هآرتس – بقلم ميخائيل هرتسوغ - رهان كهذا على مستقبل اسرائيل يستدعي استفتاءً شعبيا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم ميخائيل هرتسوغ – رهان كهذا على مستقبل اسرائيل يستدعي استفتاءً شعبيا

0 188

هآرتس – بقلم  ميخائيل هرتسوغ – 14/2/2020

اذا قامت اسرائيل بتطبيق خطة ترامب فهي بذلك تغلق الباب امام امكانية الانفصال، وهو الامر الذي يمكن أن يدفع الفلسطينيين باتجاه دولة واحدة مع مساواة كاملة في الحقوق  “.

صفقة القرن لترامب من اجل حل النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين تشكل تغييرا عميقا مقارنة مع كل المحاولات التي جرت لمواجهة هذا النزاع منذ العام 1993، التي شاركت في معظمها. وبصفتها خطة تسعى ويمكنها التأثير على عناصر حاسمة في الامن القومي الاسرائيلي، هي تستحق نقاش عام يتجاوز ضجة ودعاية الانتخابات.

النموذج الذي وجه اسرائيل في جميع المفاوضات في السابق كان أنه يوجد امامنا نزاع بين حركتين وطنيتين لهما طلبات وروايات تاريخية متناقضة، تتطرق الى نفس قطعة الارض الموجودة بين البحر والنهر. لا يمكن تجاهل الواقع الديمغرافي على الارض، ويجب عدم الافتراض بأن الطرف الفلسطيني سيلقي روايته الى القمامة. وبناء على ذلك، اذا ارادت اسرائيل ضمان مستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية فيجب عليها أن تحاول خلق واقع جديد، متفق عليه وغير مفروض، ويقوم على الانفصال الى كيانين سياسيين مع تقسيم اراضي يهودا والسامرة، وهو واقع يتغلب على الروايات التاريخية ويضع خطوط توازن بين الاحتياجات الامنية الحاسمة لاسرائيل وبين التطلعات السياسية الفلسطينية، ويؤدي الى انهاء النزاع. رؤساء حكومات مختلفين دخلوا في مفاوضات ورسموا خطوط التوازن المطلوبة في اماكن مختلفة الواحد عن الآخر، لكنهم جميعا، بمن فيهم نتنياهو، فعلوا ذلك على اساس نفس النموذج.

خطة ترامب تقترح نموذج مختلف. للمرة الاولى الولايات المتحدة بالتشاور مع اسرائيل، تطرح خطة مفصلة مرفقة بخريطة لحل شامل للمسائل الرئيسية، والتي تميل بشكل كامل لصالح الرواية التاريخية للحركة الوطنية للشعب اليهودي. وهي تضع المسامير ليس فقط في مسألة احتياجات كل طرف من اطراف التسوية، بل ايضا في مسألة من هو المحق. وهي تتعامل ليس فقط بـ “ملف 1967″، بل ايضا بـ “ملف 1948″، بما في ذلك الاعتراف بسيادة اسرائيل في الحرم، الغاء مطالبة الفلسطينيين بحق عودة اللاجئين، اعادة فتح الحدود التي تم ترسيمها بعد انتهاء حرب الاستقلال، وذلك من خلال اجراء اعادة تنظيم في مناطق 1967 و1948 كرزمة واحدة واقتراح لنقل مناطق “المثلث” الى فلسطين كتعديل تاريخي.

الخطة تعتبر نفسها ارضية للمفاوضات. ولكن بوضعها امام الفلسطينيين الاختيار بين روايتهم وبين الدولة وتهديدها بأن رفضها سيؤدي الى خسارة اخرى للفلسطينيين – هي تظهر مثل قاعدة ليس للجسر، بل للاكراه. ادارة ترامب تدعي بأن النموذج القديم فشل. لذلك، مطلوب نموذج جديد. اجل، حسب رأيي نحن لم نكن في أي يوم قريبين حقا من انطلاقة نحو اتفاق دائم، وحتى أننا لم ننجح في التغلب ولو على مسألة اساسية واحدة. والمجال يضيق عن تحليل سبب حدوث ذلك. ولكن على كل الاحوال، الآن وبعد اكثر من 25 سنة على الاحباطات وصلنا الى النقطة التي فيها لا أرى أي قدرة لدى الطرفين على التقاء طرفي الحد الادنى لهما من اجل التوصل الى اتفاق يسوي المسائل الاساسية ويؤدي الى نهاية النزاع ونهاية الطلبات. في هذه الاثناء الواقع المادي والفكري والسياسي للشعبين لم تبق في مكانها بانتظار التسوية، بل ابتعدت عنه.

