هآرتس – بقلم ديميري شومسكي– ما بين نابليون وترامب - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم ديميري شومسكي– ما بين نابليون وترامب

0 68

هآرتس – بقلم  ديميري شومسكي– 22/11/2020

ظواهر ترامب والترامبية سيكون لها تأثير ديالكتيكي إيجابي بالضبط على إعادة بناء مفاهيم الإنسانية، التنور والعالمية “.

عشية الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة أجرت هنا الدكتورة مور التشولر مقارنة تستدعي التفكير ما بين نابليون بونابرت ودونالد ترامب (هآرتس 2/11). التشولر ركزت المقارنة على نقطة واحدة فقط: قدرة كلا هذين الزعيمين على التحرر من قواعد الصواب السياسي، والدفع قدما بخطوات حاسمة حتى عندما كانت تلك الخطوات لا تتساوق مع تلك القواعد. ولكن بالإمكان توسيع هذه المقارنة إلى جوانب سياسية وأيدولوجية أخرى.

لقد كتبت التشولر وبحق أن نابليون، قد نشر خلال الاحتلالات التي قام بها قيم الثورة الفرنسية. وهذه هي المشكلة، هذه الحقيقة كانت في حقيقة الأمر، في صميم هذه القيم، وخاصة في الفضاء المتحدث بالألمانية، والذي استولى عليه نابليون في هجوم خاطف في بداية القرن التاسع عشر. وهكذا لأنها استوردت من الخارج على حراب محتل أجنبي، فقد تحولت مبادئ الحرية والمساواة إلى قيم متماهية مع النفوذ الأجنبي المهدد لحرية وازدهار الأمة الألمانية. بالمقابل فإن مقاومة هذه المبادئ بدت باعتبارها القسمات الطبيعية والجوهرية المميزة للوطنية الألمانية والقومية الألمانية.

يصعب المبالغة في أبعاد التداعيات الكارثية لفقدات الثقة القومي- الألماني بمبادئ الثورة الفرنسية على التاريخ الحديث الألماني، والأوروبي والعالمي طوال أكثر من 100 عام بعد غياب نابليون عن منصة التاريخ. حيث أنه إذا كانت المساواة والحرية والعدالة العالمية تعتبر في نظر الناس كأسس معادية ومدمرة لروح الأمة والمصلحة القومية، عندها فإن احتمالية تحقيق هذه المبادئ في الواقع الاجتماعي والسياسي هي احتمالية معدومة. وبنفس القدر إذا كانت كراهية الأجانب والقومية المتطرفة والعنصرية تعتبر هي الدرع الواقي والضروري للأمة ضد أضرار الرياح الأجنبية، فمن المؤكد أن تجد لها مكاناً دائماً في قلب تلك الأمة- وهذا بالضبط ما حدث في تاريخ الأمة الألمانية في الفترة ما بين نابليون وهتلر.

ومثل نابليون، إذا كان ترامب قد ألحق أضراراً شديدة بمبادئ الحرية والمساواة، والتي واصل ضربها دون توقف خلال الـ 4 سنوات من ولايته كرئيس للدولة الأقوى في العالم- والتي تعتبر، ولو بصورة نظرية، الوريث التاريخي الواضح للثورة الفرنسية. ولكن أضرار الهجوم المباشر لترامب على هذه المبادئ أصغر بما لا يقاس من تلك الأضرار التي حلت بتلك المبادئ بسبب معانقة الدب القاتلة التي قام بها في حينه نابليون.

علاوة على ذلك، فإنه سيكون لظواهر ترامب والترامبية تأثير ديالكتيكي إيجابي بالضبط على وجود مفاهيم الإنسانية، التنور، والعالمية. حيث أنه عندما يأتي ليقف دون تجميل خلف الجهالة والكذب والشوفينية والعنصرية واحتقار الضعفاء والإعجاب بالقوة فإن ترامب قد رسم بصورة قاطعة وواضحة الحدود الأساسية التي أخذت في الانطماس في عهد ما بعد الحداثة، ما بين هذه المعايير والقيم الدنيئة وبين السعي للمعرفة وللحقيقة وللعدالة، والتمسك بكرامة الإنسان وحريته والإيمان بإصلاح المجتمع الإنساني. هكذا فإنه منح أتباع الإنسانية، والليبرالية والديموقراطية فرصة ذهبية لصقل وإعادة إحياء البديل الفكري والسياسي للشعبوية منفلتة العقال.

هنا يكمن إذاً المغزى الحاسم للانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة بالنسبة للبنية الأساسية الوجودية للأخلاق المدنية والسياسية في المجتمع الإنساني في أيامنها هذه. لهذا فإن خسارة ترامب تعطي إشارات للجيدي- تاوبيين وللأفري جيلعاديين وأشباههم، بأن من يمجد ويشيد بالأخبار الكاذبة وبسحق الحقيقة، وبالجهالة وعمى البصيرة، وبإهانة الآخر وكراهيته – ليس فقط لن يستفيد من ذلك بل حتى من شأنه أن يعاقب على ذلك. أجل، في عالمنا ما بعد – الحقيقة والمقلوب، فإن هذا الإنجاز يجب ألا نقلل من قيمته. فهو يشكل فتحة لأمل حذر بأنه سيكون بالإمكان التغلب بصورة ناجحة على إرث ترامب أكثر من النجاح في التغلب على إرث نابليون.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.