هآرتس – بقلم لي – أون هدار - لم يعد هناك أحد يصدق رواية اسرائيل - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم لي – أون هدار – لم يعد هناك أحد يصدق رواية اسرائيل

0 102

هآرتس – بقلم  ليأون هدار – 30/5/2021

في الولايات المتحدة في القرن الماضي، الذي كان فيه عدد قليل من وسائل الاعلام والصحافيين والمحررين الذين يؤيدون اسرائيل، لم يكن الامر يحتاج الى جهد دعائي خاص. ولكن هذا الامر تغير الآن  “.

بعد فشل هجوم “تيت” الامريكي في فيتنام في العام 1968 تم ارسال وولتر كرونكايت، المذيع التلفزيوني الاسطوري في شبكة “سي.بي.اس نيوز”، الى جنوب شرق آسيا من اجل اعداد سلسلة مقالات عن تورط امريكا العسكري هناك. وبعد أن أوجز كرونكايت في البث التلفزيوني بأن الولايات المتحدة قد فشلت في فيتنام وأنه حان الوقت لاعادة الجنود الامريكيين الى الوطن، قال الرئيس الامريكي في حينه، لندن جونسون، لمستشاريه: “اذا كنا فقدنا كرونكاي نكون قد فقدنا الشعب الامريكي”.

سواء كانت هذه اسطورة حضرية أم لا، فان هذا قد عكس اسلوب عمل وسائل الاعلام الامريكية، حتى عندما كنت أعمل كمسؤول صحافي في القنصلية الاسرائيلية في نيويورك بعد عقد على بث كرونكايت لذاك التقرير من فيتنام. في حينه كانت هناك ثلاث شبكات تلفزيونية كبيرة وهي “سي.بي.اس” و”ان.بي.سي” و”آي.بي.سي”، التي شاهدت العائلات في امريكا نشراتها الاخبارية في كل مساء وهكذا حصلت على صورة عما يحدث في العالم، بما في ذلك الشرق الاوسط.

اذا كانت هذه الشبكات التلفزيونية على شاكلة كرونكايت قد رسمت صورة الواقع للامريكي العادي في الغرب المتوسط، فان مجموعة من الصحف البارزة، على رأسها “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”وول سترين جورنال” و”لوس انجلوس تايمز” ومجلات اسبوعية مثل “التايم” و”نيوزويك”، ساعدت في وضع اجندة وتوجه تفكير متخذي القرارات ورجال الاعمال والنخبة في واشنطن ونيويورك وهوليوود وبوسطن.

بدرجة معينة كان عمل رجال الدعاية الاسرائيلية في الولايات المتحدة سهل بشكل نسبي. الهدف كان شرح ما يحدث في البلاد لمجموعة غير كبيرة من الصحافيين والمحررين والمذيعين والمخرجين الذين كانوا يتركزون في منهاتن (من بينهم مايك والاس من “سي.بي.اس”، بربارة وولترز من “آي.بي.سي”، ايف م. روزنطال من “نيويورك تايمز” ودافيد برودر من “واشنطن بوست”)، والحفاظ على التواصل معهم وضمان قدرتهم على الوصول الى زعماء اسرائيل.

إن جميع رجال الاعلام هؤلاء تقريبا كانوا من البيض، وعدد كبير منهم كانوا من اليهود. الجيل الاول أو الثاني كانوا أبناء مهاجرين من اوروبا. مناحيم بيغن ذكرهم بآبائهم. “أنا أتذكر مذيع مشهور انفعل الى درجة ذرف الدموع عندما وافق بيغن على التوقيع له على تهنئة بعيد ميلاد والده”. وشمعون بيرس كان في نفس جيلهم وكانت له خلفية ثقافية مشابهة. بعضهم انتقدوا سياسة اسرائيل، لكن في نهاية المطاف، زيارة اسرائيل أو الثرثرة مع اسرائيليين كانت مثابة تجربة عائلية، حتى لو أنك لم تكن توافق على أي قرار لحكومة اسرائيل.

بسبب ذلك لم يكن من المفاجيء أنه عندما اقترحت في حينه اجراء اتصال ثابت مع المحررين والمراسلين في الصحف السوداء في نيويورك كان الجواب: من الذي يحتاجهم، نحن نعمل مع النجوم الأوائل في الصحافة الامريكية.

