هآرتس – بقلم اوري مسغاف - ماذا سنصنع بدون اوشفيتس - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم اوري مسغاف – ماذا سنصنع بدون اوشفيتس

0 47

هآرتس – بقلم  اوري مسغاف  – 21/5/2020

لقد اصبحت زيارات معسكرات الابادة هي أمر ضروري من اجل اذكاء وتعزيز الكراهية والروح القومية المتطرفة في اوساط الشبيبة في اسرائيل. وبهذا اصبحت هي العنصر الثالث في الثالوث المقدس للاسرائيلية الحديثة: الدين والجيش والكارثة “.

رحلات الشبيبة الى معسكرات الابادة في بولندا هي ذهان وطني صعب. ربما لا يوجد له علاج، وبالتأكيد لا يتم علاجه. ومثلما هي الحال في أي مرض لا يتم علاجه، فان اعراضها تشتد مع مرور السنين. محظور التوقف عن مناقشتها. على سبيل المثال، الصفحة الرئيسية في “يديعوت احرونوت” في ذكرى يوم الكارثة الاخيرة بثت حموضة اذا لم تكن خيبة أمل حقيقية. “في ابواب جهنم المغلقة”، صرخ العنوان، والعنوان لصورة الموقع الخاوية قال “معسكر اوشفيتس الذي هو بشكل عام يعج بالناس في مثل هذه الفترة من السنة، كان فارغا بسبب وباء الكورونا وسيبقى هكذا ايضا اليوم”. ذات يوم مثل اوشفيتس الرعب الاسرائيلي الوجودي؛ واحيانا يبدو أن الذعر الحقيقي تحول منذ ذلك الحين الى “ماذا سنصنع بدون اوشفيتس”.

إن عرض هذا المزاج السائد كان يمكن ايجاده هذا الاسبوع في مقال اوري مايزلمان في “هآرتس” في 18/5. الكاتب غاضب على روغل الفر لأنه “يعيد انتاج ادعاءات قديمة لمعارضي الرحلة”، لكن بالضبط رده كان مليء بالشعارات المحرجة والمتزامنة. مرة اخرى وصف الشاب الاثيوبي الذي يساعد زميله الاشكنازي في البحث عن اسماء في سجل القتلى، مرة اخرى طلاب الثانوية اليهود والعرب ينشدون معا بصوت واحد وقوي “الهي، الهي”. كل شيء يبدو مثل نسخ ولصق من مقال قديم ليئير لبيد. ربما هو اكبر مبدعي صناعة اوشفيتس واولئك الذين حولوا التجول في المعسكرات الى معيار للاسرائيلية. ومثل لبيد فان مايزلمان يرى في هذه الرحلات احتفال تدشين، بوتقة الصهر النهائية التي يسميها “مؤسسة تعليمية مدهشة”، وهو يقلل من حقيقة أن الامر يتعلق ايضا بمشروع اقتصادي مدهش، يمكن شخص مثله من أن يعتاش 18 سنة من ارشاد بعثات الى بولندا. وحتى اذا كان هو والكثير من اصدقائه يتحلون بنوايا حسنة ففي نهاية المطاف هم جزء من صناعة الكارثة.

بعد اكثر من 30 سنة على الرحلات والبعثات، تقريبا لا أحد يواجه السؤال الاساسي: لماذا علينا حقا أن نرسل ابناء الشبيبة الى رحلات منظمة لزيارة معسكرات الابادة؟ لماذا يجدر بنا مواجهة نفوسهم الشابة التي لم تتشكل بعد وتميل احيانا الى تطرف المشاعر، بالضبط مع خلاصة الرعب البشري؟ الاجابة واضحة، حتى لو لم تكن لطيفة: تلقين في الطريق الى حائط المبكى والى مكتب التجنيد حتى لو كان هناك فروقات دقيقة ونهج مختلف في توجيه البعثات، فان الخلاصة على الاغلب تقدس القومية المتطرفة والعسكرتارية. مثال محزن، يصعب تجاهله، ظهر في الاسبوع الماضي عند موت العريف عميت بن يغئال الذي قتل في الهجوم على قرية فلسطينية قرب جنين، بواسطة رشق حجر عليه. الغرض من العملية مثلما في دائرة لانهائية وعقيمة وغير مجدية كان اعتقال راشقي الحجارة.

هذه الدائرة يتم الحفاظ عليها وتغذيتها ايضا بواسطة صناعة الكارثة: بن يغئال كان إبن وحيد لوالده الذي صمم على التطوع في الخدمة القتالية في اعقاب رحلة الى بولندا (“هناك فهمت ماذا يعني العلم والنشيد الوطني”).

هذا مثال مهم لأنه يصفي القصة: اسرائيل تحتفظ بشعب آخر تحت الاحتلال والقمع والسلب منذ 53 سنة. الفريسة تحولت الى مفترس، الضحية تحولت الى جاني. كلما انحرفت الصهيونية عن الطريق الصحيحة والدولة ابتعدت عن القيم الاصلية لمفكريها ومنشئيها، فان التمرغ في قذارة اوشفيتس اصبح ضروريا من اجل تقديم مبرر.

من شارك في هذه الرحلات وحقق في انتاجها يدرك الى أي درجة هي تمثل صورة مجزأة ومشوهة، ولو حتى لمجرد وجودها في بولندا وليس في برلين. لقد كان للنازيين سبب ممتاز لانشاء مخيمات الابادة بعيدا عن العين وعن القلب، والقطار الجوي الاسرائيلي الى بولندا يعيد نسخ هذا المنطق. النتيجة هي أن الجولات ليس فقط تشجع الضحايا والتعصب والانغلاق، بل هي ايضا تذكي الكراهية الشديدة – للبولنديين، وبصورة غير معقولة ايضا للفلسطينيين. في العقد الاخير  أخذ يتعزز ايضا العنصر الديني، حاخامات يرافقون البعثات وحدث تضخم في الصلوات والطقوس اليهودية. هذا هو اللامعقول بتجسده (الاله لم يبرز في اوشفيتس)، لكنه يكمل الثالوث المقدس من الاسرائيلية الحديثة: الدين والجيش والكارثة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.