هآرتس – بقلم زيفا شترنهل - فشل الثقافة الاسرائيلية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم زيفا شترنهل – فشل الثقافة الاسرائيلية

0 67

هآرتس – بقلم  زيفا شترنهل  – 8/10/2020

خلف الادارة الفاشلة وعدم القدرة على املاء قواعد حذرة، يبرز تراث ثقافي تجذر من القرن الماضي “.

عندما صعد البروفيسور روني غمزو بحماسة على الحصان كمسؤول للكورونا آمن بصدق بأن الدمج بين استخدام البيانات العلمية والسلوك العقلاني والعقل السوي لسكان الدولة ستساعده في أن يقطع بضربة سيف التقدم المقلق للوباء. يمكن الافتراض بأنه لم يتوقع العقبات التي وضعها امامه سياسيون محتالون أو الشجارات بين المهنيين. ربما يوجد عامل فشل آخر، لا يقل أهمية ولا يكثر التطرق اليه وهو الثقافة الاسرائيلية. خلف الادارة الفاشلة وعدم القدرة على املاء قواعد حذرة يبرز تراث ثقافي جذوره مغروسة عميقا في التاريخ المحلي منذ بداية القرن الماضي.

صحيح أن السلوك الفضائحي للمجتمع الاصولي والكثير من القرى العربية هو حجر عثرة في كل ما يتعلق بمحاربة الوباء، لكن تجاهل طلب ارتداء الكمامات والابتعاد عن التجمعات هو أمر يكثر وجوده ايضا في اماكن اخرى. السلوك المألوف المتمثل بتجاهل قواعد السلوك في الاماكن العامة، الذي يميز المجتمع الاسرائيلي وينعكس في حركة السير على الطرق وفي الشواطيء وفي المواقع الطبيعية وفي المؤسسات العامة – يتجلى بشكل اكبر في فترة الكورونا.

في مناطق أخرى وفي دول اخرى في العالم، توجد فيها ثقافة منضبطة لـ “للآداب” مثلما يوجد في شمال اوروبا وفي اجزاء معينة من الولايات المتحدة وفي دول الشرق الاقصى مثل تايوان واليابان، من الأسهل مواجهة الوباء. هذه الحقيقة فقط تؤكد المشكلة الاسرائيلية التي تجبي ثمنا باهظا حتى بدون صلة بالوباء.

من السهل جدا الانزلاق الى التعريفات السطحية جدا لاسرائيل الاولى واسرائيل الثانية. ولكن جذور الثقافة الاسرائيلية التي يتم التعبير عنها في الحياة اليومية العادية، كما ثبت مؤخرا، حتى على قيادة الدولة (التي لا يحلم من اعضائها بالاستقالة حتى لو قام بخرق القواعد)، مغروسة في رؤية شكلت صورة المجتمع في البلاد من الايام الاولى.

منذ بداية الاستيطان في البلاد تم بذر البذور التي احتوت على دي.ان.ايه المعارضة للثقافة البرجوازية الاوروبية “المنافقة” و”المصطنعة” والتي املت على الشخص معايير سلوك وفصلته عن جوهره الاصيل. هذا لم يكن فقط التحرر من نير الدين ونمط الحياة المحافظ في شرق اوروبا، في البداية تحت حكم تركي ضعيف وبعد ذلك كسلوك سري في عهد الانتداب البريطاني. الثقافة الاسرائيلية منذ البداية حظيت بدعم ايديولوجيا اوروبية رومانسية كانت نشطة في بداية القرن العشرين، وسعت الى خلق مجتمع متحرر من قيود الماضي، التي تربط بين الانسان الجديد والأمة الجديدة.

