هآرتس – بقلم عميره هاس – عباس يشدد سيطرته على جهاز القضاء في السلطة

هآرتس – بقلم عميره هاس – 28/1/2021
“ مراسيم رئاسية جديدة تسمح للرئيس بتعيين قضاة في هيئات قضائية عليا، وتضع القضاة تحت خطر الاقالة وتزيد من اعتمادهم على السلطة التنفيذية “.
اثنان من ثلاثة أوامر رئاسية جديدة تتعلق بجهاز القضاء الفلسطيني، يزيدان من تدخل السلطة التنفيذية في جهاز القضاء، ويكرسان بصورة قانونية اعتماد القضاة على الجهات السياسية والامنية الفلسطينية. نقابة المحامين الفلسطينية تقوم منذ اسبوعين بسلسلة خطوات احتجاجية، منها عدم الظهور في المحاكم واجراء المظاهرات، مطالبة بالغاء هذه الاوامر. وقد سبق المراسيم الرئاسية تاريخ طويل من التدخل الفعلي للرئيس الفلسطيني محمود عباس واجهزة الامن الفلسطينية في تشكيل المحاكم، الى جانب التدخل في احكامها وفي تجاهل هذه الاحكام.
المراسيم الجديدة، التي لها قوة القانون في ظل غياب المجلس التشريعي، تم توقيعها من قبل محمود عباس ونشرت رسميا في 11 كانون الثاني، اربعة منها فقط قبل أن ينشر المرسوم الرئاسي بشأن اجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان). تقارب هذه التواريخ يزيد تشكك رجال القانون ومنظمات حقوق الانسان الفلسطينية بأن الامر يتعلق باختطاف متعمد، وأن جهات في حزب السلطة (فتح) ليست جدية فيما يتعلق بالانتخابات أو بجوهرها الديمقراطي: لو كانت هناك نية حقيقية لكي يتم قريبا استئناف نشاطات المجلس التشريعي، الذي كان مشلول منذ 2017 وتم حله قبل سنتين، لما كانت هناك حاجة الى المسارعة واصدار مراسيم رئاسية. اضافة الى ذلك، في 2002 صدر قانون الجهاز القضائي بعد مناقشات مهنية بين رجال قانون واعضاء المجلس التشريعي في حينه، وهو قانون اعتبر أحد افضل القوانين في الدول العربية. وحسب القانون الاساسي الفلسطيني (الذي يعتبر نوع من الدستور)، فان المراسيم الرئاسية يتم اصدارها فقط في حالات الطواريء، وليس هذا هو الوضع الحالي.
أحد هذه المراسيم الثلاثة يغير ويستبدل قانون الجهاز القضائي الصادر في 2002، والامر الثاني يؤسس محاكم للشؤون الادارية، كي تحل محل محكمة العدل العليا. المبدأ الاساسي في المرسومين هو أن رئيس السلطة الفلسطينية (دولة فلسطين كما يسمونها) هو الذي يختار رؤساء الهيئات القضائية العليا ونوابهم من بين عدة قضاة مرشحين. هذا خلافا للقانون الصادر في 2002 والذي نص على أن يتم تعيينهم بشكل تلقائي حسب الأقدمية، والرئيس فقط يصادق على التعيين. ومن يقدم المرشحين للرئيس هو “مجلس القضاء الاعلى”، الذي يعين القضاة في جميع الهيئات، وهو المسؤول من ناحية ادارية ومالية عن جهاز المحاكم وعن أدائها.
