوارع المدن داخل المجتمع الاسرائيلي ستهزنا لفترة طويلة. ولكن الآن يمكن استنتاج ثلاثة دروس مؤقتة. الاول يتعلق بشرطة اسرائيل، صحيح أننا سنضطر للتحدث عن العوامل الرئيسية للازمة والاحتلال والتمييز ضد المجتمع العربي، لكن لا مناص ايضا من الحديث عن عدم مهنية الشرطة الذي اتضح في هذا الاسبوع. قائمة الاسئلة الصعبة الموجهة لقيادة الشرطة العليا يزداد طولها في كل يوم يمر: كيف يمكن أنه في عملية الفتك في بات يم كان يوجد مراسلون ولكن لم يكن يوجد رجال شرطة؟ هل فحص شخص ما سؤال هل الاستخدام المبالغ فيه لتفريق المظاهرات، مثل استخدام المياه العادمة وقنابل الصوت، يؤدي الى عقاب بيئي، وفي نهاية المطاف ازدياد حدة الاحداث بدلا من تهدئتها؟ هل تم فحص امكانية استدعاء الشيخ كمال الخطيب للتحقيق معه بدلا من القيام بعملية شبه عسكرية واعتقاله في كفر كنا؟ هل تم اشراك جهات مهنية، التعليم والصحة، لمنع خروج الشباب اليهود من اجل المس بالعرب؟ لماذا لم تعمل الشرطة في شبكات التلغرام العنيفة والمحرضة لليمين، مثلا عن طريق ابلاغ المشاركين في مجموعات عن نوع المخالفات ومستوى العقوبة المناسبة اذا استجابوا لدعوات العنف؟ وماذا يعني وجود رجال شرطة يتجولون في شوارع يافا وهم يحملون رمز الجماجم المأخوذ من مسلسل “المعاقِب”؟.

الاستنتاج الثاني، الذي كتب مرات كثيرة في تقديرات الاستخبارات، هو أنه يجب عدم الاستخفاف بأهمية القدس والمسجد الاقصى بالنسبة للفلسطينيين، في البلاد وفي الضفة وفي غزة. اغلاق الدرج في باب العامود ومنع حافلات المصلين من الوصول الى الحرم والاقتحام العنيف للحرم واهمال العلاقة بين الاوقاف والشرطة وتشجيع منظمات اليمين في الشيخ جراح وغيرها، جميعها اخطاء تكتيكية للضباط في الميدان أو هي نتيجة لسياسة مميزة وخاطئة للشرطة. وعلى أي حال، هي أدت الى ايقاظ المخاوف العميقة جدا لدى الفلسطينيين من مس اسرائيل بشعارهم الوطني، الديني والشعبي، الاكثر اهمية بالنسبة لهم. لا أحد يمكنه أن يعرف هل هذه المواجهة المسلحة لم تكن لتندلع بدون هذه الاخطاء. ولكن لا شك أن هذه الاخطاء سهلت على حماس مهمة التجنيد والاقناع استعدادا للمواجهة. أي سياسي فلسطيني يعرف أنه حول المسجد الاقصى يمكن بسهولة تجميع الجمهور والحصول على الشرعية حتى لتنفيذ عمليات مثل اطلاق الصواريخ على اسرائيل. من هنا تنبع الحاجة الى التصرف بحذر شديد في القدس وعدم الاصغاء الى نصائح متحدثين شعبويين من اليمين، الذين يعتبرون أي خطوة حذرة ومدروسة ضعف وفقدان للسيادة. اذا كان هناك قلق واحد يمكن ازاحته عن الطاولة في اعقاب احداث الاسبوع الماضي فهو أن يعتقد شخص بأن اسرائيل غير قوية بما فيه الكفاية.

الاستنتاج الثالث متفائل. فرغم المشاهد القاسية ورغم الشعور بالخوف يمكن القول الآن بأنه لا يوجد أي سبب حقيقي لليأس من قيام حياة مشتركة بين اليهود والعرب في اسرائيل. خلافا لما هو سائد وخلافا للخطاب المهدد فانه على المدى البعيد المجتمع العربي والمجتمع اليهودي لا يزداد تطرفهما. بالعكس، من يعرفهما بشكل عميق يعرف أن استعداد الاسرائيليين والفلسطينيين للتضحية بالنفس، “الشهادة”، من اجل القومية والارض يتضاءل ولا يتعزز. الاغلبية الساحقة من المدنيين سئمت من العنف. وصحيح أنه كلما مر الوقت فان دوائر العنف تضاءلت والمبادرات الى الوقوف ضد العنف ازدادت. 

الاهم من ذلك هو أنه الآن، اكثر من أي وقت مضى في تاريخ دولة اسرائيل، المجتمعان يعرفان بعضهما ويلتقيان على قاعدة متساوية. الآن المزيد من الاسرائيليين والفلسطينيين يعرفون بعضهم البعض بصورة حميمية لم يعرفوها من قبل. اسرائيليون يقابلون فلسطينيين ليس فقط كعمال نظافة أو صيانة، بل هم يقابلونهم في المستشفيات والسوبرماركت والصيدليات والجامعات والمقاهي، كأشخاص متساوين وأبناء من نفس المجتمع. العرب اصبحوا جزء حاسم في الاقتصاد والثقافة ووسائل الاعلام والانتاج في اسرائيل. كل ذلك يحدث رغم التمييز ورغم العنصرية، حتى في القدس التي فيها الفلسطينيون لا يعتبرون مواطنين. لذلك، يوجد سبب جيد للاعتقاد بأنه سيكون بالامكان تعريف المشاغبين والمحرضين ومن ينفذون عمليات الفتك كخارقين للقانون ومتطرفين هامشيين وبائسين يغضبون لأن المجتمع يسير في الاتجاه المعاكس لحلمهم.

ليس في هذه العلاقات الوطيدة داخل المجتمع الاسرائيلي ما يمكنه أن يحل المشكلات العميقة – الاحتلال والسيطرة العسكرية على ملايين الفلسطينيين في الضفة والحصار على غزة. وطالما أننا لا نواجه هذه المشكلات فهي ستجرنا، كما يبدو، الى جولات عنف اخرى. ولكن في المجتمع في اسرائيل لا يوجد أي سبب كي لا نؤمن بأن الجرح سيلتئم والجسور سيتم وصلها من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.