ولكن التغطية الايجابية التي ما زالت اسرائيل تحظى بها في وسائل الاعلام الامريكية في العقدين الاخيرين من القرن السابق، عكست ليس فقط البنية المتجانسة لوسائل الاعلام في تلك الفترة، بل ايضا الموقع الاستراتيجي للصحافيين الذين يؤيدون اسرائيل. الوسيط ليس دائما هو العامل الحاسم لتسويق المنتج. الرسالة يوجد لها بالطبع دور مهم، وفي هذا السياق “رواية اسرائيل” كانت تحظى بالشعبية ببساطة. جيل من الامريكيين المسيحيين، حتى العلمانيين من بينهم، تربوا على قصص التوراة وكانوا يعرفون عن كارثة يهود اوروبا وعن الصراع الوجودي لاسرائيل أمام عالم عربي معادي، جيل شعر بالتعاطف مع اسرائيل ولم يعرف عن الفلسطينيين.

من هذه الناحية لم يكن هناك أي حاجة الى تجنيد مكاتب علاقات عامة لمديسون افنيو أو قصف الولايات المتحدة بالدعاية من اجل تسويق اسرائيل للامريكي العادي. الانجليزية الطليقة لآبا ايبان ساعدت. ولا يمكن القول إن فيلم “الاكسودس” (الخروج) هو المسؤول عن غسل أدمغة الامريكيين: المشاهد الامريكي كان على استعداد لالتقاط الرسالة الصهيونية لهذا الفيلم.

اسرائيل بكيبوتساتها وقيادتها التقدمية حظيت بفترة طويلة من التعاطف في اوساط اليسار الامريكي. ايزي دور ف. ستون، وهو أحد ايقونات الصحافة اليسارية في امريكا، ارسل في العام 1947 لمجلة “ذي نيشن” مقالات متعاطفة عن المتسللين اليهود الذين يصارعون السلطات الامبريالية البريطانية، في حين أن صحف اليمين هاجمت قيادة الصهيونية. بعد ذلك اتهمت صحيفة “وول ستريت جورنال” المحافظة اسرائيل بأنها تخدم السوفييت بعد أن قامت باختطاف آيخمان.

في بداية الثمانينيات كان ستون أشد المنتقدين لاسرائيل، وحتى أنه قارن سياستها تجاه الفلسطينيين بسياسة بريطانيا تجاه المتسللين اليهود. جاءت حرب لبنان الاولى والانتفاضات وبدأت “رواية اسرائيل” تتغير بشكل دراماتيكي، وهي تعكس الواقع الجديد الآخذ في التشكل. هذا لم يكن نتيجة دعاية اسرائيلية سيئة، بل جزء من عملية تدريجية فيها الرسالة الاسرائيلية لم تتساوق مع الواقع، والاكثر أهمية مع صورة العالم لاجزاء في اوساط الشعب الامريكي. في النهاية يصعب أن تبيع الثلج لسكان الاسكيمو.

كل ذلك حدث عندما جرت في امريكا عمليات ديمغرافية وسياسية مهمة جدا: المهاجرون من الدول غير الغربية لم يكونوا شركاء في الاحاسيس المؤيدة لاسرائيل التي توجد لدى الاغلبية البيضاء. النخبة السوداء شعرت بالتماهي مع الفلسطينيين. والجيل الذي عرف الكارثة واقامة دولة اسرائيل بدأ في فقدان قوته السياسية.

في نفس الوقت حدثت ثورة تكنولوجية في وسائل الاتصال. وبدلا من شبكات التلفزة الثلاث تم انشاء عشرات قنوات الكوابل، التي توجهت الى شرائح مختلفة من السكان. الجمهور في امريكا لم يعد يوافق كأمر مسلم به على صورة العالم التي قدمها لهم الكرونكايتيون على اشكالهم. الـ “سي.ان.ان” و”فوكس نيوز” جلبتا صور مختلفة عن العالم. العمليات الديمغرافية ايضا أدت الى صعود جيل جديد من الصحافيين والصحافيات، بما في ذلك شباب سود وملونين ويهود ليبراليين، الذين يتماهون مع السناتور بيرني ساندرز أكثر مما يتماهون مع بنيامين نتنياهو. خط “نيويورك تايمز” الآن ورئيس التحرير الاسود دين باكت، يعكس هذه التغييرات وهو يختلف كليا عن خط الصحيفة التي كان رئيس تحريرها روزنطال.

عندما تتم اضافة الى الصورة التغييرات الكبيرة في وسائل الاعلام في عصر الانترنت والشبكات الاجتماعية فمن الواضح أن فكرة أن عملية دعاية متطورة ستغير صورة اسرائيل في الاعلام الامريكي، تظهر غير جدية، بل تثير الشفقة.

اسرائيل تواصل التمتع بتغطية متعاطفة في “فوكس نيوز” وفي قنوات اعلام يمينية، لنفس السبب الذي تواجه فيه صعوبة في تسويق رواية اسرائيل في “سي.ان.ان” و”نيويورك تايمز”: هذه هي الرسالة والسياسة التي تعكسها، أيها الغبي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.