على رأس مجلس القضاء الاعلى يقف رئيس المحكمة العليا ونائبه وقضاة كبار في هيئات مختلفة ونائب وزير العدل والنائب العام. السلطة المعطاة لرئيس السلطة الفلسطينية في اختيار رؤساء المحكمة العليا، تخلق اعتمادا لهم به. بدوره، فان مجلس القضاء الاعلى حصل الآن على صلاحيات لم تكن له في السابق: سيكون بامكانه اقالة قضاة بعد الثلاث سنوات الاولى من تعيينهم. التفسير الرسمي لذلك هو الحاجة الى الحرص على مهنية القضاة وجودتهم. ولكن فعليا، يقول رجال قانون ونشطاء حقوق انسان، فان سيف الاقالة هذا سيجبر القضاة على ارضاء مجلس القضاء الاعلى، الذي سيكون عليه ارضاء رئيس السلطة الفلسطينية. المرسوم الرئاسي ايضا يعطي مجلس القضاء صلاحية نقل قاض من منصبه وتعيينه في وظيفة غير قضائية، مثل مستشار قضائي في هذه الهيئة الحكومية أو تلك. وسيكون من صلاحيات المجلس تشكيل لجنة من ثلاثة قضاة يمكنها أن تحيل زملاءهم الى التقاعد، بعد أن استمروا في مناصبهم 15 سنة على الاقل، وقبل وصولهم الى سن التقاعد حسب المرسوم الجديد (70 سنة). ومن صلاحيات المجلس ايضا أن يفرض على القضاة التقاعد المبكر قبل الوقت المحدد بخمس سنوات، والحصول على 50 في المئة من راتبهم.
هذه الصلاحيات للمجلس ليس فقط تسلب القضاة أمنهم الوظيفي والمهني، بل ايضا تشير اليهم بأنه لا يجدر بهم اظهار الاستقلالية في احكامهم، وبالاساس في الملفات المرتبطة بأجهزة الامن والقرارات الرسمية على أنواعها. هذا ليس مجرد شك. ففي السنة الماضية تمت اقالة اربعة قضاة، من بينهم قضاة بقي لهم بضع سنوات على موعد التقاعد. وبخصوص عدد منهم على الاقل، لم يكن هناك أي نقاش فيما يتعلق بمهنيتهم. فهؤلاء كانوا قضاة أصدروا احكام لم ترق لرغبة السلطات أو أنهم انتقدوا تدخل السلطة التنفيذية والرئيس عباس في عملهم وفي عمل المحاكم، وأنهم كانوا اعضاء في نقابتهم المهنية، نادي القضاة.
المرسوم الثاني يشكل محاكم ادارية، وهو هيئة جديدة يكون من صلاحياتها مناقشة التماسات ضد جهات حكومية ومؤسسات رسمية اخرى. أحد كبار القضاة الذين تمت اقالتهم في السنة الماضية قال للصحيفة بأنه بهذا ألغيت فعليا محكمة العدل العليا، التي كان من صلاحياتها مناقشة التماسات ضد المؤسسات الحكومية وسياسة الحكومة.
حسب المرسوم، رئيس السلطة هو الذي يعين الرئيس ونائب الرئيس لمحكمة الشؤون الادارية والقضاة في هيئة الالتماسات فيها. يوجد لرئيس السلطة ايضا صلاحية تعيين قضاة في هذه الهيئة ممن كانوا يعملون كمستشارين قضائيين في وزارات حكومية. رجال القانون المستقلين يخافون من أن هؤلاء القضاة ستكون لديهم محاباة مسبقة لصالح المؤسسة الحكومية، وضد المواطن الذي يقدم الشكوى ضدها. الشكوك تجاه دوافع عباس ومقربيه عالية جدا، الى درجة أنهم في منظمات حقوق انسان يخافون من أن هذه المحكمة ستستغل من اجل تخريب اجراء الانتخابات. “حسب المرسوم فان من صلاحيات محكمة الشؤون الادارية مناقشة التماسات ضد لجنة الانتخابات العامة. اذا أرادت السلطة التنفيذية عدم اجراء الانتخابات فيمكنها أن تقف سرا من وراء فلان الذي سيجد ذريعة معينة لتقديم التماس ضدها”، قال للصحيفة أحد اعضاء هذه المنظمات.
