هآرتس – بقلم اسفسكي ليفي - اتحاد دولتي اسرائيل وفلسطين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

هآرتس – بقلم اسفسكي ليفي – اتحاد دولتي اسرائيل وفلسطين

0 81

هآرتس – بقلم اسفسكي ليفي – 27/9/2020

يبدو أن هذه البلاد نفسها لا تريد أن تنقسم. فهي تتحدى سكانها المتشابكين مع بعضهم وتقول لهم يجب عليكم ايجاد حل آخر غير التقسيم “.

في مفترق شارع يهودا هيميت وشارع آدم باروخ في يافا، مباشرة قبل الصعود الحاد الى مطعم حمص أبو حسن الاسطوري، يوجد ميدان صغير ومعتنى به جيدا، شجرة زيتون مغروسة فيه وفيه زرعت الازهار، وهو يسمى باسم الشيخ باسم أبو زيد، الذي كان في السابق امام المسجد الكبير “المحمودية” في منطقة الميناء، وكان المفتي ومن مؤسسي الحركة الاسلامية في يافا.

هذه الزاوية الصغيرة التي تحترم وتقدر العربي واليهودي الموجودين فيها هي حسب رأيي رمز ونموذج للنهج الذي فيه يمكن لاسرائيل كلها ويجب أن تكون. اسرائيل التي هي دولة نموذجية، دولة يهودية وعربية وديمقراطية كبيرة، موحدة ومزدهرة، يعيش فيها أبناء الديانات باحترام وسلام وصداقة، يعيشون فيها ولم يعودوا يحاربون بعضهم البعض ولا يقتلون فيها ولا يموتون باسمها، يعيشون.

منذ اقامة الدولة وحتى قتل رئيس الحكومة اسحق رابين كانت اسرائيل مثل أحد الزواحف: أكلت اراض وكبرت بسرعة. احيانا تقيأت من كثرة الأكل، الى أن جاء الوقت واشبعت شهيتها الكبيرة وأخذت مكانها في فضاء الشرق الاوسط، مع حدود غير واضحة وعدم راحة في المحيط. قضية القتل تلك وكأنها جمدتها في مكانها. قتل رابين هو النقطة الزمنية التي فيها تحولت الحشرة الزاحفة الى شرنقة.

مرت 25 سنة، ومنذ ذلك الحين توقفت اسرائيل عن الأكل. وقد أقامت حولها اسوار وجدران، تقوقعت داخل ذاتها وتجمعت داخل نفسها الصاخبة والضاجة، وغلفت نفسها بدرع وجدران واقية وقبة حديدية، ولم تتوقف عن الشجار حول حدودها غير الواضحة وغير المتفق عليها، والمختلف حولها. وكأن الشرنقة تمردت على صانعها. 25 سنة مرت واسرائيل متعبة من شدة الجوع لشيء آخر. تيارات الارض فيها تتمرد بصوت رمزي: العدالة لسولمون والعدالة لاياد. يثورون ازاء حالتها الوجودية المتعفنة، المشبعة بالكراهية والمتلاعبة وضد الحقد والشجار والخلاف. 25 سنة مرت وقد حان الوقت لاجراء تغيير، حان وقت تحويل شكلها.

الشعب مثل الانسان، هو مخلوق دوري ومتطور. الأمة هي كيان حي، يفكر ويتغير ويتحدد مع مرور الوقت ومع دقات عقارب الزمن. للشعب مثل الانسان توجد جروح ومخاوف ومشاعر. التاريخ التراكمي والوعي المشترك هما القصة المتشابكة بلغتها وواقعها.المرحلة القادمة والمطلوبة في حياة اسرائيل كأمة هي التحول من شرنقة الى فراشة.

