ترجمات عبرية

هآرتس – بقلم  تسفي برئيل  – الدكتور جابر عصفور ماتر، “المناضل الكبير من اجل التنوير”

هآرتس – بقلم  تسفي برئيل  – 3/1/2022

” جابر عصفور كان يعتبر أن المقاطعة الثقافية لا يمكن أن تتعايش مع الانفتاح الثقافي “.

“التطبيع يعني عمل في اعقابه يتمتع من نفذه بفائدة مالية أو روحية”، قال كاتب الاعمدة ووزير الثقافة السابق في مصر، الدكتور جابر عصفور، في العام 2009. عصفور اضطر الى هذه الصياغة المتعرجة من اجل توضيح موقفه من الترجمة للغة العبرية لكتاب قامت بتأليفه الشاعرة المصرية ايمان مرسيل. كتاب “جغرافيا بديلة” (اصدار الكيبوتس الموحد، ترجمة ساسون سوميخ)، اثار عاصفة عامة كبيرة في مصر، حيث أن اعطاء تصريح الترجمة للغة العبرية خرق احد القواعد الاساسية التي تبناها المثقفون والادباء، والتي بحسبها يجب عدم تطبيع العلاقات مع اسرائيل حتى بعد اتفاق السلام الذي وقعت عليه الحكومة. 

عصفور، الذي كان في حينه المسؤول عن مشروع الترجمة القومي الذي تشكل بأمر من الرئيس حسني مبارك لتقريب الجمهور في مصر من الأدب العالمي، قرر أن يترجم ايضا كتب من اللغة العبرية الى اللغة العربية ونشرها في مصر. عندما سئل في مقابلة مع المجلية الادبية الهامة “اخبار الادب”، اذا كان لا يرى أي تناقض بين معارضته للتطبيع وبين ترجمة كتب عبرية، اجاب: “أنا لم اوقع على أي اتفاق مع أي دار نشر اسرائيلية كي لا تذهب اموال المصريين الى أيدي اسرائيلية”. وأكد على أن الترجمة من اللغة العبرية ستتم من قبل شركات اجنبية، من الانجليزية أو من الفرنسية الى اللغة العربية”. 

وماذا بشأن ترجمة الادب المصري الى اللغة العبرية؟. عصفور: أنا افضل أن لا تتم الترجمة الى العبرية بموافقة الكتاب. اذا سرقوا ادبنا فهذا موضوع آخر”. ولماذا اصلا نترجم من العبرية؟. “يجب علينا أن نعرف عدونا وأن نفهم نقاط قوته ونقاط ضعفه، هكذا يمكنني أن افهم بماذا يفكر وماذا يحيك ضدنا”.

عصفور توفي في الاسبوع الماضي (77 سنة)، وخلف تراث ادبي يتمثل بعشرات الكتب والمقالات والتحليلات، التي حصل عنها على جوائز كثيرة، واساسها الانشغال بمسألة التنوير. في اقوال التأبين التي القاها المثقفون الكبار في مصر وفي الدول العربية تمت تسميته “المناضل الكبير من اجل التنوير”، “طلائعي التنوير المصري” و”رمز التنوير”، الذي انبرى لمحاربة المحافظة والقتال ضد الراديكالية الدينية وضد ما اعتبره جمود ثقافي. عصفور لم يتردد في أن يهاجم ايضا زعامة الازهر، وهو المؤسسة الدينية الارثوذكسية الاهم في الدول الاسلامية، والذي مقره في مصر. 

تعيين عصفور، العلماني واليساري حسب مواقفه، كوزير للثقافة في 2014 من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعث الامل بأن توجه الرئيس هو المصالحة مع طبقة المثقفين الليبراليين الذين تلقوا ضربة قاسية عندما تم انتخاب الرئيس السابق محمد مرسي، رجل الاخوان المسلمين. هذا الامل تبدد في فترة قصيرة، لكن في هذه الاثناء اعتبر عصفور تعيينه رخصة للبدء في ثورة ثقافية، غربية وليبرالية، لا يوجد للازهر مكان فيها.

الخلاف الشديد مع الازهر كان في 2014 عندما حظرت المؤسسة الدينية عرض فيلم “نوح” بسبب الاسلوب الذي تم فيه تجسيد شخصية النبي نوح، خلافا لتعليمات الشريعة. “الازهر لا يسيطر علينا. نحن نخضع للدسور”، قال عصفور. “لا يوجد في الشريعة أي أمر يمنع تجسيد شخصية الانبياء. وفقهاء الازهر لا يعرفون ما يتحدثون به”. في نفس السنة نشر مقال في صحيفة “الاهرام” كتب فيه: “الخطاب الديني ليس الدين. ونصوصه غير مقدسة. هذا الخطاب هو ترجمة لفهم الانسان للكتابات المقدسة”. على الانتقاد الحاد لرؤساء الازهر رد: “أنا اعتبر المقالات التي يكتبها عدد من فقهاء الشريعة في الازهر دليل على تميزهم بضيق الافق”. 

جهود المصالحة بينه وبين الازهر لم تنفع. عصفور تم اجباره على الاستقالة من وظيفته وعاد لكتابة ابحاثه ومقالاته، التي واصل فيها انتقاده الشديد للازهر، وسماه “مؤسسة تنتج ارهابيين متطرفين”. في مقابلة مع المجلة الادبية “الجديد” قال: “تطور الخطاب الديني الى خطاب ارهابي هو من علامات ثقافة التخلف. هذه الثقافة لا تسعى الى الحوار ولا تتحمل اختلاف الآراء. من يؤمن بها يعتقد أنه هو صاحب الحقيقة وأن غيره مخطيء. لذلك، هو كافر يجب ابادته”. مواقفه الليبرالية من ناحية والمقاطعة الثقافية التي فرضتها النخبة المثقفة على اسرائيل من ناحية اخرى، خلقت معضلة لعصفور، التي حسب رأيه المقاطعة الثقافية لا يمكن أن تتعايش مع الانفتاح الثقافي. ولكن هذه المعضلة كانت ظاهرية فقط. فعصفور نفسه “تجاوز الخطوط” عدة مرات وقام بالالتقاء مع اسرائيليين في مصر وخارجها. وعندما فاز الكاتب دافيد غروسمان في 2017 بجائزة “بوكر” عن كتاب “حصان واحد دخل الى البار” قال عصفور في مقابلة مع صحيفة “اليوم السابع” المصرية بأن “فوز غروسمان هو امر طبيعي. لأنه يوجد لاسرائيل حضور دولي مهم، وهي جزء من المجتمع الدولي. اسرائيل فازت بجائزة نوبل للادب في 1966 قبل أن يفوز بها نجيب محفوظ. ويجب القول بنزاهة بأن الادب الاسرائيلي يستحق الجوائز العالمية… نحن ننشغل بالصناعة والتجارة، وفي المقابل اسرائيل التي هي في الحقيقة تنشغل ايضا بالصناعة والتجارة، لكنها في البداية تعكف على الثقافة والأدب والبحث العلمي”. هذه التصريحات سببت له الكثير من المشكلات مع اصدقائه. لأنهم اعتبروه “مثقف الدولة” وخادم الرئيس، ووجدوا صعوبة في تبني نزاهته الفكرية.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى