هآرتس – بقلم دافيد اوحانا - كم نحن قريبون من الفاشية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم دافيد اوحانا – كم نحن قريبون من الفاشية

0 85

هآرتس – بقلم  دافيد اوحانا – 23/10/2020

اذا تم ضم المناطق المحتلة التي تقع خلف الخط الاخضر لاسرائيل واصبحت لدينا دولة ابرتهايد، فمن الارجح أنه في مثل هذه الحالة سينهار السور الواقي الديمقراطي “.

للشباب، حراس العتبة. أنا أذكر “تجربة فاشية” شاهدتها في بداية 1947. عند تسرحنا من خدمة الاحتياط التي استمرت ستة اشهر في اعقاب حرب يوم الغفران، اجتمعنا، مئات الجنود المسرحين، وكنا ما نزال نرتدي الزي العسكري، في وادي المصلبة الواقع على سفح الجبل الذي يوجد عليه مبنى الكنيست. آسا كدموني، أحد زعماء الاحتجاج العسكريين (خلافا لموتي اشكنازي المعتدل)، صرخ فجأة: “لنصعد الى الكنيست”. بدأنا في تسلق التلة ووصلنا الى بوابة الكنيست التي بدأ فيها نقاش بكامل هيئتها في موضوع الحرب. فجأة ظهرت في مكان ما سيارة اريئيل شارون، وخرج منها القائد العظيم وتوجه الينا سيرا على الاقدام. قبل وقت قصير من ذلك، من خلف القناة دعا “لا تؤدوا لي التحية”. الآن استقبل بصلية من الصرخات والاحتجاج، وتراجع فورا الى سيارته.

بعد ذلك توصلت الى استنتاج ايجابي من هذه الحادثة. حتى في “وضع فوري” صغير كهذا، في نهاية حرب لم ننتصر فيها، وحتى أننا شعرنا في نهايتها بشعور محبط من الفشل أو الهزيمة، فان الديمقراطية انتصرت. في اعقاب احتجاج طويل لجنود مسرحين، الذي في صفوفه سار كتفا بكتف نشطاء حركة “السلام الآن” وما اصبحت في المستقبل “غوش ايمونيم” بعد ذلك، وعلى ظهرها أراد أن يتسلق جنرال بطل حرب حتى في حينه مثلما هي الحال الآن، كنا بعيدين عن خطر انقلاب فاشي. ورغم أن مناحيم بيغن في حكومته الاولى حذر من أن “شارون يمكن أن يجمع الدبابات حول مكتب رئيس الحكومة” (“معاريف”، 6/6/1980)، إلا أن التقليد الديمقراطي في اسرائيل كان هو المنتصر.

هل هناك خطر لفاشية في اسرائيل، والآن بصورة أشد، مثلما يتنبأ كثيرون مؤخرا؟ لدينا يكثرون الحديث عن “نهاية الديمقراطية” – التي تتبدى في سلطة مهيمنة اكثر وبسيطرة شبه حصرية لرئيس الحكومة الحالي لفترة طويلة جدا. هذا يتبدى في معارضة ضعيفة ليس في وسعها تغيير الحكومة، وبعدم تمييز متزايد بين السلطات الثلاث، وبتآكل نظام القضاء ورؤسائه، وبالمس بحرية التعبير ووسائل الاعلام، وبحظر المظاهرات السياسية وبتجنيد الشباك لمراقبة المدنيين، وفي المقابل، بوجود حكم عسكري كولونيالي متواصل. هل كل ذلك يدل على مس شديد (ربما خطير) بأسس الديمقراطية؟ هل يمكن الاستنتاج من ذلك بأن الفاشية على الابواب؟.

البروفيسور زئيف شترنهل المتوفي، حذر صبح مساء من خطر فوري وملموس للفاشية في اسرائيل. وقد جند معارفه وفكره من اجل أن يكشف لنا مرة تلو الاخرى السوابق التي كانت في اوروبا بين الحربين العالميتين، ورأى أن النموذج الاوروبي يشبه الوضع في اسرائيل. هذه السوابق كانت حسب رأيه علامة تحذير حتى في دولتنا، التي الكثيرون فيها خبروا على جلودهم فظائع الفاشية.