انتقاد آخر يتعلق بالعبء المالي الذي يفرضه تشكيل المحاكم الجديدة. في المظاهرة التي جرت أول أمس في مجمع المحاكم في رام الله، قال متحدثون بأنه يجب الاستثمار في اضافة محاكم في المناطق البعيدة، وليس في تشكيل محاكم جديدة. في المظاهرة وجه المتحدثون اصبع الاتهام نحو رئيس المحكمة العليا ومجلس القضاء الاعلى، عيسى أبو شرار، لأن المرسوم الرئاسي ينص على أن سن التقاعد للقضاة هو 70 سنة، ولكن محمود عباس استثنى أبو شرار إبن الـ 85 سنة.
في السابق أبو شرار بالتحديد عارض تدخلات السلطة التنفيذية في جهاز القضاء، والناس يجدون صعوبة في تفسير التغيير الذي حدث في موقفه. في مظاهرة أول أمس هتف المحامون “ارحل، ارحل”، وكان هو المقصود. الامر الاول الذي اصدره أبو شرار بعد نشر المراسيم الرئاسية الجديدة هو منع القضاة من التعبير عن مواقفهم بشكل علني. المحامون قالوا إن أبو شرار، الذي كان قاضيا عسكريا في عهد الحكم الاردني، يكثر من الاشارة الى الجودة المتدنية، حسب رأيه، للقضاة الفلسطينيين، وأن هذا هو الانطباع القاسي الذي نقله لمحمود عباس. ايضا اذا كان هناك محامون ورجال قانون ومنظمات حقوق انسان يوافقون على أنه يوجد اساس لهذا الانتقاد، فانهم يقولون إن الاصلاح المطلوب لا يمكن أن يستند الى هذا النبش الذي تقوم به السلطة التنفيذية في جهاز القضاء.
من ينتقدون المراسيم قالوا إنها كتبت ونشرت بدون مشاورة المجتمع المدني وبدون أي نقاش عام حولها، خلافا لاجراءات التشريع في البرلمان، التي دائما تشرك اجزاء مختلفة في المجتمع، خارج منتخبي الجمهور. حتى الآن لم تسمع أي اقوال للتفسير أو التهدئة من جانب مقربي عباس أو من الشخص الذي حسب التقديرات صاغ المراسيم: المستشار القانوني للرئيس، علي مهند، الذي كان في السابق وزير العدل ورئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس القضاء الاعلى.
من اجل تعقيد الامور، فان احتجاج نقابة المحامين، التي ثمانية اعضاء فيها من بين التسعة اعضاء المنتخبين هم متماهون مع فتح، يتم تحريكه ايضا بواسطة العداوة بين كبار شخصيات الحركة وبين رجال اجهزة الامن الفلسطينية الذين يقفون من وراء معسكرات مختلفة في النقابة. بعض الاشخاص يذكرون توفيق الطيراوي، الذي كان في السابق رئيس المخابرات العامة، كصاحب التأثير الاكبر على نقابة المحامين. الطيراوي هو خصم لشخصين رفيعين مقربين جدا من عباس: حسين الشيخ، وزير الشؤون المدنية. وماجد فرج، رئيس المخابرات العامة الحالي. محامون غير حزبيون، الذين يعارضون المراسيم، يخافون من أنه بانضمامهم الى الاحتجاج سيكون لهم فعليا دور في صراعات القوى في حركة فتح. مع ذلك، هم يشاركون الدعوة الى الغاء المراسيم. التحالف الوطني من اجل الاصلاح القضائي والهيئة المستقلة لحقوق الفرد، نشرت بيان مشترك جاء فيه: “هذه المراسيم تسعى الى تقويض الجهود لاجراء اصلاحات في جهاز القضاء، وتخضعه للسلطة التنفيذية… المراسيم تتضمن نصوص قانونية تمس بصورة اساسية باستقلالية القضاة. وهي ايضا تسلبهم الضمانات الاكثر اهمية لاستقلاليتهم، عن طريق تشويه مبدأ الحصانة من الاقالة التعسفية”.