كثيرون توصلوا الى الاستنتاج بأنه في ظل غياب القدرة على الانطلاق نحو اتفاق بخطوة شاملة واحدة، مطلوب القيام بخطوات تدريجية وجزئية لتطبيق النموذج. خطة ترامب تراهن على كل الصندوق وباتجاه آخر. صحيح أنه يجب عدم تقديس نموذج قديم لم ينجح، ومن الجدير اعادة فحص افتراضات اساسية ومعايرة توقعات. ولكن هل خطة ترامب هي النموذج البديل الصحيح لاسرائيل؟ وللاجابة على ذلك يجب فحص عدة مسائل وسيطة.

هل خطة ترامب تعطي اسرائيل ادوات فعلية لتطبيق احتياجاتها الامنية في واقع متفق عليه؟ نعم “بصورة كاملة”. الدولة الفلسطينية سينزع سلاحها بصورة فعلية وستعطى لاسرائيل مسؤولية أمنية كبيرة على كل المنطقة والسيطرة على غور الاردن وعلى الفضاءات الجوية والبحرية والالكترومغناطيسية. حول عدد غير قليل من هذه العناصر كانت لنا نقاشات شديدة ليس فقط مع الفلسطينيين (الذين اتفقنا معهم فقط على مبدأ نزع السلاح، ولكن ليس على طريقة تطبيقه)، بل ايضا مع اصدقائنا الامريكيين – ما زلت اتذكر جيدا النقاشات مع جون كيري عندما كان وزير الخارجية الامريكية، في مسألة معايير تحديد استمرار تواجد الجيش الاسرائيلي في غور الاردن. والآن للمرة الاولى توافق الادارة الامريكية على الصيغة الاسرائيلية الاوسع للترتيبات الامنية في الاتفاق.

مع ذلك، الخطة تثير تساؤلات صعبة يجب مناقشتها. من ناحية جغرافية اسرائيل ملزمة بتعويض الفلسطينيين عن 30 في المئة تقريبا من اراضي يهودا والسامرة المخصصة لهم. وتبادل للاراضي بمساحة “قابلة للمقارنة بصورة معقولة”، حيث يكون مجال احتساب الـ 100 في المئة هي مناطق يهودا والسامرة وغزة التي كانت في أيدي الاردن ومصر حتى العام 1967. والاحتساب على الخريطة يدل على أن الامر يتعلق بتبادل للاراضي بنسبة 2: 1 تقريبا لصالح اسرائيل. من هنا مطلوب من اسرائيل أن تعطي الفلسطينيين مساحة كبيرة بحجم يساوي ضعفي مساحة قطاع غزة. في ظل غياب القدرة على تبادل اراض بهذا الحجم في الحدود الحالية ليهودا والسامرة وغزة بحيث لا تتضرر أي بلدات قائمة، فان اسرائيل يجب عليها أن تعطي مساحات كبيرة في النقب قرب الحدود مع مصر. ومقترح ايضا خيار منح اراضي مأهولة في منطقة المثلث، لكن هذا خيار نظري حيث أنه لا يوجد احتمال لأن توافق على ذلك السلطة الفلسطينية وسكان المثلث.