ابحاثه الرائدة ابرزت القوة الكبيرة للايديولوجيا الفاشية التي تدمج بين قومية متكاملة واشتراكية الدولة. منذ ذلك الحين فان الابحاث حول الفاشية انحرفت من التركيز على التفسير الايديولوجي وتحليل القيادة أو النظام السياسي الى التركيز على العنف كوسيلة رمزية للعاطفة في آليات التدمير كمتعة جمالية، وعلى علاقات العدو – الصديق وعلى علاقة بني البشر بهذه الأسس. الأخوة المجتمعية تعمل على حواس الكثير من الناس، في حين أن الايديولوجيا هي عقلانية ومنفصلة ومقنعة فقط لحفنة من الناس. التركيز انتقل من الايديولوجيا الى مركزية التجربة الفاشية (عديمة المضمون الايديولوجي). فولتر بنيامين مثلا، حذر من صرخة مفكرين يهود مثل مارتن بوبر وجورج زيمل، الذين كانوا متحمسين من تجربة المعركة ودعوا الى الاندفاع نحو خنادق الحرب العالمية الاولى، وهي حرب كانت تشكل حاضنة لصعود الفاشية في اوروبا.

إن سلوك المثقفين الذين أحبوا تجربة الحرب، رغم أنهم عارضوها قبل انطلاقها، أدى الى استنتاج أنه في اساس الفاشية هناك جاذبية لزيادة التجربة الوجودية بحد ذاتها. مثال واضح على ذلك نجده في الاساطير السياسية التي بدأت في بلورة الجماهير بواسطة قيم بطولية. نشاطات لا ترضع من دوافع اسطورية، مثل صيغ ايديولوجية، احزاب أو منفستات (بيانات)، لم تعتبر في نظر الجماهير كأشياء ناجعة. الاساس هو في التجربة البطولية السياسية عديمة المضمون – الادراك الجماعي والمشاركة المتماسكة، تقدرها الجماهير مهما كان الغرض منها. خلافا للتفسيرات الماركسية التي وضعت الفاشية ضمن التصنيفات الاقتصادية، كدليل على ازمة الرأسمالية وكمناورة للحفاظ على الفجوة الطبقية بواسطة اعطاء شعور من الثورة المزيفة، وصف محللون آخرون الفاشية كفكرة وكنظام تطرح أمل مشوه، صورة مشوهة للمستقبل. في الازمة العالمية التي حلت بكل الطبقات فان الفاشية بالتحديد، وليس الاشتراكية، وجدت لغة مشتركة مع القاعدة الاجتماعية الاوسع. سر نجاحها في اوساط الجماهير كان في أنها قدمت اجابة على الفوضى الاجتماعية وعرضت نظام ووحدة جماعية في فايمار وروما، اللتان حكامهما والمواطنون فيهما كانوا عاجزين ازاء فوضى ما بعد الحرب.

جذور الوعي الفاشي توجد في التجربة في جبهة الحرب وفي القومية الجديدة وفي التكنولوجيا الحديثة وفي وعي المجتمع. خريجو جماعة التنقيب تخيلوا الهزيمة في الحرب العالمية الاولى على وجه التحديد على أنها انتصار داخلي، انتصار للمثالية والارادة. الحرب تم تجريدها من أي دافع اخلاقي أو ايديولوجي وتحولت الى تجربة داخلية، التي هي وضع بطولي قائم بحد ذاته، وعكست مزاج مفكرين رئيسيين في “الثورة المحافظة”، والذين رفعوا راية “غروب شمس الغرب”. جماعة التجربة السياسية – الاشتراكية الدولية، “جماعة الشعب”، شملت كل اعضاء العرق: الميت، الحي والذي لم يولد بعد. جماعة هذه التجربة التي طمست الفروق الدينية أو الاجتماعية لم تكن ظاهرة ايديولوجية. وعند صعود هتلر الى الحكم تحولت جماعة التجربة الى “جماعة نضال”. وبقدر ما اقتربت فظائع الحرب من البيت فان النموذج المجتمعي المتشدد طالب بالتضحية من كل جنود الفيرماخ ومن المدنيين. مع تقدم الحلفاء بدأ النظام يتحدث عن “جماعة المصير”، في محاولة يائسة للتحذير من سقوط مروع. ولكن الحركة النازية قالت إنه ليس فقط المجتمع الالماني لن يتفكك، بل ان اعضاء “جماعة التضحية” تقاسموا الآن مشاعر وجودية مشتركة.