الابحاث التي اجريت على مدى السنين اظهرت حقيقة أن التمرد البرجوازي، بقيمه وعاداته، والذي لعب دور مهم في بلورة المجتمع الاسرائيلي، لم يقتصر فقط على الصعيد الاقتصادي. النخبة المثقفة التي ضمت شخصيات عظيمة التأثير مثل أ.د غوردون وي.ح بيرنر وغرشون شالوم ومارتن بوبر، ساعدت في أن تستورد الى البلاد اسطورة الانسان الذي يكسر المسلمات والتمرد ضد ثقافة الغرب التي اعتبرها فردريك نيتشه “قشور” زائدة.

إن الربط بالعالم الداخلي “الحقيقي” للانسان وبعالم الطبيعة “النقي” (ليس بالضرورة أرض الآباء المقدسة) الذي لم تشوهه ثقافة الغرب، كان حجر الزاوية في بداية الاستيطان اليهودي وبناء الأمة الاسرائيلية. هذه الافكار الخفية ساعدت بشكل مباشر وغير مباشر على نمو فكرة العفوية والاصالة التي كانت من السمات المميزة للمجتمع الاسرائيلي منذ ذلك الحين وحتى الآن، وهي التي حولت مفهوم “الآداب” الى مصدر للدعابة.

المشاكل ظهرت عند اقامة الدولة وكانت هناك حاجة الى التحرر من عادات النشاط السري وترسيخ معايير مهنية ورسمية لادارتها. تراث الانتداب البريطاني وكذلك المساهمة الهامة للمجتمع الامريكي، صمم اعضاؤها على الحفاظ على النظام “البرجوازي” القديم، ساعد في العقود الاولى. ولكن مع مرور الوقت هذا التراث أخذ يتفكك. النتائج ظهرت جدا في الحياة اليومية حتى لو لم يكن هناك ادراك لاسبابها. ايضا جذور الادارة الفاشلة لوباء الكورونا يمكن ايجادها في الاستهانة بالسلوك المهني، الذي يميز الوزارات الحكومية، والذي يظهر ضمن امور اخرى، في الميل الى اتخاذ قرارات ارتجالية بدون تفكير على المدى البعيد، وتعيينات سياسية لا اساس لها.

هذا الواقع البائس اضيف له في السنوات الاخيرة نظام فكري آخر، يتجسد في المفهوم المشهور “سياسة الهويات”. هذا التوجه الذي ازداد حدة رغم اسهامه المهم في دمقرطة المجتمع، يرتكز بالاساس على شجب ثقافة الغرب واعتبارها متعالية وقمعية واستعمارية. نيتشه ظهر مرة اخرى فوق المنصة، وقيم عالمية وعقلانية تحولت الى شتائم. تراث كامل لتيارات فكرية انقذت العالم الغربي من القمع والجهل ودفعت قدما بمساواة الحقوق والتي اطلقت عاليا العلوم والتكنولوجيا، تم القاءه في سلة المهملات. مع مرور الوقت الحدود بين الثقافة المتدنية تم طمسها، وكل انتقاد لسلوك مجنون في الفضاء العام اعتبر كتعالي.

ازمة الكورونا كشفت فجأة قيود المجتمع الاسرائيلي: الحكومة غير المهنية تجد صعوبة في أداء عملها، العفوية كفت عن أن تكون رشيقة، الاصالة تبين أنها تناسب اكثر برامج الواقع، ومثلما هي الحال دائما، الشعار الاسرائيلي “كل شيء سيكون على ما يرام”، لا يحل المشاكل المشتعلة. ايضا شرعية تفكيك المجتمع الى مجموعات منفصلة، وشرعية عدم الامتثال لاخلاقيات سلوك ملزمة لا تساعد بالضبط في هذه الايام.

حقيقة أن قيم مثل العالمية والعقلانية تحولت الى مباديء ضرورية لمعالجة الازمة، تقتضي ايضا اعادة تفكير بأفكار سيطرت على الحياة الثقافية في العقود الاخيرة. ليس هناك يقين بأن الحكومة الحالية ومن يترأسها سيستخلصون العبرة. ولكن الحاجة الى وضع أسس فكرية للثقافة تناسب الواقع الحالي، ملحة أكثر من أي وقت مضى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.