هناك حاجة الى نقاش عام في اسرائيل حول اهمية خريطة الخطة، وافضلية الاراضي التي سيتم ضمها واعطاءها من زاوية نظر استراتيجية. وأنا أذكر بأنه حسب قانون الاساس: استفتاء، فان اعطاء اراضي من اسرائيل يحتاج الى اغلبية من خلال استفتاء عام، إلا اذا حصل الاقتراح على تأييد 80 عضو في الكنيست. واليكم عدد من الاسئلة التي تقتضي النقاش: لماذا ضم عشرات كثيرة من المستوطنات المعزولة وخلق سلسلة من الجيوب السيادية في اراضي فلسطين (اصلا يوجد للجيش صلاحية أمنية متزايدة على الارض)، أهم من الحفاظ على مناطق في النقب الذي يشكل عمق استراتيجي ومناطق تدريب اساسية للجيش؟ ما هي اهمية ايجاد وحماية حدود اسرائيلية – فلسطينية جديدة (مفتوحة؟ مغلقة؟)، طولها 1300 كم؟ ما هي اهمية عشرات الجيوب الفلسطينية داخل اراضي اسرائيل؟ هل فرض السيادة هو الحل الوحيد من اجل الحفاظ على جميع مصالح اسرائيل مهما كانت؟

ومن الجدير ايضا مناقشة مسألة العلاقة بين الجغرافيا والديمغرافيا: في المنطقة المخصص اعطاءها لاسرائيل يعيش مئات آلاف الفلسطينيين، معظمهم في القدس. ولكن ايضا على الاقل هناك 70 ألف شخص في غور الاردن على الاقل. الخطة تقترح على العرب في شرقي القدس الاختيار بين ثلاثة امور، منها الجنسية الاسرائيلية والاقامة الدائمة، ويمكن الافتراض بأنه سيقترح ذلك ايضا على غير المقدسيين. ما هو ميزان المكاسب في اضافة مناطق معينة لسيادة اسرائيل مقابل الخسائر في فتح الباب (أو اغلاقه) امام اعطاء الجنسية لسكان هذه المناطق؟ هل مكاسب ضم معظم الاحياء العربية في شرقي القدس تبرر ثمن اعطاء الجنسية لنحو 200 ألف فلسطيني يعيشون هناك؟.

هل الخطة يمكن أن تشكل قاعدة للتفاوض مع قيادة فلسطينية مستقبلية؟ حسب تقديري لم يولد بعد الزعيم الفلسطيني الذي يمكنه الموافقة على هذه الخطة كقاعدة للمفاوضات. صحيح أنه مقترح على الفلسطينيين دولة، ولكن الحصول عليها مرهون بسلسلة شروط التي حظوظها معدومة في التحقق (مثل نزع السلاح في غزة)، وجزء منها (هو معيار عال للديمقراطية وحقوق الانسان) غير قائم في أي دولة عربية. لا يستطيع أي زعيم فلسطيني الموافقة على دولة مصغرة ومجزأة ومحاطة بغلاف اسرائيلي وبعاصمة في الاحياء البعيدة في شرقي القدس. مليارات الدولارات الموعودة للفلسطينيين لن تحلي حبة الدواء المرة بالنسبة لهم، ربما العكس.

أبو مازن (85 سنة) هو آخر جيل المؤسسين للحركة الوطنية الفلسطينية، وهو يركز على ترسيخ ارثه (غير الفاخر جدا). كل زعيم سيأتي مكانه، حتى اكثرهم براغماتية، سيكون عليه أن يرسخ مكانته على محاربة خطة ترامب وعلى مواقف متصلبة تجاه اسرائيل.

اذا كانت خطة ترامب ليست ارضية للمفاوضات فما هي فائدتها؟ ربما أن الخطة ستجد طريقها الى عالم النسيان مثل معظم سابقاتها. مثلا، اذا انتخب رئيس من الحزب الديمقراطي بدلا من ترامب. مع ذلك، معقول أنها ستضع بصماتها، ولو في وضع نقاط استناد جديدة وقوية امام زعيم اسرائيلي في المستقبل. وبالاحرى اذا انتخب ترامب مرة اخرى. أو اذا توجهت اسرائيل الى تطبيق أحادي الجانب للخطة.

على الاقل في المدى القصير يوجد لاسرائيل قدرة تأثير حاسمة على تطور الواقع في سياق خطة ترامب. في الوقت الحالي هي تحظى بدعم غير مسبوق من ادارة امريكية داعمة ومن الرياح القومية التي تهب في العالم وتفتح مجددا تفاهمات جغرافية (مثل روسيا في شبه جزيرة القرم والهند في كشمير)، ومن الضعف التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية ومن عدم مبالاة العالم العربي الشديد تجاه الفلسطينيين الذي يدل على تغير اقليمي كبير.