في اساس التجربة الوجودية، التي جاءت مكان الايديولوجيا، وقف بناء رمزي للآخر كآلية لتماسك – ذاتي. الفاشية ليست بالتحديد صورة حكم، بل هي رمز تعارف، مرآة تعكس الهوية الجماعية. العدو الخارجي، الآخر، تحول بعد الحرب الى عدو داخلي. السياسة كمميز لعلاقات العدو – الصديق، حسب تعبير القانوني الفاشي كارل شميدت، عبرت عن تجربة الصراع داخل المجتمع نفسه بدلا من الاعتراف بالتغيير السياسي. هذه التجربة القتالية هي التي كانت الاساس في تحريك الجماهير، وفي طقوس التنشئة الاجتماعية، وهي الاسس التي بشر بها الفاشيون في اوروبا بين الحربين العالميتين.

منذ اللحظة التي انحرفت فيها عن طبيعتها التقليدية كوسيلة لتحقيق شيء يتجاوزها واصبحت عملية ممتعة ومرضية بحد ذاتها، فانها اصبحت تتحرك باتجاه قومية جديدة وعدائية وتسعى الى الحرب والصراع المستمر الذي غزا الوطن هو جوهر الوجود ومبرره. التغييرات التكنولوجية منحت الامكانية للتلاعب بالجماهير والتحريض بين “العدو” و”الصديق”.

لا يمكن المقارنة بين اوروبا في فترة الحربين العالميتين وبين اسرائيل اليوم. يوجد فرق واضح بين هناك وهنا: اضيف الى مناخ الرأي الفاشيالسائد في اوروبا منذ نهاية القرن التاسع عشر، ازمة اقتصادية وتضخم مجنون ومستويات كبيرة من البطالة. مع ذلك، هناك أوجه شبه كثيرة تقتضي منا فحصها بعناية.

يمكن أن محل تجربة الحرب في اوروبا احتلته تجربة الاحتلال للمستوطنين الاسرائيليين. جماعة تجربة شبيبة التلال وايديولوجيا غوش ايمونيم دمجوا بعملية كولونيالية طاقات شبابية مع وطنية متكاملة؛ العدو من الخارج كان هنا العربي خارج البيت، القومية المتكاملة لبست في اسرائيل زي عسكري واحيانا ايضا احيطت بوشاح الصلاة. إن طبيعة الوضع غير الطبيعي، العيش مثلما في جزيرة محصنة في قلب فضاء معادي دائما، عودتنا على التصرف بمفاهيم العدو – الصديق. الجار كان عدو منذ الولادة، الذي يريد تصفيتنا، والتوتر الدائم قمنا بتنفيسه بين حين وآخر من خلال مواجهات مباشرة. الهدوء في السنوات الاخيرة مع الدول العربية لم يلغ مناخ الفكر الاسرائيلي الذي اعتاد على مواجهة مستمرة. المناطق المحتلة حولناها الى كبسولة منفصلة عن العالم العربي. المواجهة الخارجية انزلقت لدينا الى داخل البيت.

في نصف السنة الاخير يخلق بنيامين نتنياهو بعملية شيطنة عدو داخلي. العدو الوهمي من البيت يقوم حسب رأيه بانقلاب ضد الحكم، يستخف بقوانين اللعبة الثابتة التي تقول إنه فقط عن طريق انتخابات يتم اختيار نظام الحكم. رئيس الحكومة يستغل في افعاله وفي خطاباته ازمة الكورونا والشلل السياسي لغايات الغاء محاكمته التي تقترب. هو يقوم بشحن مؤيديه بطاقة سلبية تكتلهم ليصبحوا جماعة سياسية معجبة باسطورة العدو من الداخل. الاعداء الآن هم النخب، من النيابة العامة وحتى وسائل الاعلام، المتظاهرون الذين يتم عرضهم كناشرين للوباء عن طريق تجمعهم (مثل اليهود الذين تم عرضهم كمسممي آبار)، وبالطبع – الطابور الخامس على صورة عرب اسرائيل. النظام القضائي الموهوم لدولة داخل دولة، وبالتالي تصور الديمقراطية على أنها نخبوية وناعمة وهلامية. تحريض المواطنين ضد بعضهم والدعوة الى عدم الانصياع للمؤسسات الديمقراطية التي تخلق الفوضى، والتي بصورة ديالكتيكية من شأنها أن تجلب يد قوية من اجل فرض القانون والنظام. وحقيقة أنه خلال ربع قرن خام من ولايته كرئيس حكومة، شن نتنياهو عملية عسكرية واحدة فقط لا تتناقض مع حقيقة أنه ينمي الآن عدو داخلي.

