هآرتس – بقلم شلومو بن عامي - تاريخ، سياسة وتناسب - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم شلومو بن عامي – تاريخ، سياسة وتناسب

0 84

هآرتس – بقلم  شلومو بن عامي – 25/9/2020

فترة ولاية نتنياهو تدار مثل حملة تسويق مستمرة فيها بدلا من الحوار الشفاف يحصل الجمهور على سلسلة من الخطابات الدعائية المليئة بأنصاف الحقائق “.

التطرق المتكرر لرئيس الحكومة للمغزى التاريخي المتميز لاتفاقات التطبيع مع اتحاد الامارات والبحرين، أعادني الى العنوان الذي اعطاه ميخائيل كونفينو، مؤرخ هام لروسيا القيصرية، لمحاضرة عن “الوعي التاريخي في ثقافتنا المعاصرة”، القاها قبل سنوات في جامعة تل ابيب. هذا العنوان (الشعار) تم أخذه من رسالة لمناحيم نخلسون في “يديعوت احرونوت” في شباط 1980، نشرت تحت عنوان “التاريخ لا يعود”، ويتطرق للايام الاولى للسلام مع مصر.

هاكم ما كتبه: “حتى التاريخ هذا لم يكن ما كان ذات يوم. شخص ما اعطى الامر ونحن خرجنا في دورية مشتركة اولى اسرائيلية – مصرية على طول خط الحدود الجديد. شعور تاريخي عميق. نحن في سيارة للقيادة والمصريون في جيب. الصحراء زاخرة بالتاريخ. كل انعطافة هي تاريخية. للمرة الاولى في التاريخ. تاريخ، قلت للسائق نسيم. التاريخ هو، هز برأسه في محاولة لتغيير سرعة السيارة التي تصدر صوت بصورة تاريخية. في نهاية طريق الدوريات نزلنا. المصريون ينزلون، ومعهم نلتقط صورة تاريخية مشتركة. التاريخ لا ينسى الذين قاموا بالدورية المشتركة الاولى. بعد ذلك عدنا الى القاعدة وفيما بعد جاء سؤال من المسؤولين: لماذا قمنا بدورية مشتركة، وليس هناك شيء كهذا في اتفاق السلام بين اسرائيل ومصر. ويجب أن يتم وقف نزهة الصباح المشتركة هذه على الفور. جيد، عندها اوقفنا الدورية المشتركة، لكن على الأقل صنعنا تاريخ، لأننا شاركنا في الدورية المشتركة الوحيدة التي حدثت في يوم من الايام في سيناء”.

اجل، السلام مع الدولة العربية العظمى (الأمة العربية) الذي لم يحدث مثله لا قبلنا ولا بعدنا، يعطي معنى لهذا التضخم من التعابير التاريخية. اذا كان التطبيع مع اتحاد الامارات، الدولة التي لم نحاربها في أي يوم وفعليا لنا معها علاقات سرية منذ سنوات، هو حدث تاريخي، أي وصف بقي شاغرا كي نصف زيارة الرئيس المصري أنور السادات في القدس والسلام مع مصر الذي جاء في اعقابها؟ الهزة والدهشة التي تملكت الاسرائيليين في الوقت الذي هبط فيه السادات على سلم الطائرة وسار نحو صف القادة الذين قادوا اسرائيل في حروب دموية ضد بلاده، تشبه فقط ما شعرنا به جميعا عند هبوط نيل ارمسترونغ على القمر، ليس أقل من ذلك.

السؤال هو لماذا يرفض الجمهور في اسرائيل السير مع رئيس حكومته في اصراره على أن يسوق له اتفاقات التطبيع مع الدولتين الخليجيتين كأحداث تاريخية، نوع من السلام الذي لم يستطع أحد أسلافه أن يحققه؟ في نهاية المطاف هناك كما يبدو في هذه الاتفاقات حتى امكانية كامنة لتأثير الدومينو، الذي سيؤدي الى انهاء النزاع الاسرائيلي العربي في الوقت الذي يواصل فيه النزاع الاسرائيلي الفلسطيني الغليان.

سبب واحد يكمن في التعب المتراكم لرئاسة الحكومة لنتنياهو، التي تدار مثل حملة تسويق مستمرة. يوجد في هذا الرجل المؤهل ميل قسري لتحويل ما كان يجب أن يكون حوار شفاف مع الجمهور الى تسلسل من خطابات الدعاية المليئة بالمؤثرات الصوتية التي تم اعدادها مسبقا وكأن الحكم ليس سوى حملة انتخابية مستمرة مبنية على انصاف حقائق، ولا نريد القول مقولة كاذبة مبدئيا، مثل تعريف حنا آرندت في مقالة لها حول “الحقيقة والسياسة”.