بواسطة هذه الاجنحة ومبادرة ترامب، اسرائيل يمكنها أن تختار الطيران باتجاه خطوات ضم أحادية الجانب في يهودا والسامرة – التي امتنعت عن القيام بها على مدى 53 سنة – بدء من ضم اجزاء معينة وحتى تطبيق حلم ارض اسرائيل الكاملة. ولكن هل من الصحيح السعي للقيام بذلك فقط لأننا نستطيع ذلك؟ أو هل من الصحيح القيام بذلك لأنه على المدى البعيد هذا الامر سيخدم أمن اسرائيل ومستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية؟.

إن من يؤيدون الضم يستجيبون للتهديدات من التداعيات السلبية المحتملة التي تلوح في الأفق (اغلاق الباب امام التسوية، ضعضعة الوضع الامني على الارض، المس بالاردن وبالعلاقات الحاسمة معه، ابطاء تطبيع العلاقات مع الدول العربية، زيادة حملة نزع شرعية اسرائيل في العالم وما شابه)، حتى لو تحقق جزء منها فيجب عدم تفويت الفرصة التاريخية التي ربما لن تتكرر لتحقيق مصالح اسرائيلية حيوية. وفي نهاية المطاف العالم سيتعود على ذلك. في الاصل لا يوجد شريك فلسطيني للاتفاق حسب شروط الاجماع الاسرائيلي. يجب عدم تعويض الفلسطينيين عن رفضهم. ولأنه معروض عليهم كيان حكم ذاتي فيه يمكنهم أن يحظوا بجنسية وأن يصوتوا ويديروا حياة منفصلة، فانه قد تم نزع الشوكة من خطر التدهور نحو دولة ثنائية القومية.

ولكن خط تطبيق أحادي الجانب للخطة يمكن أن يتبين كمنحدر زلق سيؤدي الى واقع خطير وغير مستقر. وهاكم سيناريو لا يقل معقولية عن الحلم المتفائل: خطوات ضم اسرائيلية سيتم عرضها امام الجميع وكأن اسرائيل تغلق أي امكانية للانفصال من خلال الاتفاق وتتقدم نحو اعادة تحديد فضاء الصراع. هذه الرسالة يتوقع في الايام القادمة أن تدفع الفلسطينيين الى اعادة تعريف هذا الفضاء باتجاه دولة واحدة مع مساواة في الحقوق للجميع – وفي مرحلة معينة يمكن أن يحصلوا على دعم دولي كبير في ذلك. ومن الآن يظهر تأييد واسع في اوساط الشباب الفلسطينيين لهذه الرؤية، ومن شأنه أن يزداد. في هذا الوضع لا توجد أي ضمانة لأن تواصل السلطة الفلسطينية الوجود، وطوال الوقت هي و”الجزر” الفلسطينية التي توجد في المناطق يمكن أن تنهار داخل بوتقة اسرائيل، مع ازدياد التحدي الديمغرافي والسياسي لاسرائيل. الضغط باتجاه دولة ثنائية القومية ليس بالضرورة أن يأتي فقط من الاعلى، بل سيتغذى من الاسفل – انظروا اندفاع الفلسطينيين باتجاه فضاء السيطرة الاسرائيلية في القدس. ولم نتحدث بعد عن التأثيرات المتبادلة المحتملة بين العرب في المناطق وعرب اسرائيل، الذين تتعامل معهم خطة ترامب وكأنهم جسم واحد. يمكن التجادل حول احتمالات هذا السيناريو الكابوس. ولكن لا يمكن رفضه. هل رهان كهذا على مستقبل اسرائيل لا يبرر اجراء استفتاء؟.

يجب على اسرائيل أن لا تتبنى خطة ترامب كوصفة عملية “مقدسة”. بل يجب عليها العمل على تصليب الوضع السائل على الارض، وتأطير الخطة كارضية للانفصال وليس للاندماج، والسعي الى ذلك بحذر وبالتدريج مع الحفاظ على مصالحها الامنية، ومن الافضل أن يكون هذا في اطار تفاهمات اقليمية. وقد حذرنا سليمان الحكيم في سفر الجامعة من “الغنى محفوظ لصاحبه ولكن ليس لصالحه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.