في المقابل، تتراكم الآن جماعة تجربة من الخبراء ضد المس بالمؤسسات وبالعمليات الديمقراطية. نحن نعيش في بث مباشر  ونعيش على حيوية المجتمع المدني الاسرائيلي الذي يتم التعبير عنه من بين امور اخرى باحتجاج مئات آلاف المواطنين، حتى في ظروف صعبة من الاغلاق وحظر التجول تقريبا. مؤثرة هي حقيقة أن الكثيرين منا، شباب اسرائيليين لا يعرفون نظام آخر عدا عن الديمقراطي، يحاربون من اجله بدون خوف ومن خلال ثقة كبيرة بالنفس.

المجتمع الاسرائيلي يتميز ايضا بنخب تخدمه – النخبة الاكاديمية والاقتصادية والعسكرية (التي في معظمها حمائمية) والاعلامية وغيرها – التي تقف مثل جدار حصين ضد حكم فوضوي يسعى الى أن يحكم بدون منازع. في اسرائيل ما زالت توجد ثقافة سياسية اساسية تعترف بحرية التعبير وفصل السلطات وسيادة القانون، حتى لو كان هناك من يتربصون بها ويريدون تدميرها.

هل يمكن في هذه الحالة أن يكون هناك نظام فاشي في اسرائيل، حتى لو كان ذلك سلالة متميزة خاصة بنا؟ السهولة الكبيرة التي ساد فيها نظام طواريء خلال اشهر طويلة هنا تثبت أن هذه الامكانية توجد بالتأكيد، شريطة أن تنشأ ظروف فيها يتجمع حكم مستبد ومواجهة مباشرة بين مجتمعين سياسيين كعدو وصديق وازمة دستورية وتحويل اسرائيل والاراضي المحتلة الى دولة واحدة.

اذا تم ضم الاراضي التي تقع خلف الخط الاخضر لاسرائيل، وهذه ستصبح دولة ابرتهايد، 60 في المئة من مواطنيها يحكمون الـ 40 في المئة من الرعايا الفلسطينيين، فمن الارجح أنه في هذه الحالة سينهار السور الواقي الديمقراطي. المتظاهرون الشباب في هذه الايام سيصابون باليأس وسيتركون الوطن، المجتمع المدني سيتراجع وستنهك قوة النخب الاجتماعية رغم أن الفاشية لا تكمن لنا على الباب، لكن لا توجد الى الأبد مناعة لدينا.

تفسيرات ايديولوجية فقط للظاهرة الفاشية هي صياغية جدا، وتريد أن تفرض الجبل وكأنه حوض من الاساطير السياسية، تجارب صادمة، زعامة كاريزماتية بليغة الخطابة، قومية متطرفة في اطار صيغة تحليلية، التي تختزل سياسة التجربة في سرير لواط ايديولوجي ضيق. الايديولوجيا والتجربة تتشابك في الظاهرة الفاشية. لذلك يجب تحويل الوعي الى اشارة ضوئية حيث أنه اذا كان المؤرخ مؤتمن على الفهم فان المثقف هو المسؤول عن التحذير. البروفيسور شاؤول فريدلاند، أحد من اشرفوا على رسالتي للدكتوراة، قال لي في حينه (حتى قبل أن تفتح اعين البروفيسور يشعياهو لايفوفيتش ولوفا الياف) بأنه لا توجد في التاريخ خطوط حمراء، بل خطوط وردية. لا يتم القفز مباشرة من حرف الالف الى حرف الدال دون أن نمر من حرف الالف الى حرف الباء ومن ثم  الى حرف الجيم وبعده الى حرف الدال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.