مع مستويات الفقر المرتفعة في الغرب وجهاز الصحة المجوع، اقتصادنا هو الافضل في العالم. بشكل عام كان لاسرائيل اقتصاد من البرتقال والبندورة الى أن جاء نتنياهو وحولها الى شعب المشاريع الناشئة. اليه يحج زعماء العالم من اجل نصائحه. وبعد ذلك جميعهم يصوتون ضده في مؤسسات الامم المتحدة. فقط هو يعرف كيف يوجه العلاقات مع الولايات المتحدة رغم مسؤوليته عن تآكل الدعم من كلا الحزبين لاسرائيل. هكذا هو ايضا تصرف في تسويق الاتفاق مع دول الخليج: اخبر بأنصاف الحقائق، أخفى موضوع بيع الطائرات المتطورة، ادعى أن الضم ما زال موجود على الاجندة وطمس تعهده بحل الدولتين. هكذا وبلا داع، يتم تقليص انجاز سياسي هام الى مرتبة خلية اخرى في سلسلة الحيل.

السبب الثاني هو أن النزاع الاسرائيلي العربي الذي قلت خطورته منذ خرجت مصر من دائرة الحرب، تبخر تماما منذ كشف “الربيع العربي” عن الهشاشة وعن غياب الشرعية العميق للانظمة في المنطقة، لهذا وجه طاقات هذه الانظمة لصراعاتها من اجل البقاء. من الآن ليس فقط تم تحطيم بقايا شهيتهم في المواجهة مع اسرائيل، بل هم حتى عقدوا معها تحالفات سرية لمحاربة اعداء مشتركين، مع دفع القضية الفلسطينية الى اسفل سلم الاولويات.

مؤرخ العهد القديم، تسفي يعفيتس، اراد ذات يوم أن يعلمني قيمة التناسب في فهم حدث تاريخي. وقد فعل ذلك بمثال من عالم كرة القدم، الذي يشكل حبنا المشترك. لقد كان يعرف حتى كل أسماء لاعبي منتخب الاورغوي الذي فاز ببطولة العالم في 1930. كلانا وافق على أن هدف موتيلا شبغلر ضد منتخب السويد في نهاية المونديال في المكسيك في 1970، كان حقا “هدف تاريخي” في نوعيته، وبالاساس في أوليته، حيث كانت هذه المرة الاولى والاخيرة التي وصلت فيها اسرائيل الى المونديال. ولكن في سياق قيمة التناسب في فهم التاريخ، كانت لديه قصة ليرويها عن ناحوم ستلماخ، اللاعب الاسطوري في فريق هبوعيل بيتح تكفا الذي عظمته كانت في تسجيل اهداف بالرأس. يتبين أن المراسل الرياضي المتوفي في صحيفة “لمرحاف”، الصحيفة الناطقة باسم “احدوت هعفوداه”، كتب أنه يوجد لستلماخ “رأس من ذهب”. ولم يكد يجف حبر المقال حتى قام محرر الصحيفة باستدعاء المراسل من اجل محادثة توبيخ. “اذا كان لستلماخ رأس من ذهب، فأي رأس يوجد حسب رأيك لتبنكين؟” (الزعيم الذي كان بمكانة الحاخام الاكبر لاحدوت هعفوداه). وقد حظيت بالتعرف عن قرب على الفردو ديستيفانو، لشديد الاسف فقط في نهاية حياته، وهو لاعب كرة قدم كبير لم يلعب أحد حتى ميسي مثله على الملعب كله، وسمعت منه عن معجزات البطولات الاوروبية الخمسة المتعاقبة التي قاد فيها ريال مدريد مع ترانس بوشكاش، اسطورة كرة القدم بحد ذاته، وبطريقة ما يتأثر بدرجة أقل من “التاريخية” الموجودة في ظاهرة ميسي.

على أي حال، التقليل من شأن التاريخ في الخطاب السياسي يعكس تجاهل انجازات الماضي وخيانة الذاكرة واحيانا انكارها التام. الحديث يدور عن رفض رؤية مكانة الحدث كجزء من عملية بدايتها في أحداث اختراقية من الماضي. نتنياهو جدير بالثناء على أنه عرف كيف يتزلج على ظروف اقليمية لم يكن له أي تأثير على حدوثها، وتسبب بانهاء عملية تطبيع تم بناءها سنوات طويلة قبله. ايضا تفاخره في اختراع معادلة سلام من خلال قوة ليست سوى اعادة صياغة لـ “السور الحديدي” لجابوتنسكي، وهي صيغة ايضا حركة العمل عملت بحسبها. ليس في هذا أي جديد. لولا القوة التي بناها اسلاف نتنياهو، لا مصر ولا الاردن ولا حتى سوريا لم تكن لتكلف نفسها عناء السعي الى عقد سلام مع احدها.