هذه اللحظة التي فيها من داخل الكبسولة المظلمة والمكتظة والقبيحة تندفع الى الهواء الحر فراشة جذابة وملونة وجميلة، هي احدى لحظات الطبيعة المدهشة، هي الطبيعة بكامل سحريها، هي ذروة عملية النضج الطويلة واحيانا المؤلمة، لكن الضرورية والمحتمة. هذه اللحظة هي تحقيق هدف الشرنقة التي كانت ذات مرة زاحفة. هي الامكانية الكامنة التي نضجت في وقتها لتصبح واقعا. هي تجسيد للحلم، هي العيش بسلام.

مارتن لوثر كينغ كتب ذات مرة بأنه يحين الوقت للتغيير عندما يكون الوقت نفسه مستعد للتغيير. الشاعر يعقوب روتبليت كتب في نهاية ستينيات القرن الماضي في قصيدة للسلام: “لا تقولوا سيأتي يوم، بل احضروا ذاك اليوم”. كينغ وروتبليت محقان. كل شيء يأتي في وقته. ووقت السلام لا يمكن أن يأتي إلا بعد وقف الحرب. ولكن زمن السلام لا يأتي هكذا بصورة مجردة، في يوم صاف: الانسان والشعب يجب عليهما التسامي من اجله. زمن السلام هو المشهد الذي نراه من قمة الجبل. هو مقابل الجهد الانساني الكبير، الجهد الذي هو تسامي النفس، الجهد الذي هو التغلب على الخوف، الجهد الذي هو الشجاعة والقدرة على حب النفس، وهو الجهد المنقي. هذا جهد يشكل النمو من داخل الصعوبات والألم وقيود الماضي. هذا جهد يشكل الخروج من شرنقة العبودية الى حرية الفراشة.

في العام 2020، بعد 150 سنة تقريبا على النزاع الدموي والوحشي والعنيد، حان الوقت للشعب اليهودي كي يصنع سلام مع العرب. سلام يشكل اعادة قبول لليهودي في ارجاء الشرق الاوسط. مكانه التاريخي، مكانه الطبيعي. سلام هو اعتراف وقبول وتسليم وتصالح مع أبناء الشعب الفلسطيني، أبناء هذه البلاد، سكانها الاصليون وأطفالها. سلام هو خلق شراكة متساوية وحقوق كاملة متساوية لجميع سكان الارض. البلاد هي واحدة وهي لنا جميعا.

منذ العام 1937 وحتى الآن العالم يحاول تطبيق صيغ مختلفة للفصل بين أبناء العم، أبناء ابراهيم، اليهود والعرب، ولكن بدون نجاح. المنطق خلف مبدأ الدولتين يقول إنه اذا تم فقط فصل التجمعين السكانيين، هؤلاء هنا واولئك هناك، فسيقتنع الشعبين بنصيبهما وسيضعان السلاح وسينهون العداء. هذا لم يحدث ولن يحدث. الامر ليس كذلك.

مجرد فكرة تقسيم البلاد ورثناها من الانتداب. فهي ليست فكرتنا، وهي تعارض التراث الذي جئنا منه. البريطانيون كانوا في حينه امبراطورية كولونيالية في السير نحو الأفول، وما استطاعوا فعله هو رسم خطوط على الخريطة طبقا لدرجة وجع الرأس الذي تسبب به الشعبين اللذين يقعا تحت حكمهم. وقد مرت منذ ذلك الحين 83 سنة والعالم ما زال يحاول تطبيق صيغ مختلفة لنفس الحل باسم نفس المبدأ، لكن البلاد نفسها وكأنها لا تريد أن تنقسم. هي تتحدى سكانها المتشابكين الواحد بالآخر وتقول لهم: يجب عليكم أن تجدوا حل آخر. البلاد هي مثل الطفل الذي تم احضاره أمام الملك سليمان: اذا قسمه فسيقتله.

هكذا فان حل دولتين متخاصمتين وغير راضيتين، وكل واحدة منهما متداخلة في الاخرى، لن يؤدي الى الهدوء ولن يؤدي الى السلام. وسبب ذلك بسيط وهو أن النزاع بين اليهود والعرب ليس نزاع على الارض، والخلاف بيننا ليس خلاف على مساحة، بل هو قصة خوف واستهانة وتعالي وغضب.