السياسة التي تقوم على أنا وحدي وتتجاهل الآخر، مبنية على تنكر متعمد للتسلسل التاريخي والسياق الصحيح للاشياء. من هم وما هم اسلافه الذين اعادوا المناطق حتى ذرة التراب الاخيرة في حين أنه صنع سلام بدون مقابل؟ ولكن ليس فقط أنه كان هناك مقابل معروف للاتفاق مع اتحاد الامارات، بل المشكلة هي في الخلط الذي يتجاهل تماما علاقة السلام مع الدول التي حاربناها وقمنا باحتلال اراضيها، مقابل اتفاق تطبيع مع دولة على بعد آلاف الكيلومترات من هنا. كيف استطاع اسلافه أن يضيعوا سر الكيمياء المدهش الذي قام بحله، عندما جاءوا لصنع السلام مع مصر ومع سوريا أو مع الفلسطينيين وعرضوا أن يعيدوا لهم اراض؟ من يعيدون كتابة التاريخ يعتمدون على ذاكرة الآخر القصيرة، حيث عرض نتنياهو نفسه السلام مقابل جميع الارض على السوريين في ولايته الاولى، وايضا على الفلسطينيين في العام 2014.

التاريخ لا يتعايش بسلام مع المدى القصير. احداث لامعة كثيرة خفتت واحتلت مكانها الحقيقي في منظور السنوات. على سبيل المثال، انتخاب براك اوباما لرئاسة الولايات المتحدة اعتبر في حينه حدث تاريخي مؤسس، الى درجة أنه حصل على جائزة نوبل للسلام بعد بضعة اشهر على انتخابه، وفعليا بفضل انتخابه فقط. في المقابل، انتخاب دونالد ترامب اعتبر خلل محرج. مع ذلك، بصمات ترامب على التاريخ ستكون بلا شك كبيرة بدرجة أكبر من بصمات اوباما. انتخاب اوباما كان حدث ثوري بسبب لونه جلده، لكن رئاسته لم تكن ثوريا أبدا. رئاسة ترامب، في المقابل، هي رئاسة غيرت نظام العالم بخصوص مكانة امريكا في النسيج العالمي. الانعطافة الانفصالية لادارة ترامب حتى امام حلفاء الولايات المتحدة في اوروبا والناتو، سياسة العقوبات كبديل عن الحرب مع اخراج الجيش من ساحة الحرب لسلفه، الحرب الباردة التي تتطور مع الصين، سياسة عدم العولمة التي يقودها الرئيس، ولا يقل عن ذلك أهمية، النموذج الاستبدادي – الشعبوي الذي يعرضه على روح كل الفترة. كل ذلك يتراكم ليصبح عمليات بعيدة المدى في مغزاها. السلوك الشخصي للرئيس يمنع كارهيه من أن يروا النظرية المرتبة والثورية التي يعمل بحسبها.

يتحدثون عن زعيم الصين شو انلاي، الذي عندما طلب منه بعد مرور 200 سنة على الثورة الفرنسية أن يقدر مغزاها التاريخي اجاب: “ما زال الوقت مبكرا على قول ذلك”. شايكا اوفير، من اعظم الفنانين في اسرائيل في كل الازمان، كان اكثر واقعية. “تاريخ”، قال في احدى مسرحياته، “هذا ربما كان مئة سنة”. ولكن بالطبع، الحديث لا يدور حقا عن منافسة على عدد السنوات التي تعطي منظور تاريخي لحدث معين. الحديث يدور بصورة فيها لغة الصور المتلاعبة في تعريف السياسة تميل الى تشويه الواقع، وتعمل ضد استقلالية الفرد وتمنعه من رؤية الاشياء كما هي بالفعل. هكذا هو الامر بالاحرى بخصوص سياسة “الأنا” وغيري لا شيء. لرئيس حكومة، بالاساس كهذا مع حضور طاغي مثل نتنياهو، هناك مسؤولية زائدة في توجيه الحوار العام، هو، المتحمس جدا للحصول على مكان متميز في قاعة مشاهير التاريخ، حتى لو كان هذا يعني نفي سياسة اسلافه وتغييب ذاتي محرج، فانه في النهاية سيدخل اليها بفضل تحويله الخطاب الديمقراطي الى ارض محروقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.