النزاع هو قصة اليهودي الذي تم ابعاده عن ارضه قبل الفي سنة، وعاد وهو يرتدي بدلة ومعطف وقبعة، والتقى للمرة الاولى مع حياة العربي، الذي كان هو نفسه مثله. وقد سماه فلاح، ورأى فيه شخص حقير. وقد سخر من ثقافته ومن دينه ومن علاقته بالارض. العربي ثار ورد على ذلك بغضب وعنف قاتل. وفي تلك اللحظة بالذات ولد النزاع القومي الذي يرافقنا منذ ذلك الحين وحتى الآن. جميعنا ولدنا فيه، وجميعنا أسرنا داخل الاطر المقيدة والمسممة والمحفورة عميقا في وعي الشعبين. وقد حان الوقت للتعافي.

البشر يريدون من الآخرين أن يروهم، وهم يريدون أن يعترفوا بهم، بقيمهم وثقافتهم، بلغتهم وتاريخهم. البشر ينمون ويتطورون من خلال رؤيتهم لهم. وبالعكس، الناس يطورون الغضب والاحباط اذا تم تجاهلهم واذا تم تجاهل وجودهم، واذا لم يحترمون مكانتهم وتعالوا عليهم. على كل الاحوال، حل النزاع المحتمل والوحيد هو مسار المصالحة الذي خلاله سيتحول العدو الى صديق. كل محاولة لايجاد حل آخر هي تجاهل لجذر المشكلة، وفي الاصل سيبقي الطرفين متعاديين وغير راضيين. الارض ستبقى في مكانها الى الأبد، الموقف يجب أن يتغير. ونفس الشعوب يجب عليها أن تتجاوز الاخفاقات. الشعب الفلسطيني يجب عليه التغلب على الغضب وعلى شعور الانتقام. والشعب اليهودي يجب عليه أن يجد القوة للتغلب على الخوف وعلى الحاجة الى السيطرة. هذه هي الحلقة المفرغة التي تحيط بطرفي النزاع والتي يجب الخروج منها الى الحرية. نحن معا هنا على نفس الارض، نعيش بقوة الوعد الذي اعطي لنسل ابراهيم. وقد حان الوقت للتعلم كيف نعيش معا بشكل جيد وبسلام. خطوة اولى في رحلة المصالحة هي اعتراف الشعبين بحقهما المتساوي والمشترك على كل الارض. روح جديدة ستهب في البلاد عند مجرد الاعتراف المتبادل بالحقوق. ولا يمكن التقليل من اهمية هذه الخطوة. فهذه ستكون المرة الاولى في التاريخ التي يعترف فيها الفلسطينيون بحق اليهود الطبيعي في البلاد؛ وهذه ستكون المرة الاولى التي تفتح فيها الحركة الصهيونية عيونها على محيطها، اعتراف متبادل هو الاساس لاصلاح العلاقات.

المرحلة الثانية هي وقف كامل للعنف مدة سبع سنوات على الاقل بدون ارهاب أو صواريخ أو اقتحام الجيش للمدن الفلسطينية وبدون تحريض أو خطوات أحادية الجانب مهما كانت، بدون توسيع المستوطنات وبدون سكاكين وبدون مستعربين ومحاولت قمع وسيطرة. سبع سنوات من الهدوء المبارك والضروري ليس فيها أي استفزاز. فترة اختبار واعادة تأهيل، سيتم ذكرها رسميا بعد عمل دعائي عميق، يؤكد خلاله على المصالح المشتركة للمصالح التاريخية، حتى في اوساط المعارضين الاكثر بروزا في الشعبين. مع ذلك، اذا كان هناك اعمال عدائية دموية في فترة الاختبار فان العملية ستفشل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.